بعد إعادة الاحتلال فتحها.. الحواجز الحدودية تنعش اقتصاد الضفة الفلسطينية

قيمة إنفاق فلسطينيي 48 في مناطق السلطة الفلسطينية تضاعفت من 1.1 مليار شيكل عام 2013 لتصل إلى ما بين 4.5 و5 مليارات شيكل عام 2019.

حاجز الجلمة الحدودي بين جنين والداخل الفلسطيني يمر من خلاله 6 إلى 8 آلاف مركبة يوميا (الجزيرة)
حاجز الجلمة الحدودي بين جنين والداخل الفلسطيني يمر من خلاله 6 إلى 8 آلاف مركبة يوميا (الجزيرة)

أمس، لم يفكر محمد أبو محسن من باقة الغربية داخل فلسطين المحتلة 1948 مرتين حين قرر المجيء إلى مدينة طولكرم على الطرف الآخر من الخط داخل حدود الضفة الغربية المحتلة عام 1967. شغّل محرك مركبته وانطلق قرابة السادسة مساء للتبضع وقضاء حوائجه، ومن ثم العودة إلى منزله قبيل منتصف الليل.

هذا الفعل لم يكن أبو محسن (45 عاما) ليقدم عليه قبل بضعة أيام حين كانت إسرائيل تغلق حاجزها العسكري "نتنساني عوز" (البوابة رقم 104) المقام على أراضي طولكرم شمال الضفة الغربية منذ أكثر من عام، كحال نحو 17 بوابة وحاجزا عسكريا حدوديا بفعل إجراءات الاحتلال للحد من انتشار فيروس كورونا، وهو ما ألحق أضرارا اقتصادية واجتماعية بالمناطق الفلسطينية.

ولم تأخذ زيارة أبو محسن الأخيرة لطولكرم وقتا كبيرا في الإعداد والتخطيط، وعلى الفور اصطحب عائلته وأطفاله وذهب للتبضع وقضاء حاجاته، فالطريق التي كانت تستغرق ساعة ونصفا عبر حاجز "جبارة" (أقصى جنوب طولكرم) لم تعد تستغرق سوى 15 دقيقة بعد فتح حاجز "نتنساني عوز"، فضلا عن سهولة الدخول والخروج بأي وقت.

عامل دعم

يقول أبو محسن للجزيرة نت إن زياراته تراجعت بعد إغلاق البوابة إلى مرة واحدة كل شهرين، بينما كانت قبل ذلك شبه أسبوعية إن لم تكن يومية لأسباب اجتماعية واقتصادية، فهو يشعر أنه داخل بلده وبين أهله فعلا ويخرج من ضغوط الاحتلال، "فالمدن لدينا خليط بين عرب ويهود، ولا توجد استقلالية بالعيش والسكن للعرب".

وهناك عامل اقتصادي لا يقل أهمية لدى أبو محسن في محاولته دعم أبناء شعبه على حد قوله، فهو ينفق بزيارته مرة كل أسبوعين أكثر من 400 دولار أميركي، ويحصل بالمقابل على بضائع جيدة ويوم ترفيهي وسياحي كامل، وبسعر أرخص منه داخل منطقة سكناه في إسرائيل.

ومثل طولكرم، بدأت الحياة تدب بمدينة جنين منذ أسبوعين بعد فتح حاجز الجلمة ودخول الآلاف من فلسطيني الداخل إليها، فالمدينة التي تعد بوابة للشمال الفلسطيني نحو الضفة الغربية عانت كثيرا بفعل الإغلاق وشل أكثر من 60% من الحراك التجاري داخلها.

