قطاع الاتصالات في لبنان على حافة الانهيار.. هل من حلول في الأفق؟

قطاع الاتصالات يعد ثاني أهم مورد لإيرادات الدولة بعد الضرائب (رويترز)

بيروت – دخلت أزمة قطاع الاتصالات في لبنان منعطفا خطرا نتيجة التردي الكبير في خدمات الشبكة والإنترنت تزامنا مع تحركات مطلبية لموظفي هيئة "أوجيرو" (Ogero) الحكومية، التي نفذت نقابتهم إضرابا استمر لأيام وتسبب في خروج عدد من "السنترالات" عن الخدمة ببعض المناطق.

وقد تراجعت نقابة موظفي "أوجيرو" -الهيئة الرسمية المشغلة للاتصالات الأرضية والتزود بالإنترنت في لبنان- مؤقتا عن الإضراب السبت الماضي، في انتظار انعقاد جلسة للحكومة وما سيرشح عنها، إذ تلقت النقابة وعودا بتنفيذ بنود ورقة الموظفين المطلبية، وقالت في بيان "بعدما بلغت أصداء إضرابنا المدى المطلوب محليا وإقليميا، وبعدما أثرت تداعياته على مجمل الوضع المحلي، وبعد مبادرة الوزير بالدعوة إلى جلسة حكومية مخصصة لبحث الوضع في أوجيرو، وتبنيه الورقة الإصلاحية والمطلبية، نعلق الإضراب".

لكن في المضمون، يرى خبراء أن الحلول المتداولة آنية وغير مستدامة قياسا لوتيرة الانهيار، ولن تكون منطلقا لإنقاذ قطاع الاتصالات من أسوأ أشكال الانحلال التي يشهدها، مع تصاعد أصوات تناقش مدى إمكانية خصخصة القطاع من عدمها.

الجزيرة نت ناقشت خلفيات الحركة المطلبية لموظفي أوجيرو، وأسباب وتداعيات المخاطر التي تهدد القطاع، مع كل من وزير الاتصالات جوني قرم، ونقيبة موظفي "أوجيرو" إميلي نصار، والخبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش، والخبير الاقتصادي علي نور الدين.

أزمات أوجيرو

تعد أوجيرو الهيئة الرسمية المشغلة للاتصالات الأرضية والتزود بالإنترنت في لبنان، وتتبع لوزارة الاتصالات، وتتغذى منها شركتا الهاتف الخلوي "ألفا" و"تاتش" وشركات الإنترنت الخاصة لتقديم الخدمات إلى زبائنها، وتوفر أوجيرو المازوت لنحو 2100 محطة كهربائية للاتصالات، وتواجه مصاعب كبيرة في تغطية نفقاتها وتراجع قدرتها على تقديم خدمات الصيانة نتيجة شح مواردها.

ويبلغ عدد موظفيها حوالي 2500 موظف بمختلف مراكزها، وهم جزء من موظفي القطاع العام الذين خسروا قيمة رواتبهم الفعلية قبل الانهيار في خريف العام 2019، حين كان سعر الصرف الرسمي للدولار 1507 ليرات، في حين يتجاوز حاليا بعد قفزات تراكمية أكثر من 105 آلاف للدولار.

ويطالب موظفو أوجيرو بتحسين رواتبهم التي أصبحت قيمة معدلها أقل من 50 دولارا، ودفع جزءٍ منها بالدولار النقدي، والحصول على بدل نقل يغطي كامل تكاليف البنزين مع تفعيل ضمانهم الصحي والتعليمي.

وتقول النقيبة إميلي نصار إن رواتب موظفي أوجيرو لا تغطي بدل النقل إلى العمل، وتشكل نحو 1% من قيمتها الفعلية، رغم أنهم يعملون 7 أيام في الأسبوع، وتوضح أن التراجع المؤقت عن الإضراب مقرون بمخرجات جلسة الحكومة المقبلة لجهة التعامل مع مطالبهم، التي تبناها عماد كريدية مدير أوجيرو ووزير الاتصالات، وهي تشمل إعادة النظر في الرواتب وتصحيحها وكيفية توفير الموارد لها.

