في ظل زيادة معدلات الإنفاق.. هل يشهد الاقتصاد العالمي طفرة استثمارية؟

ساهمت جائحة "كوفيد-19" في توسيع قاعدة الطلب ونمو التجارة الإلكترونية وزيادة الحاجة إلى المعدات والبرمجيات لتسهيل العمل عن بعد

في بداية أزمة كورونا لم تكن التوقعات بزيادة معدلات الاستثمار التجاري العالمي متفائلة لكن الأمور بدأت تتغير بمرور الوقت (شترستوك)
في بداية أزمة كورونا لم تكن التوقعات بزيادة معدلات الاستثمار التجاري العالمي متفائلة لكن الأمور بدأت تتغير بمرور الوقت (شترستوك)

في ظل تخفيف إجراءات الإغلاق في جميع أنحاء العالم وزيادة الإنفاق والاستهلاك في مراكز التسوق والمطاعم والفنادق وقاعات السينما يتوقع أن تشهد معدلات الاستثمار طفرة كبيرة عالميا في الفترة القادمة.

وفي تقرير لها، تقول مجلة "إيكونوميست" (The Economist) البريطانية إن الشركات الأميركية زادت إنفاقها الرأسمالي بمعدل سنوي قدره 15%  في قطاعات المواد الصلبة (الآلات والمصانع) والمنتجات غير الملموسة (البرمجيات)، كما تسعى الشركات في أجزاء أخرى من العالم إلى تكثيف إنفاقها، وهو ما يعزز حالة التفاؤل بين الخبراء بانتعاش اقتصادي سريع.

في بداية أزمة كورونا لم تكن التوقعات بزيادة معدلات الاستثمار التجاري العالمي متفائلة، لكن الأمور بدأت تتغير بمرور الوقت، ويتوقع المحللون في بنك "مورغان ستانلي" أن ترتفع قيمة الاستثمار الإجمالي العالمي بنسبة 121% مقارنة بمستويات ما قبل الركود بحلول نهاية العام المقبل.

وتؤكد شركة الاستشارات المالية "أكسفورد إيكونوميكس" (Oxford Economics) أن "الوقت يبدو مناسبا لحدوث طفرة في النفقات الرأسمالية"، فيما تتوقع شركة أبحاث السوق "آي إتش إس ماركت" (IHS Market) أن ترتفع الاستثمارات الحقيقية في الأصول الثابتة عالميا بأكثر من 6% هذا العام.

وتعتبر مؤشرات التفاؤل السائدة حاليا مختلفة تماما عما كانت عليه قبل الجائحة، ففي الولايات المتحدة كان الاستثمار التجاري المحلي الإجمالي يسير بوتيرة بطيئة منذ أوائل الثمانينيات، وبعد الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009 استغرق الاستثمار العالمي أكثر من عامين للعودة إلى ذروته.

لكن الأمور اختلفت كثيرا في ظل الأزمة الحالية، فرغم انخفاض الاستثمار بشكل حاد في بداية الجائحة فإنه تعافى بسرعة هذه المرة، ويشير ارتفاع النفقات الرأسمالية إلى أن الاقتصاد العالمي لن يواجه أزمة مماثلة لتلك التي عاشها في العقد الأول من القرن الـ21 عندما ظل نمو الإنتاج والناتج المحلي الإجمالي دون مستويات ما قبل الأزمة.

أسباب زيادة الإنفاق

لفهم سبب تفاؤل المحللين فإنه من المهم -حسب إيكونوميست- النظر إلى ما عاشته أبرز الشركات المدرجة في مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) خلال الفترة الماضية.

ووجدت المجلة من خلال تحليل بيانات أكبر 25 شركة غير مالية مدرجة في مؤشر "إس آند بي 500" أن توقعات المحللين بشأن النفقات الرأسمالية في عام 2021 قد زادت بنسبة 10% خلال العام الماضي.