إسرائيل تضعف الاقتصاد الفلسطيني وتجبره على التبعية لاقتصادها عبر سياسات الفصل العنصري (الجزيرة)

خسائر متراكمة

وفقد القطاع السياحي على وجه التحديد أكثر من 70% من زبائنه، في حين بلغت خسارات قطاعات أخرى 80% لاعتمادها بشكل رئيسي على المتسوقين من داخل الخط الأخضر، وهو ما اضطر المنشآت الاقتصادية التي تعتمد نظام المياومة في التشغيل لتسريح النصف أو أكثر من عمالها، كما يقول مدير عام غرفة جنين التجارية محمد كميل.

ويقدر كميل في تصريحه للجزيرة نت خسارة مدينته جنين بنحو مليار شيكل (الدولا يعادل 3.25 شيكلات) بعد إغلاق حاجز الجلمة 16 شهرا، فهناك 3 ملايين "زيارة مكررة" من فلسطينيي الداخل لجنين عام 2019.

وبين كميل أن إنفاق الفرد خلال الزيارة الواحدة يبلغ نحو 100 دولار أميركي.

كما يواجه تجار جنين مشكلة بتحول جزء كبير من فلسطينيي الداخل بفعل الإغلاق نحو السوق الإسرائيلية، وهذا يجعلهم كتجار يعملون على عرض منتجهم بطرق أحدث لاستقطاب الزبائن مجددا.

يضاف هذا إلى خسارة لا تعوض -وفق كميل- تتمثل في فقدان قدرات عمالية وتشغيلية توجهت للعمل بمناطق ثانية بعد تدهور الأوضاع وإنهاء عملهم في جنين.

ويقول كميل "لن يكون الاستيقاظ من الكابوس مبكرا"، فالتجار تراكمت عليهم الديون وغيرها، ولا سيما أن الحديث يدور عن عمل إستراتيجي مستدام يقوم على الاستثمارات والشراكة بين فلسطينيي الداخل والضفة وليس عملية شراء فقط.

ومنذ فتحه، يدخل 6 إلى 8 آلاف مركبة عبر حاجز الجلمة بشكل يومي، وتقل نحو 40 ألفا من فلسطينيي الداخل إلى جنين ومدن الضفة الغربية بشكل يومي.

نحو 40 ألفا من فلسطينيي الداخل يتنقلون إلى جنين ومدن الضفة الغربية بشكل يومي عبر حاجز الجلمة (الجزيرة)

سياسات تمييزية وعنصرية

وفي ندوة اقتصادية عقدها قبل أكثر من أسبوع معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس) بمقره في مدينة رام الله، أشارت ورقة بحثية قدمها الباحث في المعهد رابح مرار إلى أن قيمة الإنفاق لفلسطينيي 48 في مناطق السلطة الفلسطينية تضاعفت من 1.1 مليار شيكل عام 2013 لتصل إلى ما بين 4.5 و5 مليارات شيكل عام 2019.

وتضعف إسرائيل الاقتصاد الفلسطيني وتجبره على التبعية لاقتصادها عبر سياسات الفصل العنصري على جانبي الخط الأخضر، فضلا عن سياسات التمييز والتهميش عبر إجراءات التفتيش والعراقيل الهادفة للحد من الوصول إلى أسواق الضفة الغربية.

ولا يقل الحراك الاجتماعي المتمثل بالتواصل بين الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر أهمية عن نظيره الاقتصادي، فضلا عن خدمات أخرى يتلقاها فلسطينيو 48 في الضفة الغربية كالتعليم والتطبيب وغيرها، ففي الجامعة العربية الأميركية بمدينة جنين يلتحق أكثر من 4 آلاف طالب وطالبة.

ويقول  خالد شناوي مسؤول ملف "طلاب فلسطينيي 48" في الجامعة المذكورة إن الإغلاق أعاق وصول الطلبة والتنقل بين الضفة والأراضي داخل الخط الأخضر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما إن وضعت الحرب أوزارها وانتهت حملة “سيف القدس” التي أطلقتها فصائل المقاومة من قطاع غزة، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حتى عادت إسرائيل إلى الواقع الاقتصادي الصعب المحفوف بالمخاطر والتحديات.

21/5/2021
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة