مع اقتراب رفع الدعم.. ما العوائق أمام البطاقة التمويلية لمساندة العائلات الفقيرة بلبنان؟

مشروع البطاقة التمويلية لدعم العائلات الأقل فرصا في لبنان تقوم عليه لجنة حكومية ومن المنتظر أن تحيله إلى البرلمان لدراسته وإقراره.

رفع الدعم عن السلع الأساسية الذي توفره الحكومة عبر مصرف لبنان المركزي صار خيارا لا مفر منه (الجزيرة)
رفع الدعم عن السلع الأساسية الذي توفره الحكومة عبر مصرف لبنان المركزي صار خيارا لا مفر منه (الجزيرة)

تواصل عجلة الانهيار دورانها، بعد أن أصبح نحو نصف سكان لبنان فقراء، وتعيش فئة واسعة منهم فقرا مدقعا، وفق التقديرات، بسبب حاجتها لمساعدات عاجلة تمنع حرمانها من أدنى مقومات العيش بكرامة.

ولأن رفع الدعم عن السلع الأساسية الذي توفره الحكومة عبر مصرف لبنان المركزي صار خيارا لا مفر منه؛ يطرح كثيرون التساؤولات، بعد أن ربطه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بتطبيق فعلي لـ"البطاقة التمويلية"، دعما للعائلات الأقل فرصا، وهي مشروع تحضره لجنة حكومية، ومن المنتظر أن تحيله إلى البرلمان لدراسته وإقراره.

صندوق أسود

منذ أشهر، تتردد أنباء تفيد عجز المركزي عن الاستمرار بدعم أسعار المواد الأساسية المستوردة؛ نتيجة استنفاد ما بقي لديه من احتياطي بالدولار القابل للاستعمال، بينما تتصاعد التحذيرات من خطر المساس بالاحتياطي الإلزامي لديه.

وتبلغ نسبة الاحتياطي الإلزامي لدى المركزي 15% من مجمل الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف، أي نحو 17 مليار دولار من أصل 115 مليار دولار، وسابقا طالب البعض أن يخفّض المركزي هذا الاحتياطي لنحو 10 أو 12%، فبرزت إشكالية أخرى أن الأموال المحررة منه يجب أن تعود للمصارف وليس للدعم؛ لكن يرى مراقبون أن المركزي صار أشبه بصندوق أسود، يجهل اللبنانيون ما لديه وما عليه.

ويرفض مدير القطع ومسؤول الدعم لدى مصرف لبنان نعمان ندور الكشف عما بقي لدى المركزي من احتياطي الدولار، لافتا أنه استنزف لمستوى يمنع المضي بآلية الدعم نفسها، لأنها جريمة بحق الودائع، ويستفيد منه المهربون والتجار فقط، بينما المركزي لا يستطيع ضبط الأسعار أو الحدود، على حد تعبيره.

ويعطي ندور مثالا عن اللحوم التي بدأت تشح من الأسواق أو تعرض بأسعار باهظة، ليس لأن المركزي لا يدعمها، بل لأن المواشي المدعومة يجري تهريبها إما برا أو جوا.

ويُذكِّر ندور أن المركزي يدعم المحروقات والقمح والأدوية والمستلزمات الطبية والسلة الغذائية، وبلغت كلفة الدعم في 2020 أكثر من 6 مليارات دولار، أي بحدود 500 مليون دولار شهريا.

وقال للجزيرة نت وصلنا لمرحلة مقلقة، واحتياطي المركزي صار قريبا من الاحتياطي الإلزامي، ولا بد للحكومة أن تتخذ قرارا بوقف الدعم.

ومنذ خريف 2019، تشهد الليرة انهيارا دراماتيكيا أمام الدولار، فخسرت أكثر من 85% من قيمتها، وتعددت أسعار صرف الدولار بين الرسمي (1507) وسعر المنصة لدى المصارف (3900) وسعر السوق السوداء الذي يتحكم بالقيمة الفعلية لليرة، ويبلغ حاليا نحو 12500 ليرة.