وتضيف "إذا كان رد الحكومة إيجابيا سنواصل عملنا، وكل ما هو خلاف لمطالبنا المحقة والملحة سيدفعنا لتصعيد الإضرابات".

ويعلق وزير الاتصال جوني قرم بأن وضع موظفي أوجيرو كحال مختلف موظفي الدولة، ونظرا لحالة الانهيار لا يمكن استحصال الحلول بالتحدي وهي بيد الحكومة، لأن مصاريف أوجيرو ضمن الموازنة العامة.

وقال "حين عدلنا التعرفة في يوليو/تموز الفائت كان الهدف تغطية المصاريف والتخفيف من الخسائر وتوفير الموارد لأوجيرو، لكن سعر الصيرفة كان 20 ألف ليرة للدولار، في حين يبلغ راهنا نحو 90 ألفا للدولار".

ولتعويض الفارق الكبير، "قد يدفعنا إلى فرض زيادة إضافية على الاتصالات لا تقل عن 6 أضعاف الأسعار الحالية"، ويوضح الوزير أن أسعار تعرفة أوجيرو ثابتة بالليرة من حينها، في حين ارتفعت أسعار "ألفا" و"تاتش" نحو مرتين ونصف المرة تماشيا مع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار.

تعد أوجيرو الهيئة الرسمية المشغلة للاتصالات الأرضية والتزود بالإنترنت في لبنان (الفرنسية)

ضياع بين "ألفا" و"تاتش"

وتعود ملكية شركتي "ألفا" و"تاتش" إلى الدولة اللبنانية، لكن إدارتيهما خاصة، وأتاحت لهما الحكومة منذ يوليو/تموز 2022 فرصة تحسين الضريبة ورفع تعرفتها بالليرة للاتصالات والإنترنت بوتيرة متحركة حسب سعر صرف الدولار على منصة "صيرفة"، في حين يحتاج تعديل التعرفة في أوجيرو إلى قرار حكومي.

ويصف الخبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش موارد أوجيرو بالفاضحة، ويوضح أن أوجيرو -التي تستورد الإنترنت من شركات أوروبية بالدولار النقدي- تفرض الحكومة عليها بيعه بثمن بخس لشركتي "ألفا" و"تاتش" وللشركات الخاصة، إذ يشترون منها حزمة "إي1" (E1) بنحو 475 ألف ليرة (نحو 4 دولارات)، في حين تبيعها "ألفا" و"تاتش" للمستخدمين بنحو 200 دولار، كما أن الشركات الخاصة الموزعة للإنترنت تبيع للمشتركين الخدمة بالدولار النقدي، ولا تقل الحزمة الصغيرة عن 10 دولارات.

وهنا، تفيد مصادر مطلعة على الورقة المطلبية لأوجيرو باقتراحها تحسين مواردها عبر إصدار مرسوم يسمح لها ببيع شركتي "ألفا" و"تاتش" والشركات الخاصة الإنترنت بالدولار، وأن لا يقل سعر المبيع عن القيمة الفعلية لحزمة "إي1".

ويعلق الوزير قرم بأن "ألفا وتاتش بمثابة عميل عند أوجيرو، وتشتريان منها البيانات، لكن الثلاثة تتبع الدولة والفائض لديها يذهب إلى المالية العامة".

ويرى الخبير الاقتصادي علي نور الدين أن أوجيرو تدفع ثمن تجاهل الحكومة في خطتها لهذا النوع من الخسائر الناتجة عن الانهيار، لكن موظفيها لديهم حالة استثنائية باستعمال الإضرابات كقوة تفاوضية، لأن تعطيل قطاعهم يتسبب في كوارث لمختلف القطاعات.

في حين يتحدث عامر الطبش عن سوء إدارة الحكومة والوزارة لأزمة أوجيرو، و"عبر منح شركتي الخلوي وشركات الإنترنت الخاصة امتيازات في جباية وتسديد الرسوم، مقابل غياب الرقابة عن عمل الشركات الخاصة، مما عزز تنامي بيئة التوزيع غير الشرعي للإنترنت تحقيقا لأرباح طائلة".

وقال "إن السلطة حرمت أوجيرو من قدرتها التنافسية بالسوق، وعلى حساب المواطنين، مما سيؤدي مستقبلا إلى إفلاسها إذا لم تشهد تصحيحا شاملا لوضعها القائم".

