سعر الليرة بين البنوك والسوق السوداء.. تخبط يفاقم معاناة الشعب اللبناني

اللبنانيون مُنعوا من سحب الدولارات المودعة قبل الأزمة الاقتصادية وسُمح لهم فقط بسحب الليرة اللبنانية (غيتي)
اللبنانيون مُنعوا من سحب الدولارات المودعة قبل الأزمة الاقتصادية وسُمح لهم فقط بسحب الليرة اللبنانية (غيتي)

ظلت قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار ثابتة منذ 1997 إلى غاية أكتوبر/تشرين الأول 2019؛ أي 1507.5 ليرات مقابل الدولار الواحد؛ لكن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية قبل عام ونصف العام، فقدت العملة قيمتها بشكل متسارع، وخسرت ما بين 80% إلى 90% من سعرها مقارنة بالدولار.

في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" (foreign policy) الأميركية، تقول الكاتبة أنشال فوهرا إن المواطن اللبناني أصبح يعيش واقعا مريرا بسبب انهيار سعر الليرة مقابل الدولار، ويدفع ثمن أزمة ناجمة عن عدم كفاءة النخبة السياسية والمالية والفساد المستشري في مفاصل الدولة.

ويقول عدد من الخبراء إن مدخرات اللبنانيين يتم استغلالها لتقليل خسائر المصارف، والحفاظ على امتيازات النخبة وقدرتها على الوصول إلى السيولة؛ أي ببساطة إنقاذ الأغنياء على حساب المواطن العادي.

وتجنبا لحالة الاندفاع الجماعي نحو البنوك لسحب الدولار، مُنع اللبنانيون من سحب الدولارات المودعة قبل الأزمة الاقتصادية، وسُمح لهم فقط بسحب الليرة اللبنانية؛ لكن بأسعار أقل من السوق.

سمح البنك المركزي بسحب الأموال لكن بسعر 3900 ليرة للدولار، حتى مع ارتفاع سعر الصرف في السوق، حيث وصل إلى 15 ألف ليرة للدولار خلال الشهر الماضي، وقد استقر السعر بين 11 ألفا و11500 ليرة للدولار حتى الأسبوع الماضي، بينما حدد البنك المركزي سعر صرف جديد في البنوك قدره 6240 ليرة لبنانية مقابل الدولار.

ووفق الكاتبة، فإن ارتباط الليرة بالدولار الأميركي كان اختيارا محفوفا بالمخاطر منذ البداية؛ لأن لبنان يستورد معظم احتياجاته من الخارج، ولا يصدر إلا القليل من المنتجات.

ومع تصاعد ديون الحكومة والبنك المركزي في عام 2019، بدأ المودعون يفقدون الثقة، وتراجعت ودائع المغتربين الذين كانت تحويلاتهم المالية المصدر الرئيس للعملات الأجنبية، وبدأ اللبنانيون يخرجون إلى الشوارع احتجاجا على الوضع الاقتصادي المتردي.

كبار المودعين تمكنوا من تحويل أموالهم إلى بنوك سويسرا وفرنسا، أما صغارهم فقد تم تجميد حساباتهم (رويترز)

الفقراء يدفعون الفاتورة

ومع بداية الانهيار، تمكن كبار المودعين -في غياب آليات قانونية رادعة- من تحويل أموالهم إلى بنوك سويسرا وفرنسا، أما صغار المودعين فقد تم تجميد حساباتهم، أو اضطروا إلى سحب أموالهم بخسائر كبيرة.

وفي هذا الشأن، اعترف مصرفي كبير لـ"فورين بوليسي" بشرط عدم الكشف عن هويته، أن الأثرياء استخدموا علاقاتهم السياسية لتحويل أموالهم إلى الخارج، وأضاف أن البنوك فرضت قيودا صارمة على رأس المال بهدف وقف الانهيار المالي، ومع ذلك فقد ضغطت النخبة السياسية والأثرياء على البنوك لتحويل الأموال إلى الخارج.

وأكد محمد، وهو صيرفي لبناني يعمل في العاصمة (بيروت)، أن أسعار الصرف الزئبقية تثقل كاهل المستهلك العادي، وترقى إلى ما يُمكن اعتباره سرقة غير مباشرة. ويقوم محمد بإرسال رسائل لأولئك الذين يخبئون دولاراتهم، ويتجول في شوارع بيروت على دراجته النارية، وفي حقيبته مبالغ كبيرة بالليرة اللبنانية، ليقدم خدمة التوصيل النقدي.

يتقاضى محمد عمولة قليلة عن كل عملية صرف، ويسلم الدولارات إلى صاحب أحد محلات السوبر الماركت، والذي يحولها إلى الموردين في الخارج لاستيراد البضائع، لاحقا، يبيع السوبر ماركت سلعه المستوردة للمستهلكين بأسعار مرتفعة، رغم أنهم يسحبون أموالهم من البنوك بقيمة 3900 ليرة مقابل الدولار.

ويقول نزار غانم، وهو خبير اقتصادي لبناني ومدير مؤسسة "تراينغل" (Triangle) البحثية، إن تكلفة الأزمة المالية يتم إلقاؤها عمدا على الفئات الضعيفة، مضيفا أن البنك المركزي يتعمد السماح ببيع الدولار بأسعار صرف متعددة.

من جانبه، يرى خالد زيدان، رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد الوطني، أن البنوك أصبحت هدفا للمتظاهرين؛ لكنها تعاني من الخسائر هي أيضا، وأضاف أن البنوك بشكل عام من أكبر الخاسرين خلال الأزمة الحالية، نظرا لأن رؤوس أموالها بالليرة اللبنانية، وبالتالي انخفضت قيمتها بشكل كبير؛ لكن زيدان يعترف أن سعر الصرف الحالي -أي 3900 ليرة للدولار- يسمح للبنوك بتقليص خسائرها.

وعلى الرغم من الاحتجاجات الشعبية وانهيار الاقتصاد وانفجار مرفأ بيروت، لم يطرأ أي تغيير جوهري على سياسات الطبقة الحاكمة، حيث فشلت الحكومة حتى الآن في تقديم خطة مالية ونقدية متماسكة لإخراج الاقتصاد من أزمته، ولم يتم تنفيذ الإصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي من أجل تقديم قرض يساعد على إنعاش الاقتصاد اللبناني.

في ظل انهيار سعر الليرة، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 400% (الفرنسية)

مأزق للمجتمع الدولي

ووفق الكاتبة، فإن المجتمع الدولي أصبح في مأزق حقيقي، إذ لا يمكنه تقديم مساعدات وقروض للحكومة بدون إجراء الإصلاحات المطلوبة؛ لكنه لا يستطيع في الوقت ذاته أن يقف مكتوف الأيدي، ويترك الشعب اللبناني يعاني ويلات الفقر والانهيار الاقتصادي.

ووفقا لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 55% من اللبنانيين أصبحوا يعانون من الفقر، ويكافحون لتأمين السلع الضرورية في 2020، مقارنة بـ28% في عام 2019.

ومن أجل حل هذه المعضلة، قرر البنك الدولي تقديم 246 مليون دولار كمساعدات للفئات الأشد فقرا في لبنان؛ لكن قرار البنك المركزي تحديد سعر صرف تلك المساعدات بـ6240 ليرة للدولار؛ أي نصف سعر السوق، أثار موجة غضب عارمة.

وقد برر البنك المركزي اللبناني تلك الخطوة برغبته في استغلال جزء من المساعدات لدعم أسعار الطحين والوقود والأدوية؛ لكن الكثير من النشطاء يرون أن الدعم أصبح مجرد أداة تستخدمها الطبقة الحاكمة الفاسدة للسيطرة على الشارع وامتصاص غضب اللبنانيين، كما يتم استغلاله أيضا لدعم الحلفاء الإقليميين.

ويقول الناشط المستقل، سامي نادر، إن دعم الوقود يتم استغلاله لتهريب الوقود إلى سوريا ودعم نظام الرئيس بشار الأسد، مضيفا أن الإعانات لا تُستغل في مساعدة الفقراء؛ بل تخدم التجار والمهربين الذين يهربون الوقود إلى سوريا، وبالطبع القوى التي تحميهم؛ لذلك فإن أفضل طريقة لدعم الفقراء في جميع أنحاء العالم هي التحويل النقدي المباشر.

وفي ظل انهيار سعر الليرة، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 400%، وتضاعف سعر الخبز والخضروات، وأدى ذلك إلى تفاقم الانقسام الطائفي في البلاد وتعميق الخلافات والأزمات بين اللبنانيين واللاجئين السوريين، وفقا للكاتبة.

كما أثّرت جائحة كورونا بشكل حاد على القطاع السياحي، الذي كان قبل انتشار الوباء أحد القطاعات القليلة التي حافظت على توازنها رغم تراجع الاقتصاد اللبناني ككل.

وفي ظل هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه معظم اللبنانيين، ولم تنج منه إلا الفئة الأشد ثراء، ما زالت الأحزاب السياسية تتصارع بشأن المناصب الوزارية، مما أخر تشكيل حكومة جديدة، وهذا يعني -وفق الكاتبة- أنه لا أحد لديه السلطة لتنفيذ الإصلاحات التي تحتاجها البلاد ووضع حد لمأساة الشعب اللبناني.

المصدر : فورين بوليسي

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة