لتنويع مصادر الدخل.. السعودية تستهدف مساهمة قطاع التعدين بـ64 مليار دولار في الناتج المحلي

A Saudi supervisor walks at Maaden Aluminium in Ras Al Khair, Saudi Arabia May 22, 2016. REUTERS/Faisal Al Nasser
قطاع التعدين من الركائز الأساسية لتنمية الإيرادات غير النفطية في السعودية (رويترز)

في ظل مساعي السعودية الهادفة إلى تنويع مصادر اقتصادها إلى جانب النفط والغاز، تعمل المملكة على تطوير قطاع التعدين باعتباره من أبرز القطاعات التي تستثمر فيها الحكومات، وذلك لما تمثله الثروات المعدنية من قيمة ومردود كبير في تنمية الاقتصاد.

وخلال السنوات الماضية سعت المملكة إلى تعزيز وجذب الاستثمارات النوعية في قطاع التعدين من أجل استغلال الثروات التعدينية المقدرة بـ1.3 تريليون دولار، مثل الفوسفات، الذي يقدر بـ321 مليار دولار، والذهب بـ229 مليار دولار، والنحاس بـ222 مليار دولار، والزنك بـ138 مليار دولار، بالإضافة لتطوير الصناعات المرتبطة بالمعادن من خلال تقديم الدعم الكامل والبنية التحتية المتينة التي تضمن الاستدامة.

واعتبرت رؤية المملكة 2030 قطاع التعدين إحدى الركائز الأساسية لتنمية الإيرادات غير النفطية، والإسهام في الناتج المحلي، إذ يعد الركيزة الثالثة للصناعة، إلى جانب صناعتي النفط والبتروكيماويات، وذلك لما تتميز به السعودية من توافر الثروات المعدنية غير المستغلة وتميز موقعها الجغرافي للربط بين القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا).

وتحقيقا لهذا الهدف، أقر مجلس الوزراء السعودي منتصف عام 2020 نظاما جديدا للتعدين يستهدف تسريع وتيرة الاستثمار الأجنبي في القطاع، في إطار جهوده لتنويع اقتصاد المملكة بعيدا عن النفط والغاز، حيث كان من أهم مزايا هذا النظام، إنشاء صندوق التعدين لضمان وجود التمويل المستمر للقطاع ويدعم أنشطة برامج المسح الجيولوجي والاستكشاف.

كما أن النظام الجديد خفض نسبة الضريبة إلى 20%، لتصبح السعودية من بين أكثر مناطق التعدين تنافسية على مستوى العالم بعد تخفيض نسبة الضريبة التي اختلفت بشكل كبير جدا عن نسبة الضريبة السابقة التي بلغت 45%.

استثمارات بـ64 مليار دولار

وإلى جانب مساهمة هذا النظام في جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية وتسارع عجلة الأنشطة، فإنه يعد واحدا من أهم مبادرات الإستراتيجية الشاملة للتعدين والصناعات المعدنية في السعودية، وأحد أهداف برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية.

وفي إطار تحركات المملكة للتوسع والاستثمار في قطاع التعدين، أعلن وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريف الأسبوع الماضي أن بلاده تخطط لطرح أكثر من 10 رخص للتنقيب عن المعادن أمام مستثمرين دوليين، في الوقت الذي تتطلع فيه للتوسع في قطاع التعدين لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الهيدروكربونات.

وأضاف الوزير في كلمة ألقاها في المؤتمر الدولي للتعدين والموارد في سيدني أن هناك 5 مواقع استكشاف جديدة متاحة لرخص الاستكشاف، وأن المملكة ستنشر تفاصيل عن 10 فرص إضافية العام المقبل، موضحا أنه تم إصدار 145 رخصة حتى الآن، وشهدت البلاد نموا بنسبة 27% على أساس سنوي في عائدات التعدين.

بندر الخريف: السعودية تتطلع للتوسع في قطاع التعدين لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الهيدروكربونات (الصحافة السعودية)

ويأتي هذا الإعلان في إطار جهود السعودية ضمن مبادرة الاستكشاف المسرع التي كشفت عنها وزارة الصناعة والثروة المعدنية في وقت سابق من العام الحالي، حيث تهدف لاستغلال الثروات المعدنية بالبلاد، ورفع إسهامات قطاع التعدين في الناتج المحلي ليصل إلى 240 مليار ريال سعودي ( 64 مليار دولار) في 2030، أي 4 أضعاف مساهمته في عام 2015، بالإضافة إلى خلق أكثر من 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في القطاع.

وتمكنت السعودية خلال العام الماضي من جذب 8 مليارات دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، وتستهدف جذب استثمارات جديدة بقيمة 32 مليار دولار في قطاع التعدين وإنتاج المعادن عبر 9 مشاريع مختلفة.

 تحديات حقيقية

ولمزيد من جذب الاستثمارات، يعمل قطاع التعدين في السعودية على إطلاق العديد من رخص الاستكشاف الإضافية بحلول نهاية العام الجاري، التي ستُطرح من خلال عملية تنافسية تخضع إلى مبادئ الشفافية والامتثال على النحو المنصوص عليه في نظام الاستثمار التعديني.

ومن المؤمل أن يؤدي التوسع المستمر في صناعة التعدين إلى إتاحة فرص نمو للشركات العاملة في القطاعات ذات الصلة، حيث تفيد التوقعات بأن ارتفاع الناتج الاقتصادي للتعدين إلى 4 أضعاف سيتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والمعدات والتكنولوجيا المخصصة.

ويقول الخبير الاقتصادي شوقي مصطفى إن طرح المملكة رخصا للتنقيب عن المعادن أمام مستثمرين دوليين خطوة مهمة من جانب أكبر منتج للنفط الخام في العالم، وتأتي في وقت تواجه فيه اقتصادات العالم تحديات حقيقية، ليس في مجال الاستثمار في قطاع الطاقة فقط، وإنما في كافة القطاعات.

ويقول -في تصريح للجزيرة نت- إن هذه الخطوة تأتي بعد أيام قليلة من نشر صندوق النقد الدولي توقعاته بشأن الاقتصاد العالمي والإقليمي، والتي حملت الكثير من المخاوف في ظل الركود الاقتصاد العالمي وتشديد السياسات النقدية من قبل البنوك العالمية.

جذب الاستثمارات الأجنبية

ويوضح أن المملكة، ومن خلال إعلانها توسيع استثماراتها في قطاع التعدين، تريد التأكيد على أنها تمضي قدما في طريق الاستفادة من مواردها الطبيعية، وأن لديها استثمارات وموارد أخرى غير النفط من شأنها أن تسهم في تنويع اقتصادها، وربما تساهم في تلبية الطلب العالمي المتزايد على قطاع المعادن في المستقبل.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن التعدين من القطاعات المهمة التي شهدت خطوات كبيرة في السعودية، متوقعا أن يسهم هذا القطاع، بجانب قطاعات أخرى، في عملية التنويع الاقتصادي الذي تتبناه المملكة في محاولة للاستفادة من الإيرادات التي حققها قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية في الاستثمار في المشاريع والقطاعات التي يمكنها أن تحقق التحول والتنويع الاقتصادي.

ويعتبر أن التحركات السعودية لتطوير قطاع التعدين تأتي في وقت يشهد فيه العالم صراعا بين الاقتصادات الكبرى على المعادن، ويضع قطاع الصناعة العالمي أمام تحديات حقيقية، مشيرا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية خير دليل على ذلك، بسبب الأزمة التي خلقتها صناعة الرقائق الإلكترونية في العالم، والتي يعيش أثرها الجميع في أسعار السلع المرتبطة بالمعادن والرقائق الإلكترونية بشكل خاص، بدءا من أصغر أداة كهربائية ووصولا للطائرات والسفن والسيارات وغيرها.

شوقي مصطفى: طرح المملكة رخص للتنقيب عن المعادن أمام مستثمرين دوليين خطوة مهمة (التواصل الاجتماعي)

ويرى مصطفى أن ما تقوم به السعودية في هذا المجال لا يعد مفاجئا من دولة تمتلك الموارد الطبيعية والقوة الاقتصادية التي تمكنها من الدخول في هذا القطاع، وأيضا فرصة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، مضيفا أن هذه الخطوة تتماشى مع خطط المملكة لإنشاء مؤشر جديد للمعادن والتعدين في البورصة، وربما نرى في المستقبل العديد من الشركات السعودية ومن المنطقة التي سيتم إدراجها في هذا المؤشر.

ويؤكد شوقي مصطفى أن من شأن هذه الخطوة جذب العديد من الشركات الأجنبية الباحثة عن استثمارات منخفضة المخاطر، ومناطق ذات قوة اقتصادية كبرى، وهو ما يساهم في قيام "اقتصادات مشرقة" بدول المنطقة ولديها احتياطيات ضخمة بجانب نظام ضريبي هو الأقل عالمية.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن دولة مثل السعودية -بوصفها عضوا في مجموعة الـ20- "تتمتع بوضع دولي جيد وسوق كبيرة لحوالي 34 مليون نسمة، مما يساعد المستثمر الأجنبي على أخذها بعين الاعتبار، خاصة بعد التحولات التي حدثت في السعودية مؤخرا، والتي شملت العديد من المحفزات التي تقدم للمستثمر الأجنبي".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية + وكالة الأنباء السعودية (واس)