هاشيما اليابانية.. جزيرة أشباح كانت يوما منجم الاقتصاد ووقود الحرب

قبالة سواحل مدينة ناغازاكي غربي اليابان، أطلّت من بعيد مباني خرسانية، كأنها أشباح صامتة قابعة فوق سطح المياه الراكدة، تصطف كأنها سفينة حربية ضخمة منذ العصور الغابرة.
تحيط بهذه الأبنية المهترئة أسوار متوسطة، تمتد حتى حافة المياه في الأسفل، وتقع كلها على جزيرة صخرية صغيرة، فريدة في بنيتها وسردها التاريخي، تسمى جزيرة هاشيما.
ففي ذروة نشاطها، كانت هذه الجزيرة الموحشة من أكثر الأماكن اكتظاظا وتلوثا في العالم، ونشأ بها مجتمع صغير من العدم في وقت قياسي، بعد إعلانها مركزا أساسيا لاستخراج الفحم وإنتاجه، واستمر هذا النشاط نحو 84 عاما، نما فيها المجتمع نموا عموديا لاستغلال المساحة الضيقة، مع توفير جميع المستلزمات والضروريات التي يحتاجها أي مجتمع بشري.
تعد هاشيما من أبرز الشواهد التاريخية على حقبة شهد فيها العالم نموا اقتصاديا سريعا وثورة صناعية غير مسبوقة، مما أحدث تغيرا صارخا في الحياة الاجتماعية والنمط المعيشي في اليابان، وكانت قبل ذلك نموذجا للاقتصاد الزراعي والنظام الإقطاعي، ضمن ما يعرف بحقبة العزلة اليابانية أو "ساكوكو"، أي "البلاد المغلقة" في اللغة المحلية.1
في تلك الحقبة، كانت سياسة الحكم العسكري -وتسمى "الشوغونية توكوغاوا"- صارمة في إدارة العلاقات الخارجية، وكانت عقوبة الموت تطبق على كل من يحاول دخول البلاد أو مغادرتها، سواء كان يابانيا أو أجنبيا.
فك عزلة اليابان
بدأ تطبيق قانون إعدام الدخلاء والمهاجرين منذ عام 1639، عندما طُرد جميع الأجانب الأوروبيين، ولا سيما التجار والمبشرون الكاثوليك الإسبان والبرتغاليون، ممن دخلوا اليابان بأعداد كبيرة في النصف الثاني من القرن 16. وقد سمحت اليابان بالتعامل المحدود مع هولندا والصين عبر ميناء واحد، للحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز النظام الإقطاعي.
استمرت تلك العزلة نحو 200 عام، حتى ظهر في عام 1853 أسطول بحري أمريكي مكوّن من أربع سفن بقيادة "ماثيو بيري"، في مهمة إلزام اليابان بالسماح للسفن الأمريكية باستخدام موانئها، بحثا عن أماكن آمنة للتوقف والتزوّد بالفحم، إذ يفصل هذه السفن عن موطنها نحو 8 آلاف كيلومتر، في رحلة طويلة تستغرق نحو 10-14 يوما، مرورا بالمحيط الهادئ.2

ومع أن هذه السفن لم تكن سوداء، فقد لقبت "السفن السوداء"، للدخان الأسود المتصاعد من محركاتها البخارية، التي تعتمد على الفحم مصدرا أساسيا للطاقة. كما أنّها كانت مزودة بعتاد كامل وقوة مدفعية كبيرة، لم يكن اليابانيون جاهزين لها، فأظهرت تلك المواجهة الفجوة الكبيرة بين اليابان والدول الصناعية، مما دفعها للرضوخ لشروط الاتفاقية بلا اعتراض.
وبهذه اللحظة، انتهت عزلة اليابان التي دامت قرنين من الزمن، وبدأ عصر جديد على يد الإمبراطور "ميغي"، الذي ألغى النظام الإقطاعي، وشرع في إجراء تحديث شامل لليابان، مقلّدا النماذج الأوروبية في الاقتصاد والإدارة والمجتمع.
التحول من الزراعة إلى الصناعة
قبل التحول الصناعي، كانت اليابان دولة زراعية بالكامل، يعتمد معظم سكانها على زراعة الأرز، في نظام إقطاعي يسيطر فيه السادة "الدايميو" على الأراضي، ويدفع الفلاحون الضرائب غالبا على شكل محاصيل، فلم تكن لهم صناعات ثقيلة، واقتصرت الأنشطة الاقتصادية على الحرف العادية، مثل النسيج وصناعة السيوف والخزف.
بدأت الحكومة الجديدة بإلغاء الإقطاع، ومصادرة أراضي السادة، واستبدال الضرائب العينية بالنقدية، مما سمح بتمويل مشاريع تحديث واسعة، فأنشئت شبكات سكك حديدية، وموانئ حديثة، وخطوط برقية، كما جلب الخبراء الأجانب لتدريب اليابانيين، وأرسلت بعثات دراسية إلى أوروبا وأمريكا. كما أنشأت الدولة مصانع نموذجية لصناعة النسيج والسفن والأسلحة والصلب، مع الاعتماد على الفحم مصدرا رئيسا للطاقة.
ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، باعت الحكومة مصانعها إلى القطاع الخاص، فظهرت شركات كبرى، منها "ميتسوبيشي" و"ميتسوي"، وقد توسعت في الصناعات الثقيلة، كالحديد والصلب وبناء السفن والقطارات، إلى جانب الصناعات الخفيفة الموجهة للتصدير مثل النسيج. ومع أن الزراعة ظلت قائمة، فإنها أصبحت مصدرا أساسيا لتمويل الصناعة بالضرائب.

وبحلول أوائل القرن العشرين، كانت اليابان قد تحولت من دولة أرز وساموراي إلى قوة صناعية صاعدة، قادرة على إنتاج البوارج والأسلحة، ومنافسة القوى الكبرى، وهو ما انعكس في انتصاراتها العسكرية على الصين عام 1895 وروسيا عام 1905.
ولكن كان لهذا التقدم السريع والازدهار المفاجئ ثمن باهظ، دفعه العاملون والباحثون عن لقمة عيشهم، لا سيما في مناجم الجزر الصناعية مثل هاشيما، فقد عملوا وقتا طويلا في ظروف قاسية، معرضين حياتهم للخطر في أنفاق الفحم تحت قاع البحر، مع محدودية الطعام والرعاية الطبية.
جزيرة على كنز من الفحم
تعرف هاشيما بلقبها الشهير "غونكانجيما"، أي جزيرة البارجة الحربية، نظرا لمظهرها من بعيد، وهي من أشهر أمثلة الطفرة الصناعية التي شهدها القرن الماضي، وليست مجرد قطعة أرض فوق منجم ضخم من الفحم، بل هي حالة نادرة لنشوء مجتمع بشري من العدم في موقع ناءٍ، يبلغ ذروة الاكتظاظ السكاني، ثم يختفي تماما كأن لم يكن موجودا يوما.
بدأت قصة هاشيما أواخر القرن التاسع عشر، حين اشترتها شركة "ميتسوبيشي" عام 1890، لاستغلال مناجم الفحم في أعماق البحر حولها، ومع تزايد الطلب على الفحم مصدرا للطاقة، أصبحت الجزيرة ورشة عمل مفتوحة على مدار الساعة، لا سيما مع اندفاع اليابان نحو التصنيع في عصر "ميغي".

شيّدت مبانٍ سكنية من الخرسانة ومدارس ومستشفيات ومتاجر، حتى غدت من أكثر الأماكن اكتظاظا على وجه الأرض منتصف القرن العشرين، فكان يعيش فيها أكثر من 5 آلاف إنسان، على مساحة صغيرة تبلغ نحو 0.16 كيلومتر مربع.
لكن هذا الازدهار كان قصير العمر، فبحلول السبعينيات، بدأ النفط يحل محل الفحم مصدرا رئيسا للطاقة، فتراجعت أهمية المناجم، وتوقف العمل في الجزيرة نهائيا عام 1974، فرحل الجميع وأصبحت هاشيما مدينة أشباح، تتآكل جدرانها تحت رياح المحيط المالحة.
ومع ما يلفها من صمت، فما زالت تحمل آثار العمل الشاق والحياة اليومية، والجدل حول العمالة القسرية خلال الحرب العالمية الثانية، وستبقى شاهدا صامتا على فصل مهم من تاريخ اليابان الصناعي.
لكن الأمر لم يكن ليقف هنا، فخلف هذه الأسوار والجدران الشاهقة قصة أخرى لم تُرو بعد، ولم تظهر خيوطها على الملأ إلا حديثا، بسبب التكتم الكبير الحاصل.
وقود الحرب العالمية الثانية
كانت اليابان جزءا من الحرب العالمية الثانية، التي بادرت فيها قوى العالم باستعراض آخر مقتنياتها التقنية، وقد أسهمت جزيرة هاشيما إسهاما أساسيا في دعم مسيرة اليابان خلال الثورة الصناعية الثانية في هذه السنين الحرجة.
فقد احتاجت اليابان إلى كميات ضخمة من الفحم، لتشغيل المصانع والسكك الحديدية والسفن البخارية ومحطات توليد الكهرباء. وبما أن هاشيما كانت غنية بفحم عالي الجودة -ولا سيما الفحم البحري المستخرج من أعماق قاع البحر- فقد أصبحت موردا إستراتيجيا لا غنى عنه.

أسهمت هاشيما أيضا في توفير الاكتفاء الذاتي الطاقي لليابان، وهو عنصر حاسم في سياستها، لتقليل الاعتماد على الاستيراد، لا سيما مع سعيها لتوسيع نفوذها الإقليمي.
وفي سنوات الحرب بين عامي 1939-1945، ارتفعت حاجة اليابان إلى أعداد أكبر من العمال، فلجأت إلى تجنيد آلاف العمال القسريين من كوريا، وكانت تحت الاحتلال الياباني يومئذ، ناهيك عن بعض أسرى الحرب الصينيين.
النزاع مع كوريا الجنوبية
في عام 2015، أدرجت اليونسكو 23 موقعا صناعيا يابانيا ضمن قائمة التراث العالمي، منها جزيرة هاشيما، ففتح ذلك العيون على هذه المسألة الغائبة، وهو ما دفع كوريا الجنوبية إلى الاعتراض على هذا الإدراج، مطالبة بالاعتراف الرسمي بالعمالة القسرية، وتوثيقها في المعارض المتاحة للزوار.
وفي عام 2020، افتُتح "مركز معلومات التراث الصناعي الياباني" في طوكيو، لكن كوريا الجنوبية انتقدته، لتقديم شهادات من سكان كانوا في الجزيرة، تنفي وجود تمييز ضد العمال الكوريين، فصُنف ذلك محاولة لتقليل حجم الانتهاكات.
وفي عام 2021، أصدرت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو تقريرا ينتقد اليابان، لعدم الوفاء بالتزاماتها، وذكرت أن المعروضات في المركز تعتمد أساسا على شهادات من اليابانيين، مع تجاهل شهادات العمال الكوريين، وطالبت اللجنة اليابان بمراجعة المعروضات، لتقديم صورة أكثر دقة وشمولية للتاريخ.
وأخيرا في عام 2025، شهدت العلاقات الكورية الجنوبية اليابانية توترا جديدا خلال الدورة الـ47 للجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو في باريس، فقد حاولت كوريا الجنوبية إدراج قضية الجزيرة على جدول أعمال اللجنة، للضغط على اليابان للاعتراف بتاريخ عمل الكوريين قسرا خلال الاستعمار.
لكن اليابان اعترضت على هذا الطلب، فأجري تصويت نادر بين الدول الأعضاء. في النهاية، عجزت كوريا الجنوبية عن تصويت الأغلبية اللازمة لإضافة القضية إلى جدول الأعمال، فعُلّق الأمر حتى اللحظة.3
عمارة فريدة ونظام اجتماعي معزول
كانت البنية المعمارية في هاشيما انعكاسا مباشرا لظروفها الجغرافية وحاجتها العملية، فهي جزيرة صغيرة محاطة بأسوار بحرية عالية، لحمايتها من الأمواج العاتية، وهذا جعل كل متر مربع داخلها ثمينا.
ولأن المساحة محدودة، اتجه البناء عموديا لا أفقيا، فشيّدت مبانٍ سكنية شاهقة من الخرسانة المسلحة منذ أوائل القرن العشرين، وكانت اليابان يومئذ لا تزال تعتمد على الخشب في معظم مدنها.
تراصّت هذه المباني الضيقة المرتفعة متجاورة، فمنحت الجزيرة مظهرها الشبيه بسفينة حربية، وكانت الأزقة ضيقة متعرجة، واتُّخذت السطوح أماكن لعب أو ممرات إضافية، حتى المدارس والمستشفيات والأسواق اندمجت في هذا النسيج العمراني المكثف.

