قانون إسقاط القروض بالكويت.. إخلال بمبدأ العدالة أم حاجة يفرضها الواقع؟

الكويت- فجرت قضية شراء الدولة لمديونيات المواطنين المتعلقة بالقروض الاستهلاكية والشخصية، أو ما يعرف بـ"إسقاط القروض"، حالة واسعة من الجدل بين أغلبية أعضاء مجلس الأمة والحكومة من جهة، وبين المواطنين من جهة أخرى.

ويبدو أن الأمور تمضي نحو تصعيد أكبر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، خصوصا بعد قرار لجنة الشؤون المالية والاقتصادية -في اجتماعها الأحد الماضي- بإجماع أعضائها الحاضرين على عدم سحب أي تقرير مدرج على جدول أعمال مجلس الأمة إلا بقرار من المجلس.

وأعلن مقرر اللجنة، النائب صالح عاشور في المركز الإعلامي لمجلس الأمة وفقا لموقع المجلس، أن اللجنة ناقشت 7 تقارير مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمة بشأن اقتراحات شراء مديونيات المواطنين، وزيادة معاشات المتقاعدين، وإسقاط فوائد القروض غير القانونية على المواطنين، وتحويل مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية إلى شركة مساهمة، وإنشاء شركة لتسويق المحاصيل الزراعية، وخفض نسبة استقطاع أقساط القرض الحسن من 15% إلى 5%، وتعديل قانون إنشاء غرفة التجارة والصناعة.

وأوضح أن اللجنة قررت عدم سحب أي تقرير مدرج على جدول الأعمال، ما لم يتم تقديم تعديلات جذرية وقانونية على الاقتراحات المعروضة على المجلس، وأن يتم السحب بموافقة المجلس.

وسبق للجنة المالية في مجلس الأمة الكويتي أن وافقت يوم 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي على شراء الدولة لمديونيات المواطنين المتعلقة بالقروض الاستهلاكية والشخصية، واستقطاع علاوة غلاء المعيشة بمبلغ 120 دينارا إلى حين انتهاء القرض، وأن يكون الانضمام للقانون اختياريا لمن يرغب في ذلك، إضافة للموافقة على استرداد الفوائد غير القانونية على قروض المواطنين التي تم البت فيها من خلال أحكام صادرة من القضاء الكويتي، ورفع الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية وزيادتها للشرائح التي تتراوح رواتبها بين ألف إلى 1500 دينار. (الدينار الكويتي= 3.27 دولارات).

وهناك كثير من القروض ثبت عدم قانونية تقاضي فوائد عنها، وتم في هذا الشأن استرداد 125 مليونا من البنوك المحلية لصالح المواطنين.

**فقط للاستخدام الداخلي*** مقرر اللجنة المالية صالح عاشور المصدر الصحافة الكويتية
عاشور: اللجنة المالية ناقشت 7 تقارير مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمة (الصحافة الكويتية)

مواجهة العجز المالي

من جانبها، كشفت وزارة المالية الكويتية في الحسابات الختامية الصادرة عنها، تحسن الوضع المالي خلال السنة المالية 2021-2022 بشكل ملحوظ، إذ سجلت الحكومة عجزا بواقع 3 مليارات دينار (7.2% من الناتج المحلي الإجمالي)، وهو ما يعد أقل بكثير من العجز القياسي البالغ 10.8 مليارات (33.3% من الناتج المحلي الإجمالي)، الذي سجلته ميزانية العام المالي السابق، التي تأثرت نتائجها بجائحة كورونا.

وأضافت أن ضبابية المشهد الاقتصادي تتطلب اجتماع الجهات التنفيذية والتشريعية لمناقشة أزمة بهذا الحجم، والوصول إلى صورة واضحة وحلول ترضي الشعب.

الخيارات المتاحة

تسعى الحكومة الكويتية لدراسة تقارير اللجان البرلمانية، قبل تقديم رأيها الدستوري والمالي بخصوصها، وبررت انسحابها من جلسة مجلس الأمة الثلاثاء قبل الماضي وعدم حضورها لجلسة الأربعاء.

وأوضحت، في بيان لها بعد اجتماع استثنائي لدراسة الخيارات المتاحة، أنها طلبت إعادة التقارير إلى اللجان للوصول إلى حلول تحقق الأهداف الواردة ببرنامج عملها.

بدوره، أكد وزير المالية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار عبد الوهاب الرشيد أن شراء قروض المواطنين سيؤثر سلبا على المال العام والإخلال بمبدأ العدل والمساواة الذي نص عليه دستور دولة الكويت.

وتحدث عن وجود محاذير متعلقة بالجوانب القانونية لتطبيق مثل هذه الاقتراحات، بالإضافة إلى أثر ذلك على أداء القطاع المصرفي ومعايير الحوكمة، والاستقرار النقدي والمالي.

وزير المالية: شراء قروض المواطنين سيؤثر سلباً على المال العام المصدر الصحافة الكويتية
الرشيد: شراء قروض المواطنين سيؤثر سلبا على المال العام (الصحافة الكويتية)

تعديل الأجور

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي إبراهيم الفيلكاوي أن مسألة إسقاط الديون ليست عادلة، لكن الأمر قديم وتكرر أكثر من مرة، فالحكومة سبق أن أسقطت المديونيات الصعبة للتجار من دون النظر إلى ديون المواطنين، ثم تكرر ذلك عام 1991 بعد التحرير، حين أسقطت الحكومة جميع المديونيات عن التجار والمواطنين، كما تطرقت بعد ذلك إلى إسقاط الديون أو إيجاد حلول لها من خلال صندوق المعسرين وجدولة القروض التي منحت كثيرا من المواطنين الفرصة لإعادة جدولة ديونهم ومحاولة سداد المديونيات وأيضا تعديل أجورهم ورواتبهم.

