"الحصادون".. أفارقة في أدنى سلّم الاستغلال بالحقول الأوروبية

في الحقول والمزارع الأوروبية وفي موسم حصاد غلاتها، يأتي ملايين من العمال المهاجرين للعمل فيها بلا عقود، ولحاجاتهم وعوزهم يقبلون شروطا مجحفة، تحرمهم من أبسط حقوقهم، كما تسهل استغلالهم بأشكال شتى.

يرصد الوثائقي الألماني "الحصادون" (The Pickers) هذه الحالات، ويحلل أسبابها بإحاطة واسعة بموضوع العمالة الموسمية في الحقول الأوروبية، والعوامل الفاعلة فيها.

وفي مقدمة تلك العوامل متاجر المواد الغذائية العملاقة، التي لا يهمها إلا نيل المنتجات الزراعية من فواكه وخضر بأسعار زهيدة، ثم تبيعها للمستهلك بهامش ربح كبير، لا تراعي فيه القوى العاملة التي توصلها جاهزة إلى محلاتهم التجارية.

لعبة الأسماك الكبيرة والصغيرة

تعمل صانعة الوثائقي "ألكسي ساسي" على عرض مشهد جامعي الفواكه والمزروعات في الحقول الأوروبية بكل تفاصيله، وتعطي للفاعلين فيه فرصا جيدة لعرض وجهات نظرهم، وفي النهاية تترك للمشاهد الحكم عليها.

تلقى "ألكسي" أول الأمر بعض أصحاب المزارع في عدة دول أوروبية، وتنقل وجهة نظرهم في المسألة، فكثير من الناس يرى أنهم الأكثر استفادة في دورة الإنتاج الزراعي، وأكثرهم استغلالا لجامعي محاصيلهم الزراعية.

كما تلتقي مزارعين إيطاليين في منطقة كالابريا، ومن كلامهم يُفهم أن عليهم ضغوطا من متاجر المواد الغذائية العملاقة لخفض أسعار منتجاتهم، لدرجة أنهم يشعرون أن جهدهم طيلة السنة لا يأتي عليهم بالفائدة المرجوة، وأن أصحاب سلاسل المحلات العملاقة يتعاملون معهم وفق المعادلة التالية: تبيع لنا بالأسعار الرخيصة التي نحددها نحن، أو نحذفك من قائمة المتعاملين معهم!

الملصق الدعائي للفيلم

يدفعهم هذا الوضع للضغط على عمالهم وجامعي الفواكه عندهم. يقول "نيلو" وهو صاحب مزرعة: إن بيع المنتج الزراعي بأسعار رخيصة يقلل هامش الربح كثيرا، ويدفع لتخفيض أجور العمال، وغالبا ما يؤدي خفض الأجور إلى امتناع العمال المحليين عن العمل.

البديل الآخر الأسهل والأرخص له ولغيره من المزارعين هم العمال وجامعو الفواكه المهاجرون، الذين يقبلون العمل بأجور زهيدة بلا عقود عمل رسمية، وذلك لحاجتهم وفقرهم.

إعلان

لا يلزم "نيلو" نفسه بكتابة عقود عمل مع هؤلاء العمال، حتى لا تجبره المؤسسات والنقابات العمالية على توفير شروط عمل مناسبة لهم.

صُناع الثروة البائسون

أكثر جامعي الفواكه في المزارع الأوروبية هم من الأفارقة، ومنهم "سيدو" المالي، الذي يجمع محصول البرتقال بمنطقة إيطالية، وقد جاء بحرا مع جماعة من المهاجرين، وهم يعملون كلهم بمبدأ القطعة، أي أن أجورهم لا تحسب بعدد الساعات، بل بعدد الصناديق التي يملؤونها.

لا تنحصر مأساتهم في ظروف العيش بأكواخ خشبية يبنونها بأيديهم من بقايا خشب الصناديق والبلاستيك، ولا في الأجور المنخفضة التي لا تناسب جهدهم المبذول في الحقول وقتا طويلا، بل يخافون دائما من اكتشاف المفتشين الرسمين أمرهم، فكلما سمعوا بقدوم أحدهم يتراكضون ويتوارون عن الأنظار.

برتقال بطعم عذاب قاطفيه

العمل بلا عقد يسهل استغلال أصحاب المزارع لهم، ويصعب عليهم فرص الحصول على سكن مناسب، لأن وجودهم غير قانوني في إيطاليا.

ينقل الوثائقي مشهدا من حياتهم اليومية تحت أسقف مهترئة يعيشون فيها، ثم ينتقل إلى مشهد آخر يظهر فيه صاحب متجر لبيع المواد الغذائية في إعلان تجاري، يعلن فيه بابتهاج جودة بضاعته ورخص أثمانها.

لا يهتم هو ولا غيره من أصحاب المتاجر الأوروبية بمعاناة العمال المستغلة قوة عملهم بلا رحمة، وبفضلهم تصل الفواكه والخضر إلى محله طازجة رخيصة.

يصف محلل اقتصادي -تستعين به صانعة الوثائقي- حياة مديري المحلات التجارية، بأنها بعيدة عما يقع في الحقول من استغلال بشع للمهاجرين الفقراء.

عمال المزارع يعيشون في ظروف سيئة

فكل ما يهم هؤلاء هو الأرباح الهائلة وزيادتها، ثم الظهور أمام المستهلكين مظهر المتفضل عليهم بتوفير ما يريدون من فواكه وخضر طازجة، بأسعار تناسب مداخيلهم، من غير ذكر لهامش الأرباح، التي لا تناسب السعر الحقيقي الذي يشترون به بضاعتهم من المزارعين.

دُولة بين الأغنياء

ينقل الوثائقي أرقاما تثبت أن قلة قليلة من المتاجر العملاقة تسيطر على عموم السوق الأوروبية، فشركة "كارفور" تسيطر على 20٪ من السوق الفرنسية، وتنال بقية المتاجر الأوروبية العملاقة 80٪ من الأسواق البقية.

أما شعار الشركات المعمول به، الذي يُكسبها السلطة والمال، فهو: ربح أكثر، وتوزيع أكثر، وفروع أكثر. لا يتفاوض أصحاب هذه المتاجر مع أحد، لا مع المُزارع ولا مع المستهلك. بل هم يفرضون الأسعار التي يريدونها.

الأجور حسب عدد الصناديق

والحقيقة الصادمة أن الكل يخسر في عملية نقل المنتجات الزراعية وشرائها عبر سلاسل تجارية طويلة ومعقدة، عدا أصحابها الأثرياء؛ أما المزارع والمستهلك فيخسران، والأكثر خسارة هم جامعو المنتجات الزراعية الموسميون.

ولتوسيع المشهد الأوروبي وعرض حالة جامعي الفواكه من المهاجرين في دوله، ينتقل الوثائقي إلى منطقة كالاماتا اليونانية، المشهورة بزراعة الزيتون، وأكثر جامعيه هم من باكستان، ويعملون مثل غيرهم من المهاجرين غير الشرعيين بلا عقود، ولا ينالون إقامات عمل رسمية.

يعمل هؤلاء ساعات كثيرة، ويختارهم عادة أصحاب مزارع يأتون إلى ساحة المدينة، ويختارون بعض المهاجرين للعمل في حقولهم بشروطهم المجحفة. يعترف أحدهم بأن علاقته بالحصادين ملتبسة، فهو لا يعرف أي شيء عنهم، ولا يعنيه تاريخهم الشخصي.

خوف من مداهمة لجان التفتيش

يشعر "عادل" جامع البرتقال بالغربة في المكان، ويضطر للبقاء فيه على أمل نيل حق الإقامة الرسمية، والوثائق التي تمكنه من العودة إلى وطنه ولقاء أهله، الذين لم يزرهم منذ مدة طويلة، ويكتفي مجبرا بمراسلتهم، وإبقاء أمل اللقاء بهم حاضرا.

إعلان

ومما يزيد اغتراب ملايين من الحصادين الموسميين خوفهم من دهم الشرطة، وتزيد خشية الطرد خارج الحدود مرارة العيش في ظروف سيئة.

مغربيات في غربة جائرة

تشهد منطقة هولفا الإسبانية تجربة مختلفة مع جامعي الفواكه المغاربة، بعد عقد الاتفاقية الرسمية بين البلدين، التي بموجبها تنتظم العلاقة بين الطرفين المعنيين بالعمل الموسمي في الحقول الإسبانية، وتتيح حصول نحو 15 ألف امرأة على فرصة العمل في حقول الفراولة (التوت البري) بشروط رسمية.

من أولئك النسوة بهيجة، وهي تعمل لتوفير حياة مناسبة لعائلتها، ومع أن الابتسامة لا تفارق محياها، فإن الواقع لا يخلو من استغلال بشع، فالأجور لا تحتسب بعدد الساعات التي تنص عليها قوانين العمل الإسبانية، بل بعدد الصناديق المملوءة.

نساء مغربيات يعملن في الحقول الأوروبية

تعيش جامعات الفراولة في بيوت بسيطة، ويجتمعن معا في أوقات الفراغ، وبجانبهن دوما جامعات مغربيات، هاجرن خارج المعاهدة الرسمية، يعشن في ظروف أكثر سوءا، وهن يتكتمن جميعا على ظروف العمل والأجور المنخفضة، ويجاهرن في الظاهر بأنها مناسبة، لكنهن في السر يتحدثن عن الصعوبات والاستغلال، وأنهن يلتزمن الصمت مجبرات، خشية طردهن من العمل.

تأتي الناشطة النقابية سمية إلى تلك الحقول، وكانت من قبلُ جامعة فراولة، فتوصل للنسوة معلومات عن حقوقهن، وتسمع شكواهن لتنقلها إلى المسؤولين والنقابيين. تعترف لها إحداهن بأن المشرفين على العمل يتحرشون بشرفها، وأن أحدهم هدد بطردها حين امتنعت منه.

تجارب ملهمة

يثير ظروف الحقول الأوروبية حفيظة بعض الناشطين والسياسيين من أبنائها، ومنهم الألمانيان "فرانسيسكا هومبرت" و"ستيفن فوغل"، وهما من الساعين لفضح استغلال الحقول، ويدعوان الناس لرفض شراء البضائع "الرخيصة"، المنتجة على حساب الفقراء من المهاجرين.

يحيلان الخطأ الحاصل في عملية نقل المنتجات الزراعية وبيعها في المتاجر بالآلية المعمول بها اليوم، إلى طبيعة النظام الرأسمالي، الذي يركز على الربح، ولا يراعي ظروف عمل القوى المنتجة، وهي عرضة دوما لاستغلال رأسمالي بشع.

تجربة برتغالية ملهمة تصون كرامة جامع الفواكه

وهما يستندان في حكمهما وتحركاتهما على أساس تقارير، تقدمها منظمات حماية العمال والفلاحين، وعلى تقارير داخلية لمتاجر المواد الغذائية، أحدها قدمها متجر "ليدل"، واعترف باستغلال جامعي الفواكه، لكنه لم يفعل شيئا لإيقافه.

يدفع ذلك بعض مندوبي الأحزاب اليسارية في البرلمان الأوروبي، للعمل على استصدار قوانين جديدة، تلزم المزارعين بتطبيق قوانين العمل المتبعة في كل بلد أوروبي، ومع أن بعضهم نجح في هذا المسعى، فإن الدول الأوروبية ما زالت منقسمة بين تطبيق القانون وتجاهله.

تخوض شركة برتغالية صغيرة -لزراعة المحاصيل الزراعية وبيعها للمستهلك مباشرة- تجربةً ملهمة، تتجنب بها التعقيد الحاصل في انتقال المحاصيل من جهة إلى أخرى، بوجود سلاسل ودول وسيطة ترفع أثمانها، فيوفر صاحب المشروع لجامعي الفواكه عنده السكن الملائم، ويعطيهم أجورهم المستحقة، ويجني في الوقت نفسه أرباحا معقولة.

علاقة المزارع بشجرة الزيتون أقوى من علاقتها بمالكها الأوروبي

تلك التجربة المنقولة في هذا الوثائقي المهم الشجاع، يمكن اتخاذها مثالا يقتدى به، وأخذه عينة فاضحة لاستغلال أصحاب المتاجر العملاقة للجميع، ومنتقدة في الوقت نفسه لسلوك أصحاب الحقول الذين يشكون تسلط المتاجر الكبيرة عليهم، ثم يستغلون جامعي الفواكه من المهاجرين أسوأ استغلال.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان