تجريف للبساتين وهجرة إلى المدن.. هل يشهد العراق نهاية حقبته الزراعية؟

مساحة الأراضي الزراعية المستغلة في العراق 18 مليون دونم من أصل 32 مليون دونم.

بغداد – تشكل الزراعة جانبا مهما في حياة الشعوب، لما توفره من أمن غذائي ووارد اقتصادي، ولكنها تسير باتجاه عكسي في العراق الذي يعدّ في صدارة الدول العربية من حيث مساحة الأراضي الخصبة ولكنه يتذيل قائمتها في استغلالها.

وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية المستغلة في العراق 18 مليون دونم من أصل 32 مليون دونم، حسب تصريحات سابقة لوزير الزراعة محمد كريم الخفاجي، بعد أن كانت تستغل كلها في عهد النظام السابق.

إياد أكد صعوبة العمل في المجال الزراعي مع غياب الدعم الحكومي (الجزيرة نت)

تراجع الزراعة

تتعدد أسباب انحسار الزراعة في البلد، مثل العمليات العسكرية وإهمال رعايتها، فضلا عن ضعف منسوب مياه الري الذي أدى إلى تصحر التربة.

كما أن استيراد الخضراوات والفواكه في مواسم الحصاد أسهم في هبوط أسعار المنتجات المحلية وخسارة المزارعين، حسب المزارع علاء إياد من قرية عوينات التابعة لمحافظة صلاح الدين (شمال بغداد)، الذي يؤكد صعوبة العمل في مثل هذه الظروف، وعدم القدرة على دفع أجور العمال والمستلزمات الكيميائية في ظل تصاعد أسعارها.

وقال للجزيرة نت إن إهمال إصلاح مشاريع الري التي دمرت إبان سيطرة تنظيم الدولة على مناطقهم يمنع سقي الأرض بصورة سليمة، إضافة إلى غلاء المبيدات وانتشار الخنازير، فذلك أدى إلى تراجع حجم المساحات المزروعة، ومن ثم انحسار المحاصيل التي كانت تغزو الأسواق المحلية سابقا، مثل المشمش والرمان والحمضيات والبرقوق، وكذلك حال التمور التي يصعب رعايتها من دون وجود دعم حكومي.

ودفعت هذه الأسباب بإياد إلى زرع دونمين فقط من أصل 10 يملكها، رغم أنها مصدر دخله الوحيد، داعيا الجهات المختصة إلى دعم المزارعين وتعويض أصحاب الأراضي التي دمرها تنظيم الدولة.

وكذلك حال قصي نعمان أحد مالكي الأراضي الزراعية في محافظة صلاح الدين، الذي يرى أن ضعف الدعم الحكومي وعدم توفير المستلزمات الرئيسة للزراعة أضرّ بالعاملين في هذا المجال.

وبيّن للجزيرة نت أن كثرة الاستيراد من الخارج للمواد الزراعية أضعف إقبال المواطنين على المحصول المحلي، وذلك انعكس سلبا على المزارعين المحليين ودفعهم إلى الهجرة نحو المدن أو العمل في مجالات أقل خطورة مالية، مثل الأسواق الغذائية أو سيارات الأجرة، أو تحويل بساتينهم إلى قطع سكنية أو أحواض سمكية.

الباحث في الشأن الزراعي الدكتور صباح السعدون
السعدون رأى أن انتشار ظاهرة تجريف البساتين وهجر المناطق الزراعية يهدد الأمن الغذائي في البلد (الجزيرة نت)

تجريف البساتين

وتمثل ظاهرة تحويل المزارع إلى أحواض سمكية البديل الأمثل للمزارعين، بسبب استقرار سوقها، حسب مربي الأسماك في محافظة ديالى علي عبد الزهرة الذي استغل نصف مساحة أرضه البالغة 6 دونمات في تربية الأسماك.

وقال للجزيرة نت إن هناك إقبالا كبيرا على الأسماك المحلية، رغم الصعوبات التي تواجه هذا القطاع، مثل الحصول على إجازة في تربية الأسماك وأسعار علفها وأدويتها الآخذة بالارتفاع، وكذلك مخاطر كسر الأحواض وخسارة أسماكها أثناء موسم الفيضان.

ومن جانبه، يوضح الباحث في الشأن الزراعي الدكتور صباح السعدون أن انتشار ظاهرة تجريف البساتين وهجر المناطق الزراعية يهدد الأمن الغذائي في البلد، ويحوّله إلى مستورد للمنتجات الزراعية، كما يحمل مخاطر بيئية جمة بسبب قتل المساحات الخضراء. ويتهم السعدون وزارة الزراعة والجمعيات المعنية بالإهمال الذي رفع من حدة الأزمة.

ويعترف مصدر في وزارة الزراعة -فضل عدم ذكر اسمه- بصحة هذا القول، ولكنه يذهب إلى لوم وزارتي التجارة والمالية في انتشار الأزمة، حيث لم تعمل وزارة التجارة على وقف استيراد بعض السلع المتوفرة محليا، كما لم تقدم وزارة المالية أي موازنة من شأنها رفع الكفاءة الزراعية.

إضافة إلى ذلك فإن الأجهزة الأمنية تمنع طرح بعض المنتجات الكيميائية في الأسواق بسبب إمكانية استخدام مكوناتها في صناعة المتفجرات، حسب المصدر.

مزارعون يحرثون أرضهم في قرية عوينات التابعة لمحافظة صلاح الدين وتظهر مساحات واسعة مهملة (الجزيرة نت)

إلى أين يتجه الواقع الزراعي؟

يرى السعدون أن استمرار إهمال الحكومة للزراعة وغياب الرؤى المستقبلية الواضحة وعدم وضع الخطط الإستراتيجية للخروج من الأزمة كلها عوامل أصابت الإنتاج المحلي بالشلل، كما زاد تراكم الأخطاء في صعوبة إيجاد الحلول السريعة.

وأعرب للجزيرة نت عن وجود جهات مستفيدة من استمرار الأزمة بسبب انتفاعها ماديا من تزايد الاستيراد، وأشار إلى تورط مسؤولين كبار في الدولة في ذلك.

وعن كيفية الخروج من الأزمة، يدعو السعدون إلى اعتماد السياسات التي طبقها العراق إبان الحصار الاقتصادي نتيجة لما حققته من تطور في هذا المجال، كما أكد ضرورة حل أزمة المياه مع دول الجوار للقضاء على ظاهرة التصحر، ومنح القروض الزراعية الميسرة، وتفعيل دور المصرف الزراعي، وتوزيع الآلات الحديثة والأسمدة والبذور.

وكان الاحتلال الأميركي عندما سيطر على العراق عام 2003 قد عطل السياسات الزراعية في البلد، ولم تسع الحكومات المتتالية لحل هذه الأزمة بشكل جدي يعيد الزراعة إلى نشاطها، وذلك رغم التحذيرات المستمرة لما يشكله استمرار الأزمة من انعكاس خطير قد ينهي الزراعة في البلد إلى الأبد.

المصدر : الجزيرة