الأردن.. ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المياه ينذران بتصحر أراضي الأغوار الزراعية

القطاع الزراعي في الأردن أصبح طاردا للمزارعين والمستثمرين.

أراضي زراعية خصبة تنتظر زراعتها. الجزيرة . الأغوار الأردنية منطقة الشونة الجنوبية_
الأزمات التي تواجه القطاع الزراعي بمناطق الأغوار خلقت مجتمعات هشة اقتصاديا واجتماعيا (الجزيرة)

كأرملة فجعت بأطفالها، تفتقد آلاف الدونمات الزراعية الخصبة في الأغوار الأردنية زارعيها، فلا دوران للمحاريث الزراعية، ولا أنابيب لريها، ولا أشتال زراعية تحتضنها.

على أطراف وحدته الزراعية بمنطقة الشونة الجنوبية، ينظر المزارع سالم السطري (49 عاما) إلى حال أرضه البور التي غزتها الأشجار الغريبة بعدما توقف عن زراعتها للعام الثالث على التوالي.

فمستلزمات الإنتاج "تكاليفه عالية، وكميات مياه الري شحيحة، والمتوفرة منها أسعارها مرتفعة ودون قدرة المزارع"، يقول السطري للجزيرة نت، يقابل ذلك تسويق ضعيف، وأسعار منتجات الخضار متدنية في أسواق الخضار المركزية، ولا تغطي نصف قيمة التكاليف، بحسب حديثه.

ويعاني القطاع الزراعي في الأردن -وفق مختصين- جملة من التحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل ومستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات وصلت لـ300% في بعض الأصناف خلال العام الماضي 2021.

معاناة مستمرة

يشارك السطري في شكواه من صعوبة أوضاع المزارعين المالك والمستثمر في زراعة الموز والتمور هارون بدر العدوان، الذي قال للجزيرة نت إن "شح المياه وارتفاع أسعارها وتكاليف تحليتها من الآبار الجوفية المالحة، يحول دون زراعة آلاف الدونمات الزراعية".

أضف إلى ذلك -والحديث للعدوان- تكاليف العمالة الزراعية الوافدة وتصاريح العمل المرتفعة، وأسعار مرتفعة للطاقة من كهرباء ومشتقات نفطية، كل ذلك أدى لعزوف المزارعين عن استئجار الوحدات الزراعية، والتوقف عن الإنتاج الخضري، مما يهدد الأمن الغذائي خلال الفترة القادمة.

ووفق تصريحات لوزير المياه والري الأردني محمد النجار، فإن ما يزيد عن "70 ألف دونم صالحة للزراعة في الأغوار لا يتم استغلالها بسبب عدم توفر مياه الري، إلى جانب 300 ألف دونم زراعي في الأغوار تحصل فقط على نصف الكميات اللازمة لاستغلالها، مما أثّر سلبا على نوعية التربة، وأدى لانخفاض كمية المحاصيل الزراعية".

أراضي زراعية خصبة تنتظر زراعتها. الجزيرة . الأغوار الأردنية منطقة الشونة الجنوبية_تأخر موسم الأمطار وانخفاض كمياتها فاقما من معاناة المزارعين (الجزيرة)

ارتفاع عالمي

مستلزمات الإنتاج الزراعي من أسمدة ومبيدات ومواد بلاستيكية شهدت ارتفاعا في غالبيتها باستثناء البذور، يقول نقيب تجار ومنتجي المواد الزراعية محمد بيبرس للجزيرة نت، مضيفا أن أصنافا من الأسمدة بلغت نسبة ارتفاع أثمنتها 300%، في حين وصل ارتفاع سعر أنواع من المبيدات 100%، و50% للمواد البلاستيكية.

وأرجع بيبرس -ممثل القطاع الخاص المستورد لتلك المستلزمات- السبب في ذلك لارتفاع تكاليف الشحن، وارتفاع أسعارها عالميا، إضافة لقيام الدول المنتجة للأسمدة، خاصة الصين ومصر والسعودية، بمنع تصدير الأسمدة كإجراءات حمائية للقطاعات الزراعية في تلك الدول، مما حرم الدول المستوردة من تلك المادة.