أما النظام الاجتماعي، فقد كان شبه معزول عن العالم الخارجي، فالجزيرة كانت مجتمعا مغلقا يضم العمال وعائلاتهم، وهم يعيشون جميعا في بيئة محكومة بإيقاع المناجم.
كانت الحياة اليومية تسير وفق جداول العمل الشاقة، ومع ذلك فقد وُجدت أنشطة ترفيهية داخلية، مثل دور السينما الصغيرة والمتاجر والمهرجانات المحلية، لتلبية احتياجات السكان من دون مغادرة الجزيرة.
لقد كان المجتمع هرميا، فنال المشرفون والمهندسون مساكن أفضل، وعاش عمال المناجم في وحدات سكنية أكثر ازدحاما وقسوة، فخلق هذا الانعزال مجتمعا مترابطا، لكنّه أيضا جعل الجزيرة تبدو عالما مستقلا، له قوانينه وإيقاعه، بعيدا عن اليابان نفسها.
هجرة جماعية ثم وجهة سياحية حديثة
بعد إغلاق مناجم هاشيما عام 1974، هاجر سكان الجزيرة كافة، بسبب التحول العالمي من الفحم إلى النفط مصدرا رئيسا للطاقة، فأصبح استمرار التعدين غير مجدٍ اقتصاديا.
وفي غضون أيام قليلة، أُخليت المباني السكنية، وأغلقت المدارس والمتاجر، وتوقفت الحياة تماما، تاركة وراءها مدينة كاملة مهجورة، وكأن سكانها غادروها على عجل، ومنذ يومئذ، تركت الجزيرة لمواجهة عوامل الطبيعة، فتآكلت جدرانها تحت تأثير الأمواج والمياه المالحة، وأصبحت مدينة أشباح عائمة.

لكن مع بداية القرن الـ21، جذبت اهتمام الإعلام والمصورين وهواة المواقع المهجورة، بما تحمله من مزيج فريد بين العمارة الخرسانية الصارخة وسكون البحر المحيط بها، وقد دفع ذلك الاهتمام السلطات المحلية إلى إعادة فتح أجزاء محدودة من الجزيرة أمام الزوار عام 2009، مع إنشاء ممرات آمنة تسمح بالتجول في بعض المناطق.
ثم إنها ظهرت في أعمال سينمائية شهيرة، منها فيلم "سقوط السماء" (Skyfall) من سلسلة أفلام "جيمس بوند" الشهيرة، وظهرت كذلك في سلسلة برنامج "السياحة المظلمة" في موسمه الثاني، وهو برنامج يركز على زيارة الأماكن المرتبطة بالكوارث والأحداث التاريخية المأساوية.
المصادر:
[1] محررو الموقع (التاريخ غير معروف). ساكوكو: سياسة العزلة اليابانية. الاسترداد من: https://www.britannica.com/topic/sakoku
[2] تيكومي، نيشيكاوا (2023). صدمة السفن السوداء: مواجهة تاريخية غيّرت اليابان. الاسترداد من: https://www.nippon.com/en/japan-topics/g02197/
[3] محررو الموقع (2025). كوريا تخسر تصويت اليونسكو لإضافة جزيرة هاشيما اليابانية إلى جدول أعمال لجنة التراث العالمي. الاسترداد من: https://koreajoongangdaily.joins.com/news/2025-07-07/national/diplomacy/Korea-loses-Unesco-vote-to-add-Japans-Hashima-Island-to-World-Heritage-Committees-agenda/2347238?utm_source=chatgpt.com