يُذكر أن الكويت أصدرت القانون (28) لسنة 2008 والقانون (51) لسنة 2010 الخاص بإنشاء صندوق لمعالجة أوضاع المواطنين المتعثرين في سداد القروض الاستهلاكية والمقسطة تجاه البنوك وشركات الاستثمار.

ويعتقد الفيلكاوي أن عملية إسقاط القروض ستترك آثارا سلبية على الاقتصاد الكويتي، لكن الحكومة -حسب رأيه- لديها مصاريف غير عادلة -وفق تعبيره- مثل محاولتها إدراج مديونيات التجار أو منحها رواتب استثنائية لبعض القياديين، وكل هذا سيؤثر على موازنة الدولة سلبا، فالقروض الاستهلاكية للمواطنين لا تتعدى ملياري دينار، وهذا الرقم ليس كبيرا مقارنة بما تتحمله الموازنة العامة من أعباء كبيرة في أمور أخرى.

أما عن الحلول للخروج من هذا المأزق (إسقاط القروض) وإغلاق ملفه، فهي كثيرة -حسب رأي الفيلكاوي- مثل تعديل مستوى الأجور التي لم تتم زيادتها منذ سنوات طويلة، وهذا أثر على المواطنين بسبب غلاء المعيشة، وقال إن رفع الأجور سيحقق العدالة بشكل أكبر بين المواطنين.

مساعدة المتضررين فقط

أما رئيس جمعية مكافحة الفساد نواف مشعل السويط، فيعتقد أن أعضاء مجلس الأمة لا يميلون كلهم إلى إسقاط القروض، لكنهم يثيرون الأمر لرفع الحرج عن بعضهم، ولو كانوا صادقين لتم حسمه.

ويرى أن القانون الذي تم طرحه فيه خطأ كبير، لأنه يجب أن يكون لمساعدة المتضررين من القروض، وهنا سيستفيد المتضرر فقط وليس جميع المقترضين، حتى يتم تحقيق العدالة بين الجميع، فمن يحصل على مرتب 3 آلاف دينار لا يستحق أن يسقط عنه إطلاقا.

وقال يجب أن يكون في القانون نص واضح بأن يستفيد من إسقاط الديون من يعيش على راتبه فقط، وليس من لديه مصدر دخل.

وقال السويط -للجزيرة نت- إن عملية إسقاط الديون بنفس الصيغة التي تم تقديمها بها غير ممكنة، لأن ذلك يحمل الدولة 23 مليار دينار، لكن إن ذهبت المطالبات للمتضررين الحقيقيين، فهنا الأمر سيختلف لأن المبلغ لن يشكل عبئا كبيرا على الدولة.

أما عن الحلول، فقال السويط لدينا خطة سنقدمها خلال الأيام القادمة للجهات المسؤولة ستضرب عصفورين بحجر واحد، عن طريق إسقاط القروض عن المتضررين فقط وزيادة الرواتب لمن لم يقترض أو من لم يستفد من هذا القانون.

اللجنة المالية البرلمانية أقرت قانون شراء القروض المصدر الصحافة الكويتية
اللجنة المالية البرلمانية في الكويت أقرت قانون شراء القروض (الصحافة الكويتية)

ترتيب الأولويات

في المقابل، يرى رئيس جمعية الصداقة الكويتية-الإنسانية أحمد الصراف أن إسقاط القروض "جريمة"، وتساءل كيف يمكن تقبل فكرة صرف 50 مليار دولار في يوم واحد من المال العام على مجموعة من المقترضين، 85% منهم قاموا بالاقتراض في السنوات الثلاث الماضية فقط، مع سماعهم بنية المجلس والحكومة عن إسقاط القروض، وبنك الكويت المركزي لديه كل البيانات الخاصة بذلك.

وقال في حديثه للجزيرة نت، إن نسبة التعثر بين الـ550 ألف مقترض في الكويت هي أقل من المعدل الدولي بكثير، ولا تزيد على 2%.

ويعتقد الصراف أنه بدل صرف مبلغ 50 مليار دولار لسداد القروض، يجب صرفها لتحسين حياة المواطنين والمقيمين في الدول، من خلال رفع مستوى التعليم، وتحسين الخدمات الطبية والعلاجية، وإصلاح الطرقات المتهالكة، ورفع مستوى نظافة البيئة.

يذكر أن بنك الكويت المركزي كشف -في بيان أصدره في السادس من يناير/كانون الثاني الجاري- عن أن عدد الكويتيين الحاصلين على قروض استهلاكية ومقسطة من جميع الجهات الدائنة "البنوك وشركات الاستثمار وشركات التمويل"، بلغ نحو 550 ألف مقترض، وأشار إلى أن محفظة القروض المقدمة للمواطنين بلغ إجمالها 14.7 مليار دينار، مقسمة على 13 مليار دينار كقروض إسكانية، و1.7 مليار دينار كقروض استهلاكية.

وبيّن البنك المركزي أن نسبة العملاء المتعثرين من المواطنين في سداد تلك القروض تبلغ نحو 2.3% من إجمالي أعداد المقترضين، أي نحو 12.65 ألف مقترض.

وأشار البنك إلى أن درجة الانتظام في سداد القروض من جانب المواطنين تبلغ نحو 97.5% من إجمالي قيمة القروض/التمويل.

المصدر : الجزيرة