الارتفاع المضطرد لأسعار مستلزمات الإنتاج، دفع شركات زراعية وتجارا لوقف تمويل المزارعين بتلك المواد بما يعرف بينهما بـ"البيع الآجل لحين الحصاد وجني المحاصيل"، مما أدى إلى هجرة مزارعين أراضيهم والتوقف عن الزراعة، وفق مزارعين وتجار.

ويتوقع مختصون في القطاع الزراعي أن تستمر أسعار المستلزمات الزراعية بالارتفاع حتى منتصف العام الحالي، وأن يشهد النصف الثاني بداية انخفاض تدريجي في الأسعار.

حصاد مائي

يقول الأمين العام للوزارة محمد الحياري للجزيرة نت إن وزارة الزراعة بدورها فتحت باب استيراد مستلزمات الإنتاج لخلق حالة من التنافسية بين المستوردين، بهدف انعكاسها على المزارعين، موضحا أن الارتفاعات العالمية انعكست على الأسواق المحلية.

وبخصوص تحدي شح المياه وتدني الهطول المطري، أطلقت الوزارة خطة لحفر 10 آلاف بئر لتجميع مياه الأمطار، وإنشاء 100 سد وحفرة ترابية لتجميع الأمطار، موزعة على محافظات المملكة، بحسب الحياري.

ولمواجهة ارتفاع تصاريح العمالة الوافدة، خفضت وزارة العمل رسوم تلك التصاريح بواقع 100 دينار (140 دولارا) بدءا من العام الحالي لدعم القطاعات الاقتصادية.

وقرر مجلس الوزراء الأردني يوم الأحد الماضي تمديد العمل بإعفاء 75% من الرسوم المفروضة للعام 2022 على السلع الزراعية والبستانية المعدة للتصدير، وذلك بما يخدم القطاع الزراعي والصادرات البستانية، ويخفف من الاختناقات التسويقية.

مزارع يقوم بإزالة الأنابيب البلاستيكية بعد عجزه عن زراعة أرضه. الجزيرة . الأغوار الأردنية منطقة الشونة الجنوبية_مستلزمات الإنتاج الزراعي من أسمدة ومبيدات ومواد بلاستيكية شهدت ارتفاعا في غالبيتها (الجزيرة)

كارثة في الإنتاج

تأخر الموسم المطري وانخفاض كميات الهطول من بداية الموسم فاقما من معاناة المزارعين، يقول رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن عدنان خدام للجزيرة نت، موضحا أن 75% من المزارعين عاجزون عن زراعة أراضيهم بسبب شح المياه، ونقص التمويل المالي، وارتفاع كلف الإنتاج، مع تدني أسعار المنتجات الخضرية، وتراجع الدعم الحكومي للقطاع.

وقد بات القطاع الزراعي عامل "طرد للمزارعين والمستثمرين"، يضيف خدام، محذرا من خطورة ذلك على الأمن الغذائي في ظل تراجع المساحات المزروعة، والقضاء على القلة القلية الصامدة من المزارعين.

ويرى مختصون أن الأزمات التي تواجه القطاع الزراعي بمناطق الأغوار، خلقت مجتمعات هشة اقتصاديا واجتماعيا، خاصة وأن تلك المناطق تعاني من ارتفاع في نسب الفقر والبطالة وتدني المستوى المعيشي.

حال القطاع الزراعي "الصعب" في مناطق الأغوار الأردنية ليست وليد أزمة وباء كورونا فقط، بل ممتدة -وفق مختصين- منذ 10 سنوات بسبب توقف تزويد الأسواق التصديرية خاصة دول أوروبا الشرقية وتركيا وروسيا بعد إغلاق الحدود السورية بسبب الأزمة هناك.

المصدر : الجزيرة