تعود ملكية شركتي ألفا وتاتش للدولة اللبنانية لكن إدارتيهما خاصة (رويترز)

وقائع رقمية للانهيار

تاريخيا، يعد قطاع الاتصالات ثاني أهم مورد لإيرادات الدولة بعد الضرائب، وكان يلقب بـ"نفط لبنان"، وكان يرفد الخزينة سنويا بنحو 1.4 مليار دولار، لكن الواقع تبدّل رأسا على عقب، وعانى القطاع من خسائر هائلة ظهرت بعد الأزمة ولم يعد معروفا اليوم القيمة الفعلية لوارداته، بحسب الطبش.

وفي هذا السياق، يقول وزير الاتصالات إن التعديلات التي فرضت في يوليو/تموز 2022 خفضت تسعير الخلوي بالدولار نحو 3 مرات رغم ارتفاعه بالليرة، وذلك بعدما كانت الاتصالات بلبنان قبل 2019 من بين الأغلى في المنطقة، ونتيجة ذلك "انخفضت إيراداتنا أكثر من 4 مرات بفعل تراجع الدخل من نحو مليار و400 مليون دولار إلى نحو 300 مليون دولار، وانخفض مصروف شركتي الخلوي من نحو 600 مليون دولار إلى 250 مليون دولار".

وحول البنى التحتية للاتصالات، يقول الوزير قرم إنه منذ نحو 3 سنوات لا يوجد أي مصاريف استثمارية في أوجيرو، ولم تشترِ الوزارة أي مولد جديد، مما يؤثر على نوعية الخدمات والقطاعات عموما، وقال قرم "نسعى لبلوغ حل قريب ولو مؤقت يمنع انهيار القطاع".

ويقول نور الدين إن ميزانية قطاع الاتصالات لا تسمح بالصيانة والاستثمار، مما تسبب في انهيار دراماتيكي في البنى التحتية، ويعتبر أن مكمن الأزمة في تعددية أسعار الصرف وفجوة عمليات الجباية وقيمة الفواتير الفعلية، فتحولت الاتصالات إلى قطاع خاسر.

سجالات الخصخصة

عمليا، دفعت الصراعات السياسية حول قطاع الاتصالات إلى عدم تنفيذ القرار 431 الصادر عام 2002، والذي يقضي في أحد بنوده بخصخصة القطاع وفتح باب المنافسة لشركاء جدد كسرا لحصرية الشركتين المشغلتين لقطاع الاتصالات الخلوية.

ويعتبر عامر الطبش أن سلوك الحكومة والوزارة يمهد لوضع قطاع الاتصالات على سكة الخصخصة، نتيجة الخسائر التي تغرق فيها أوجيرو، وغياب الشفافية حول إيراداتها، مقابل الحرص على أرباح شركتي ألفا وتاتش.

في حين، يذكر وزير الاتصالات أن نظام الشركتين المشغلتين كشركات لبنانية مساهمة لا يخولهما أخذ قروض من الدولة، والأرباح التي حققتاها سابقا ليست محفوظة بالبنوك، بل لديهما حسابات بمصارف تجارية خاصة، ويتحول الفائض بين نفقاتهما التشغيلية وإيراداتهما لخزينة الدولة، ولا تستفيد من أرباحها السابقة.

وهنا، يعلق نور الدين بأن ثمة نماذج مختلفة للخصخصة؛ نموذج خروج الدولة الكلي من قطاع الاتصالات وبيعه، ونموذج الشراكة مع القطاع الخاص، و"فيه درجات كتلزيم (كمَنْح) العمليات أو تلزيم الاستثمار مقابل رسوم أو تلزيم إدارة القطاع".

ويرى أن الخصخصة لن تكون حلا، بل أداة لحل أوسع يدفع نحو النهوض بمؤسسات الدولة، والتكامل مع خطة اقتصادية شاملة، مع فرض حوكمة جيدة تضمن إدارة الاتصالات، ويوضح أن كل الحلول المطروحة راهنا ترقيعية وتؤجل انهيارا شاملا للقطاع.

المصدر : الجزيرة