بعد مؤتمر استرداد الأموال المهربة.. العراق يواجه عراقيل قانونية وسياسية لاستعادتها

رغم الاهتمام الحكومي باسترداد الأموال المهربة وخروج المؤتمر المخصص بالعديد من التوصيات لحصر هذه الأموال والبدء باستردادها فإن العراق لا يزال يواجه عقبات سياسية وقانونية تحول دون استعادته أمواله

الكاظمي في كلمته الافتتاحية لمؤتمر استرداد الأموال المنهوبة (مواقع التواصل)

بغداد- احتضنت العاصمة العراقية وعلى مدى يومي الأربعاء والخميس الماضيين المؤتمر الدولي لاسترداد الأموال العراقية المهربة إلى الخارج، وشهد المؤتمر اهتماما حكوميا واسعا قاده رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، ولا سيما أنه جاء في ظل أزمة اقتصادية يعيشها العراق بدأت مع انهيار أسعار النفط قبل عامين إثر جائحة كورونا والضغط الشعبي الذي أفرزته الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت أواخر عام 2019.

عقد المؤتمر الدولي برعاية الحكومة العراقية ومشاركة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، فضلا عن عدد من وزراء العدل ورؤساء مجالس القضاء والأجهزة الرقابية في العديد من الدول العربية.

ورغم الاهتمام الحكومي العراقي باسترداد الأموال والأصول المهربة وخروج المؤتمر بـ18 توصية لأجل حصر هذه الأموال والبدء باستردادها فإن الكثير من المراقبين يرون أن هناك عقبات سياسية وقانونية تحول دون تمكن العراق من استعادة أمواله على الوجه الذي تطمح إليه الحكومة.

صورة حصرية مرسلة من قبله - المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي - مظهر محمد صالحصالح اعتبر أن أهمية المؤتمر تأتي في تجسيده سعي العراق لاستعادة أمواله المنهوبة (الجزيرة نت)

أهمية المؤتمر

كثيرة هي المحاولات التي تسعى من خلالها الحكومة العراقية لتعظيم مواردها ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المهربة إلى الخارج، حيث يؤكد مظهر محمد صالح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي أن أهمية المؤتمر تأتي من سعي العراق لاستعادة أمواله.

ويضيف صالح للجزيرة نت أن المؤتمر سلط مزيدا من الضوء والضغط على الفاسدين، إضافة إلى تشجيع الكثير من الدول على توقيع اتفاقيات ثنائية مع العراق، ولا سيما أن نسخة من توصيات المؤتمر أرسلت إلى الأمم المتحدة من أجل وضعها ضمن الآليات التي يمكن اتباعها في استعادة أموال العراق بالتعاون مع المجتمع الدولي، بحسب تعبيره.

وأكد صالح أن أهمية المؤتمر تأتي من خلال مناقشته قضية الأموال التي تم تهريبها من قبل شخصيات مزدوجة الجنسية، لافتا إلى أن البلاد بحاجة إلى شركات محاماة دولية من أجل الشروع في العمل الحقيقي لاستعادة أموالها.

الخبير الاقتصادي همام الشماع الجزيرةالشماع اعتبر أن الحكومة العراقية لا تعلم الحجم الحقيقي للأموال المنهوبة (الجزيرة نت)

حجم الأموال المهربة

تمخضت عن المؤتمر الدولي 18 توصية كان من أهمها التشجيع على عقد اتفاقيات ثنائية بين الدول، مما يساعد العراق على استعادة أمواله، فضلا عن أهمية قيام الحكومة العراقية بإصدار أدلة إرشادية تبسط آلية استرداد الأموال، إضافة إلى تكليف المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية بعقد اجتماع دوري لهيئات النزاهة ومكافحة الفساد العربية.

وكان الرئيس العراقي برهم صالح قد أعلن قبل نحو 3 أشهر عن تقديمه مشروع قانون "استرداد عوائد الفساد" إلى البرلمان، في سعي لاسترداد ما يقارب 150 مليار دولار نهبت خلال سنوات ما بعد 2003.

أما لجنة النزاهة النيابية فكانت قد قدرت قبل أشهر حجم الأموال المهربة من قبل بعض الفاسدين خلال الـ18 عاما الماضية بنحو 350 مليار دولار، أي ما يعادل 32% من إيرادات العراق خلال هذه الأعوام.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي همام الشماع -في حديثه للجزيرة نت- أن الحكومة العراقية لا تعلم الحجم الحقيقي للأموال المنهوبة، ولا سيما أن جميع التصريحات الحكومية تفتقر إلى المصادر والإحصائيات المالية، ولم تستند إلى معلومات المصرف المركزي العراقي وحجم الموازنات وحساباتها الختامية والفائض المالي طوال السنوات السابقة.

أما أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني فيقدر حجم الأموال والأصول المهربة منذ عام 2003 وحتى عام 2015 بنحو 350 مليار دولار دون حساب ما تم تهريبه خلال السنوات اللاحقة.

د. عبدالرحمن المشهداني (الجزيرة 1)المشهداني يرى أن العراق غير قادر على استرداد أمواله المنهوبة لأنه بحاجة لاتفاقيات دولية وأخرى ثنائية (الجزيرة نت)

عقبات قانونية

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد المشهداني أن عدم قدرة العراق على استرداد أمواله تعود إلى أن القضية متشابكة وتستلزم اتفاقيات دولية وأخرى ثنائية، لافتا إلى أن الإشكالية الحقيقية تتمثل بضرورة اتباع العراق الخطوات القانونية التي تشمل إجراء تحقيقات قضائية محلية تصل إلى أحكام قضائية قطعية.

ويضيف أنه بعد تلك المرحلة يجب على الحكومة ووزارة الخارجية مخاطبة الإنتربول الدولي ووزارات الخارجية الأجنبية من أجل الشروع في الإجراءات القضائية بتلك الدول، مشيرا إلى أن الكثير من الإجراءات وصلت إلى مراحل متقدمة، غير أن إعادة محاكمة بعض الفاسدين أدت لتبرئتهم أو غض الطرف عنهم لاعتبارات سياسية وغيرها، بحسب تعبيره.

صورة حصرية مرسلة من قبله - الخبير القانوني علي التميميالتميمي طالب بإنشاء محكمة متخصصة مستقلة لمتابعة مسألة الأموال المنهوبة (الجزيرة نت)

بدوره، يرى الخبير القانوني علي التميمي أن الحكومة تمتلك الأدوات القانونية للبدء بمحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة داخليا، لافتا إلى ضرورة إنشاء محكمة متخصصة في ذلك وفق المادة 89 من الدستور، على أن يكون عمل هذه المحكمة محاطا بالاستقلالية والحماية والسرية.

وعن الأموال المهربة خارج البلاد، أوضح التميمي للجزيرة نت أنه يمكن استردادها عن طريق اتفاقية غسيل الأموال لعام 2005، إضافة إلى التعاون مع الجانب الأميركي وفق المادة 27 من الاتفاقية العراقية الأميركية لعام 2008، فضلا عن إمكانية استغلال العراق المادة 50 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد على حق الدول -التي تحارب تنظيمات موضوعة تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة- في طلب مساعدة الأمم المتحدة بشأن ذلك.

النائب ندى شاكر جودت الجزيرةندى طالبت بترتيب العراق بيته الداخلي من خلال محاربة الفساد والشروع في تنظيم إيرادات الدولة (الجزيرة)

معوقات سياسية

لا تقتصر معوقات استرداد العراق أمواله عند المشكلات القانونية، إذ يوضح التميمي أن العراق ورغم امتلاكه الكثير من الوسائل والمقومات فإنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة هذه المسألة، بحسبه.

وتذهب في هذا المنحى عضوة لجنة الاقتصاد والاستثمار في البرلمان العراقي ندى شاكر جودت، حيث تؤكد أن مؤتمر استرداد الأموال لن يكون له صدى من الناحية العملية، لافتة إلى ضرورة أن يعمل العراق على ترتيب بيته الداخلي من خلال محاربة الفساد والشروع في تنظيم إيرادات الدولة والمنافذ الحدودية والجمارك ومزاد العملة، بحسب تعبيرها.

وتعلق جودت في حديثها للجزيرة نت "الحكومة العراقية عاجزة تماما عن ضرب رؤوس الفساد في البلاد، وتعرف تماما الفاسدين والسراق والمتاجرين بأموال وحقوق العراقيين، دون اتخاذها أي إجراءات".

وترى ضرورة أن تبدأ الحكومة العراقية تسويات مع من وصفتهم بـ"فاسدي الداخل"، من أجل استرداد الأموال المنهوبة داخل البلاد مقابل معالجة قضاياهم قانونيا كما حصل في بعض دول الجوار، بحسب تعبيرها.

إحسان الشمريالشمري اتهم جزءا من الأحزاب السياسية بالتورط في الفساد وعمليات تهريب الأموال خلال السنوات الماضية (الجزيرة نت)

أحزاب متورطة

من جهته، يشير رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري إلى معوقات سياسية تتمثل في أن جزءا من الأحزاب السياسية الحالية في العراق متورطة بالفساد وعمليات تهريب الأموال ونقلها للخارج طوال السنوات الماضية.

وأكد الشمري -في حديث سابق للجزيرة نت- أن التهريب جار على قدم وساق، وأن هذه الأحزاب والقوى لن تسمح بإقرار أي قوانين أو إجراءات قد تمهد لمساءلتها، مبينا أن استعادة الأموال مستقبلا تعتمد على المعادلة السياسية القادمة بعد الانتخابات، إذ فيما لو بقيت هذه الأحزاب التقليدية مسيطرة على الوضع في العراق فإنه من المستبعد أن يشهد ملف استرداد الأموال من الخارج تفاعلا كبيرا.

هي محاولات مستمرة تسعى من خلالها الحكومة العراقية لإبداء جديتها في محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة في ظل وضع سياسي واقتصادي غاية في التعقيد قد لا تتضح معالمه حتى تشكيل الحكومة الجديدة التي ستفرزها الانتخابات القادمة في 10 أكتوبر/تشرين الأول القادم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يجري التعامل مع ملف مكافحة الفساد في العراق بحذر شديد، وتراقب القوى السياسية الإجراءات التي تقوم بها الحكومة، ورغم أنها أدت للقبض على فاسدين من العيار الثقيل فإن البعض يربطها بقرب الانتخابات.

Published On 21/4/2021
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة