ما حقيقة المخاوف من فتح الباب أمام مرافق الدولة المصرية للاقتراض بضمان مواردها؟

تنامي مخاوف بعض المراقبين وخبراء الاقتصاد من رفع الحكومة المصرية يدها بشكل تدريجي عن الاستثمار في المرافق والخدمات العامة.

في إطار سياسات تحررية تقترض إدارة المرافق والخدمات العامة بضمان مواردها المستقبلية لتمويل مشروعاتها (رويترز)
في إطار سياسات تحررية تقترض إدارة المرافق والخدمات العامة بضمان مواردها المستقبلية لتمويل مشروعاتها (رويترز)

بدأت مصر تغرد بعيدا فيما يتعلق بسياستها الاقتصادية الإصلاحية التي انتهجها النظام الحالي منذ 2014، وبرزت بشكل أكبر في أعقاب تحرير سعر صرف الجنيه عام 2016، وابتعدت عن سياسات الأنظمة السابقة التي كانت تقوم بتوفير دعم واسع، وتقديم الخدمات العامة بأسعار رمزية من أجل استمرار الاستقرار السياسي.

في إطار تلك السياسات الاقتصادية التحررية، بات بإمكان الجهات والهيئات المسؤولة عن إدارة المرافق والخدمات العامة في الدولة الاقتراض بضمان موارد تلك المرافق المستقبلية، من أجل تمويل مشروعاتها ذاتيا، وسط انقسام كبير بين مؤيدين ومعارضين.

وسعت السلطات، خلال السنوات الأخيرة، إلى التخلي شيئا فشيئا عن سياساتها الاقتصادية القديمة التي كانت تضمن توازنا اجتماعيا، وتعمل كطبقة حماية بين الحكومات المتعاقبة والشعب، لكنها بدأت تتلاشى بمرور الوقت.

وزادت تلك الخطوة من تنامي مخاوف بعض المراقبين وخبراء الاقتصاد عن رفع الحكومة يدها بشكل تدريجي من الاستثمار في المرافق والخدمات العامة التي تقدمها للمواطنين أسوة برفع يدها عن الدعم كما جرى بقطاعات واسعة في الكهرباء والمياه والطاقة والغاز، وبالتالي رفع أسعار الخدمات أو رهن أصولها لسداد ديونها.

ووافقت هيئة الرقابة المالية، مؤخرا، على مشروع قانون لتعديل قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992، بهدف استحداث آلية (بديل تمويل غير تقليدي) تتيح توفير التمويل اللازم للجهات القائمة على شؤون المرافق والخدمات العامة بالدولة لتمكينها من القيام بأعمالها وأنشطتها في مشروعات البنية التحتية.

يقول رئيس الهيئة محمد عمران إن هناك قطاعات كثيرة يمكن أن تستفيد من هذه الآلية، مثل: الكهرباء، الغاز، المياه، الاتصالات، الطرق والكباري، نقل الركاب والبضائع سواء بريا أو بحريا أو جويا بما في ذلك رسوم بوابات الطرق ومترو الأنفاق وشبكة السكك الحديدية، الصحة، التعليم، قطاع الإسكان.

وبرر عمران الحاجة إلى هذا التعديل بنجاح الحكومة السنوات الأخيرة في تحقيق نمو اقتصادي بالقطاعات كافة، وتنفيذ العديد من المشروعات التي تقدم خدمات عامة للجمهور كتطوير شبكة الطرق والكباري (القناطر) والرغبة في تعميم استفادة كافة المواطنين من خدمات المرافق العامة الأخرى بشكل كفء.

دور الدولة الأم ولّى

هذه الخطوة ليست مفاجئة، وفق أستاذ الاستثمار والتمويل الدكتور وائل النحاس "فهي تأتي استكمالا لخريطة برنامج صندوق النقد الدولي، التي بدأت بتقليص الدعم وبيع الخدمات أو المنتجات بأسعار التكلفة، ثم الانتقال للمرحلة التالية وتحقيق ربحية في القطاعات التي تملكها الدولة والتي تحتاج إلى آلية للتمويل لتطوير تلك المرافق والخدمات، وتوريق الدَين هو آلية جديدة من آليات التمويل".

ورأى -في تصريح للجزيرة نت- أن مثل هذا القانون يعني أن كل هيئة سوف تقترض لنفسها بعيدا عن اقتراض الحكومة نفسها، من أجل أن تحسن خدماتها من جهة، وتسدد ما عليها من ديون من ناحية أخرى، وهذا سيقلل الضغوط على الموازنة العامة للدولة.

وبشأن ما يثار من مخاوف تتعلق برفع أسعار المرافق والخدمات العامة، أكد النحاس أن الدولة بالفعل تخلصت من عبء الدعم في العديد من القطاعات، وأصبحت تحقق أرباحا تستطيع من خلالها سداد الالتزامات.

وأكد المحلل الاقتصادي بأنه يجب إدراك أن الاقتصاد المصري رأسمالي، ولم يعد خليطا بين الرأسمالية والاشتراكية؛ وبالتالي فإن دور الدولة تجاه دعم السلع والخدمات قد تغير، لكنه أشار إلى ضرورة وضع قواعد لضمان جدية المستثمرين حتى لا يؤدي ذلك إلى عكس المطلوب مما يحدث قصورا في الخدمات.

وتؤكد الرقابة المالية في تعديلات مشروع القانون أن الاقتراض -بضمان الموارد المستقبلية للجهات الحكومية أو المرافق العامة المختلفة- يمثل مصدرا تمويليا لهذه المشروعات من أجل استمرار تقديم الخدمات العامة بكفاءة وجودة، وضمان استمراريتها في الوفاء بمتطلبات أوجه الاستخدام.

قد تستفيد قطاعات مصرية كثيرة من هذا القانون مثل الكهرباء والغاز والمياه (مواقع التواصل)

مرافق عامة لا ربحية

"مرافق عامة لا استثمارية" هكذا علق الدكتور أحمد خزيم الخبير الاقتصادي ورئيس منتدى التنمية والقيمة المُضافة، على مشروعات القانون، محذرا في الوقت ذاته من أنها تثير العديد من المخاوف التي تتعلق بأسعار الخدمات العامة المقدمة للجمهور، وضمانات حماية حقوق المستثمرين في حال عدم تحقيق الموارد المتوقعة، وتأثير ذلك على ملكية المرافق والخدمات.

وتساءل خزيم -في حديثه للجزيرة نت- ماذا لو أن تلك المرافق العامة لم تحقق أرباحا؟ مجيبا بأن هذا يعني رهن أصول تلك المرافق للبيع من أجل سداد ما عليها من ديون ومستحقات، وهو أمر في غاية الخطورة، وماذا عن التعليم والصحة وكيف يمكن تركهما للاقتراض وهما قطاعان غير ربحيين ولا يوجد تصور بالقانون عن كيفية استفادتهما من القانون؟.

وحذر الخبير الاقتصادي من أن الاقتراض سيرفع، بلا شك، أسعار الخدمات لأنها سوف تحمل على المستهلك، نهاية المطاف، الذي يعاني في الأصل من زيادة الأسعار وتقليص الدعم وتراجع الدخول، وبالتالي سيكون ذلك على حساب سقوط المزيد من أصحاب الطبقات الوسطى للفقيرة والفقيرة للمعدمة.

وأكد أن المواطن يدفع بالفعل ضرائب مقابل توفير بعض الخدمات كالطرق والمواصلات وغيرها، ورغم ذلك لا تتم مراجعة تكاليف ومصاريف وجدوى هذه المشروعات من قبل البرلمان المنوط به الرقابة، وفي المجمل العام سيؤدي مثل هذا القانون إلى زيادة الانكماش الاقتصادي والتضخم والفقر.

وهو ما أكدت عليه سلوى العنتري رئيسة قطاع البحوث السابقة بالبنك الأهلي قائلة "إن الاقتراض الضخم يستلزم ضمانات ضخمة، وبما أن الضمانة هنا هي موارد المرافق العامة فهذا يثير تساؤلًا حول سعر الخدمة المقدم، وماذا عن قطاعات مثل الصحة والتعليم والأصل فيها أنها غير ربحية؟".

وتساءلت في تصريحات صحفية: ماذا لو لم يحقق المشروع الإيرادات المرجوة، من الضامن هنا؟ وهل يحق للمكتتبين في السندات -حال تعثر الجهة في سداد مستحقاتهم- الحجز، مثلا، على المرفق؟ كلها أسئلة يجب أن يتم معالجة الإجابات عنها والانتباه لها.

المواطن يدفع ضرائب مقابل توفير بعض الخدمات كالطرق والمواصلات (مواقع التواصل)

رفع جودة لا سعر خدمة

كانت الحكومة تقدمت بمشروع قانون للبرلمان نهاية عام 2019، لم يبت فيه حتى الآن، يتعلق بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة، الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2010.

وفي مارس/آذار الماضي، نفت الحكومة ما تردد من أنباء بشأن خصخصة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين في قطاعات الصحة والتعليم والنقل بموجب قانون "تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة".

وشددت الحكومة على استمرار ملكية الدولة لتلك القطاعات دون أي نية لخصخصتها، مع التزامها بتقديم كافة الخدمات للمواطنين بشكل طبيعي ومنتظم، لافتة إلى أن القانون يستهدف إشراك القطاع الخاص لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ورفع الأعباء المالية عن كاهل الدولة لتحقيق التنمية الشاملة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سُحبت رخص عشرات الشاحنات التابعة لشركة جهينة للصناعات الغذائية في مصر، في إجراء غير مسبوق، بعد شهور من القبض على رئيس مجلس إداراتها، صفوان ثابت، ثم الرئيس التنفيذي؛ بعدة تهم منها “تمويل الإرهاب”.

6/5/2021
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة