استثمار بقيمة 5 مليارات دولار وتوقيع مذكرات تفاهم.. ما الانعكاسات الاقتصادية لزيارة أمير دولة قطر للعراق؟

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (يمين) يستقبل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال زيارته إلى بغداد (الجزيرة)

بغداد– أنهى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الخميس 15 يونيو/ حزيران زيارة رسمية إلى العراق، هي الأولى لزعيم عربي منذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعقد خلالها أمير قطر مباحثات مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تناولت علاقات البلدين ومجالات التعاون في مختلف المجالات.

وأُعلن خلال كلمة مشتركة عقب محادثات الطرفين عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين في مجالات البنية التحتية والسياحة والصحة بهدف توسيع التعاون الاستثماري والتجاري بين البلدين، مع عزم دولة قطر استثمار 5 مليارات دولار في عدد من القطاعات في العراق خلال السنوات المقبلة.

مذكرات تفاهم

ووقّعت قطر والعراق إعلان نوايا مشتركا بحضور أمير قطر ورئيس الوزراء العراقي، ويتألف الاتفاق من بنود أساسية تشمل استمرار ومواصلة التنسيق والتشاور السياسي والأمني بين البلدين وتوسيع التعاون الاستثماري والتجاري، لا سيما في مشروع طريق التنمية المزمع البدء بتنفيذه قريبا من قبل الحكومة العراقية، إضافة إلى رفع مستوى التعاون الاستثماري والاقتصادي في مجال النفط والغاز والطاقة المتجددة، فضلا عن تنشيط وتسهيل إجراءات الاستثمار والتنقل بين البلدين وغيرها.

من جانبه، يقول المستشار السياسي لرئيس الوزراء العراقي فادي الشمري إن هناك علاقة استثنائية جديدة بين العراق وقطر توجت بالزيارة الأخيرة لأمير دولة قطر إلى بغداد وتمخضت عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات بين البلدين.

وتابع الشمري أنه قد تم التوقيع على مذكرات تفاهم في قطاع الكهرباء والتشييد، فضلا عن التوصل لاتفاق إنشاء شركة نفط مشتركة وبناء مصفاة للتكرير، بالإضافة إلى اتفاقات بشأن توريد النفط الخام والغاز المسال إلى العراق، الأمر الذي سيسهم في تلبية احتياجات الطاقة وتعزيز القدرة الإنتاجية العراقية.

ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ كشف عن اتفاق مشترك لتطوير مدينتين سكنيتين نموذجيتين بسعة 50 ألف نسمة لكل مدينة، وتضم مراكز تجارية ومستشفيات ومدارس، وأنه من المتوقع أن تصبح هاتان المدينتان أنموذجا في المنطقة بأكملها، فضلا عن الاتفاق على تطوير وتشييد عدد من الفنادق من فئة الخمس نجوم في مختلف المحافظات العراقية، لسد العجز الحالي المقدر بـ10 آلاف غرفة فندقية لتلبية الاحتياجات المتسارعة في العراق.

واختتم الشمري حديثه بالإشارة إلى أن من جملة نتائج الزيارة التوصل إلى اتفاقيات مع عدد من الشركات القطرية المتخصصة في إدارة وتشغيل عدد من المستشفيات الجديدة المزمع افتتاحها في غضون الأشهر القليلة القادمة، مبينا أن مجموع الاستثمارات الكلية تقدر بنحو 7 مليارات دولار، وسيتم البدء بتنفيذها مباشرة بمدة تصل لـ5 سنوات، وأنه من المتوقع إنجاز جميع هذه المشاريع عام 2028، وفق قوله.

استثمار في مجال الطاقة

وفي شأن ذي صلة، توقع الخبير الاقتصادي والنفطي العراقي نبيل المرسومي أن يتوسع الاستثمار المعلن عنه من قبل قطر والمقدر بنحو 5 مليارات دولار، ليبلغ 7 أو 10 مليارات دولار، لا سيما أن قطر لديها اهتمامات بمجال الاستثمار في قطاعي الإسكان والصحة اللذين يعدان منخفضي المخاطرة، وبما يضمن استرداد رأس المال بسرعة كبيرة لا تتجاوز بضع سنوات، مشيرا إلى إمكانية أن تستثمر قطر في المدن السكنية الخمس المعلن عنها مؤخرا في محافظات بغداد والبصرة وكربلاء وبابل (جنوبا) ونينوى، وفق قوله.