ويعد القطاع التكنولوجي من أبرز القطاعات التي شهدت انتعاشا استثماريا سريعا خلال الأزمة، ومن المتوقع أن تعزز شركات التكنولوجيا نفقاتها الرأسمالية خلال العام الجاري بزيادة تقدر بـ42% مقارنة بعام 2019، وينتظر أن تستثمر 430 مليار دولار في الولايات المتحدة على مدى 5 سنوات، مسجلة زيادة بنسبة 20% عن خططها السابقة.

وقد ساهمت جائحة "كوفيد-19" في توسيع قاعدة الطلب ونمو التجارة الإلكترونية وزيادة الحاجة إلى المعدات والبرمجيات لتسهيل العمل عن بعد، وقد أدت كل هذه العوامل إلى زيادة النفقات الرأسمالية لشركات التكنولوجيا.

ولا تعد شركات التكنولوجيا القطاع الوحيد الذي زاد حجم استثماراته، فقد عززت شركات البيع بالتجزئة النفقات الرأسمالية بنسبة 36% على أساس سنوي في الربع الأول من العام الجاري.

وتحاول شركات مثل "تارغت" (Target)، و"وول مارت" (Walmart) منافسة عمالقة الإنترنت، فيما أعلنت شركة "ماركس آند سبنسر" (Marks & Spencer) البريطانية الشهيرة أنها أنشأت 46 موقعا إلكترونيا جديدا في الأسواق الخارجية، من آيسلندا إلى أوزبكستان.

تحول جذري أم استجابة مؤقتة؟

لكن السؤال المهم الذي يطرح حاليا حسب إيكونوميست: هل هذه الطفرة العالمية في الإنفاق تشير إلى تحولات جذرية ومستمرة، أم أنها مجرد استجابة مؤقتة لتخفيف قيود الإغلاق؟

في الحقيقة، لا تشمل زيادة النفقات الرأسمالية كل الشركات، حيث تشير الدراسة التي قامت بها إيكونوميست إلى أن حوالي نصف الشركات في "إس آند بي 500" لن تستثمر في عام 2021 أكثر مما كانت تستثمره في 2019.

وقد سجلت شركات النفط والغاز العالمية انخفاضا في استثماراتها بنسبة 10% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة، استجابة لانخفاض الطلب المتوقع على الأسعار، كما تتجه شركات الطيران والشركات المالكة للسفن السياحية إلى تقليل الإنفاق، في انتظار تحسن الوضع الوبائي ورفع القيود بشكل كامل عن السفر والتنقل.

ويواصل العديد من المديرين التنفيذيين في شركات المواد الخام والسلع الصناعية الدعوة إلى الانضباط الرأسمالي والتحكم في الإنفاق، على أمل الانتقال في مرحلة لاحقة من حالة التقشف إلى وضع أفضل.

وهناك مصدر قلق آخر يتلخص في الاتجاه نحو دمج عدد من القطاعات، بدءا من الفنادق وصولا إلى التعدين، وهو اتجاه يبدو أنه قد يستمر بغض النظر عن تبعات جائحة كورونا.

وتشير الأبحاث التي أجراها صندوق النقد الدولي إلى أن الشركات الأقوى في السوق ستكون أقل حرصا على الإنفاق، وعلى سبيل المثال فإن الاستثمار التجاري في الفنادق بالولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة التي سبقت الوباء كان أقل من الأعوام الخمسة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2008 رغم أن الطلب على الفنادق كان أعلى بكثير.

لكن الظروف الاقتصادية الحالية يمكن أن تقنع الكثير من الشركات المترددة بزيادة الإنفاق، فعلى عكس فترة ما بعد الأزمة المالية العالمية ستكون لدى العائلات الكثير من المدخرات لإنفاقها، كما أن الاستجابة المالية والنقدية خلال أزمة كورونا ساعدت الشركات على تحمل تبعات الجائحة.

ولعل الأهم من ذلك أن ما أفرزته أزمة كورونا من تطورات تكنولوجية وانتشار نماذج جديدة للأعمال التجارية ناهيك عن اكتشاف اللقاح قد يفسر التوقعات المتفائلة بشأن النفقات الرأسمالية حسب مؤشر "إس آند بي 500″، وقد تكون الطفرة الاستثمارية قد بدأت للتو.

المصدر : إيكونوميست

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة