لماذا اختار الاتحاد الأوروبي تخفيف قواعد الانبعاثات الآن؟

تخفيف قواعد الانبعاثات يعكس انتقال الاتحاد الأوروبي من منطق الالتزام المناخي الصارم إلى منطق إدارة المخاطر الصناعية والاجتماعية (الفرنسية)

تقف صناعة السيارات الأوروبية عند مفترق حاسم بين حماية إرث صناعي ضخم وتسريع التحول نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات.

ففي ظل منافسة متصاعدة من شركات أميركية وصينية، واستثمارات متعثرة في المركبات الكهربائية، يتحرك الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في قواعد بيئية كانت تُعدّ من الأكثر طموحا عالميا.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، فإن هذا التحول لا يعكس فقط اعتبارات مناخية، بل يكشف عن مأزق اقتصادي وسياسي عميق يهدد تنافسية أحد أهم قطاعات القارة.

تراجع تنظيمي تحت ضغط الصناعة والسياسة

وتشير بلومبيرغ إلى أن الاتحاد الأوروبي يستعد لتخفيف القواعد التي كانت ستؤدي فعليا إلى حظر بيع سيارات محركات الاحتراق الداخلي اعتبارا من عام 2035.

ووفقا لمصادر مطلعة على المناقشات، يجري بحث ثغرات تنظيمية قد تفتح المجال أمام تمديد يصل إلى 5 سنوات، مع تداول خيارات أخرى تشمل إعادة النظر في الحظر نفسه.

وتوضح الوكالة أن هذا التراجع جاء نتيجة ضغط مكثف من شركات سيارات كبرى، إلى جانب دول منتجة للسيارات، وفي مقدمتها ألمانيا، سعيا لتفادي غرامات محتملة قد تتجاوز مليار يورو، والحد من مخاطر فقدان الوظائف وتصاعد التوترات السياسية الداخلية.

Brussels, Belgium, Jan 18, 2019: metallic silver Mercedes Benz S 560e sedan limousine at Brussels Motor Show, s-class car produced by Mercedes-Benz
التراجع التنظيمي يمنح الشركات مهلة زمنية ثمينة، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية في الطاقة وسلاسل الإمداد (شترستوك)

اقتصاد ضخم في مواجهة فجوة تكنولوجية

وبحسب بلومبيرغ، يُسهم قطاع السيارات بنحو تريليون يورو من الناتج الاقتصادي الأوروبي، مما يجعل أي ارتباك في مساره مسألة تتجاوز البيئة إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بيد أن الوكالة تحذر من أن المرونة الزائدة قد تُبطئ وتيرة التطوير وتُعمّق الفجوة التكنولوجية مع منافسين مثل شركات السيارات الكهربائية الأميركية ونظرائها الصينيين، وهو ما قد يحوّل أوروبا إلى ملاذ لتقنيات قديمة بدل أن تكون مركزا للابتكار.

ويرى خبراء نقلت عنهم بلومبيرغ أن التحدي لا يكمن فقط في موعد الحظر، بل في قدرة الصناعة على اللحاق بتسارع الابتكار في البطاريات والبرمجيات وسلاسل التوريد العالمية.

فرصة لإعادة ضبط المسار أم تأجيل للأزمة؟

وتلفت بلومبيرغ إلى أن تخفيف القيود قد يمنح القادة الأوروبيين فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وجعل التحول الكهربائي أكثر قبولا لدى المستهلكين، خاصة بعد أن تحمّل المصنعون العبء الأكبر دون دعم حكومي كاف.

إعلان

لكن الوكالة تشير في المقابل إلى أن الحيز المالي محدود، وأن تقديم حوافز أوسع لشراء المركبات الكهربائية أو تشغيلها يصطدم بضغوط مالية متزايدة في السنوات المقبلة.

وتزداد حساسية الملف مع صعود تيارات شعبوية تشكك في كلفة السياسات الخضراء، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي مؤخرا إلى تأجيل تطبيق تسعير الكربون على الوقود، خشية ردود فعل اجتماعية قد تعمّق الانقسام السياسي.

Renault ramps up production at its factory of Flins, near Paris
الموردون الأوروبيون يواجهون ضغوطا مضاعفة مع تراجع محركات الاحتراق بوتيرة أسرع من نمو البدائل الكهربائية (رويترز)

نافذة قصيرة قبل قرارات أصعب

وتؤكد بلومبيرغ أن التأجيل يمنح شركات السيارات نافذة زمنية محدودة لإعادة ضبط خطط الاستثمار التي أربكتها أسعار الطاقة المرتفعة وتباطؤ الطلب على المركبات الكهربائية.

فقد جرى بالفعل تقليص أو إبطاء عدد من مشاريع مصانع البطاريات، بينما يتعرض الموردون، الذين يشغّلون النسبة الأكبر من اليد العاملة في القطاع، لضغوط متزايدة مع تراجع طلبات محركات الاحتراق بوتيرة أسرع من نمو الطلب على البدائل الكهربائية.

وتخلص الوكالة إلى أن الأشهر المقبلة ستشكل اختبارا حاسما لقدرة صناع القرار على إيجاد توازن بين حماية التنافسية الصناعية وعدم تقويض الأهداف المناخية، محذّرة من أن إطالة المهلة قد تعني تأجيل الألم بدل معالجته، في وقت يواصل فيه المنافسون التقدم بخطى أسرع.

المصدر: بلومبيرغ

إعلان