أما عن الاستثمار في مجال الطاقة والغاز، فيرى المرسومي أن تجهيز العراق بالغاز القطري المسال كان أحد الملفات المهمة التي جرى الاتفاق بشأنها خلال زيارة أمير قطر إلى بغداد، مشيرا إلى أن ذلك يعد أحد الخيارات المتاحة لرفد المحطات الكهربائية العراقية وتشغيلها بعد الانقطاعات المستمرة في إمدادات الغاز الإيرانية، بما يضمن تنويع مصادر الحصول على الغاز.

وأوضح المرسومي أن المسافة بين ميناء أم قصر العراقي في مدينة البصرة (جنوبا) وميناء حمد الدولي في قطر تقدر بنحو 650 كيلومترا، في حين يقدر الوقت الذي تستغرقه الرحلة البحرية بنحو 48 ساعة، مبينا حاجة العراق لإنشاء محطة استقبال الغاز في ميناء أم قصر، حيث من المرجح إنشاء منصة لاستقبال الغاز القطري من خلال المحطات التي سيتم نصبها في ميناء أم قصر، مع مد أنابيب من وإلى خطوط الغاز العراقية، ومن ثم إلى المحطات الكهربائية.

وقد لا تقف أهمية توريد الغاز القطري للعراق عند ذلك، وفق المرسومي، الذي أوضح أنه من الممكن أن يمتد هذا الأنبوب بشكل موازٍ لطريق التنمية لنقل الغاز القطري عبر تركيا إلى القارة الأوروبية، لا سيما أن قطر تعد ثالث أكبر دولة مصدرة للغاز المسال في العالم وأنها تبحث عن أسواق جديدة لها في القارة العجوز بعد انحسار إمدادات الغاز الروسية إليها نتيجة العقوبات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.

الخبرات القطرية

من جانبه، يرى الخبير في مجال التنمية الصناعية والاستثمار عامر الجواهري أن قطر تمتلك خبرة كبيرة متراكمة في مجال استثمار الغاز والصناعات المرتبطة به، وبالتالي، فإن الجدية العراقية تكمن في دعوة العراق لقطر للاستثمار في مجال الغاز، لا سيما مع قرب إطلاق العراق جولة التراخيص النفطية السادسة التي ستركز على استثمار الغاز في البلاد.

وفي حديثه للجزيرة نت، يؤكد الجواهري على نقطة مهمة تتمثل بالصناعات المرتبطة بالغاز الطبيعي المتمثلة بالصناعات البتروكيميائية وإنتاج الأسمدة وليس استثماره فقط في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، وهو ما كانت قد أكدته وزارة الصناعة والمعادن العراقية في عرض العديد من الفرص الاستثمارية في مايو/ أيار الماضي، وفق قوله.

ويذهب في هذا المنحى الخبير الاقتصادي أنمار العبيدي الذي يضيف أن الحكومة العراقية تولي اهتماما كبيرا بالاستثمار القطري في البلاد، مبينا أن ذلك يعزى للعلاقات الثنائية الجيدة التي لم تشهد أي خلافات كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، فضلا عن تمتع قطر بعلاقات جيدة مع جميع الدول الإقليمية المحيطة بالعراق، لا سيما تركيا وإيران، بما سيضمن التواجد القطري في العراق بدون مشكلات كبيرة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى العبيدي أن الإجراءات الأخيرة للحكومة العراقية في مجال مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب واتساق هذه الإجراءات مع المعايير الدولية، أسهمت في تحسين البيئة الاستثمارية في العراق في مختلف المجالات، خاصة في مجال الطاقة، مبينا أن العراق يعد كذلك بيئة خصبة للاستثمار تتميز بإمكانية الدخول في استثمارات متنوعة وبفترة استرداد لرأس المال لا تتعدى 10 سنوات في مشاريع البنى التحتية والإسكان، وفق قوله.

وكان وزير النفط العراقي حيان عبد الغني كشف قبل أيام لإحدى وسائل الإعلام المحلية عن وجود مفاوضات بين شركة قطرية وشركة توتال إنيرجي الفرنسية لدخول قطر كشريك مع توتال الفرنسية في استثمارها بالعراق في العقد الذي تبلغ كلفته نحو 27 مليار دولار، والمتضمن استخراج النفط واستثمار الغاز والطاقة المتجددة.

المصدر : الجزيرة