وهنا، يلفت محمد فحيلي خبير المخاطر المصرفية أن المركزي منذ منتصف 2020 صار غير قادر على الاستمرار بالدعم، ويستنفد ما لديه من دولارات، فبدأت تشهد الأسواق تلاعبا كبيرا بالسلع المدعومة وشحها وفوضى بآلية تسعيرها، نتيجة الرفع التدريجي للدعم عنها، وفق فحيلي.

وقال فحيلي للجزيرة نت إن مصرف لبنان موّل فساد السلطة السياسية على مدار عقود، ويعمل اليوم على انقاذ فشلها بشتى الطرق.

مصرف لبنان المركزي منذ منتصف 2020 أصبح غير قادر على الاستمرار بالدعم (رويترز)

البطاقة التمويلية

في مطلع أبريل/نيسان الجاري، قال وزير المالية اللبناني غازي وزني إن مخصصات تمويل الواردات من السلع الأساسية سينفد بحلول نهاية مايو/أيار المقبل، وفي منتصف الشهر عينه طالب المركزي حكومة تصريف الأعمال بوضع خطة سريعة لدعم السلع، لحماية ما بقي من احتياطيات النقد الأجنبي للبلاد.

ورغم ضيق الوقت، ما زالت تعمل لجنة في حكومة تصريف الأعمال على وضع خطتها لـ"البطاقة التمويلية" التي من المفترض أن تغطي نحو 750 ألف عائلة، بمبلغ شهري بالليرة اللبنانية.

ولعل الإشكالية التي تعيق إقرار البطاقة تكمن بكيفية تمويلها، بعد أن ربط المجتمع الدولي والدول العربية أي مساعدة مالية للبنان بتشكيل حكومة إنقاذية وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

ويوضح خضر طالب، مستشار رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، أن مشروع البطاقة يستند لدراسات الحكومة والبنك الدولي، وتظهر أن عدد العائلات الفقيرة بلغ قرابة مليون و100 ألف، ومن بينهم قرابة 70% تحت خط الفقر، لذا يشمل مشروع "البطاقة التمويلية" حوالي 750 ألف عائلة.

ويوجد في لبنان 3 برامج رسيمة تدعم العائلات: الأول عن طريق الجيش اللبناني، تستفيد منه نحو 300 ألف عائلة وتحصل شهريا على 400 ألف ليرة (توازي نحو 31 دولار بالسوق السوداء)، أما الثاني فعن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية، وتستفيد منه نحو 50 ألف عائلة، بمساعدة تصل إلى 800 ألف ليرة، والثالث هو برنامج مشروع القرض الميسر من البنك الدولي وقيمته 246 مليون دولار، ويشرف على إعداد بطاقة تستهدف الوصول إلى أكثر من 160 ألف عائلة فقيرة (أي نحو 800 ألف شخص)، بمساعدة تصل إلى حدود 800 ألف ليرة شهريا (نحو 65 دولار)، وفق طالب.

ويشير طالب للجزيرة نت، إلى أن مشروع "البطاقة التمويلية" يشمل حاجة العائلات بالسلع الأساسية، وستوفر 800 ألف ليرة (نحو 64 دولار) لعائلة مؤلفة من 3 أشخاص، على أن تزيد 200 ألف، مع كل فرد إضافي حتى 4 أولاد مع الأم والأب.

وأوضح أنه سيتم توحيد المعايير في البرامج الثلاثة، مقابل إنهاء برنامج المساعدة الحكومية التي يتولى توزيعها الجيش، وستغطي "البطاقة التمويلية" فارق المساعدة في برنامجي قرض البنك الدولي ووزارة الشؤون الاجتماعية.

مخاطر طبع الليرة

وقال طالب إن "البطاقة التمويلية" ستخفف عن المواطنين وطأة رفع الدعم، وتشمل الموظفين في القطاعين العام والخاص، وأضاف كما "نعمل على تأمين مواردها من الجهات المانحة الخارجية أو البنك الدولي أو من مالية الدولة"، إلى جانب سعي الحكومة لتوحيد داتا العائلات اللبنانية.

وهنا، يلفت رئيس لجنة الاقتصاد البرلمانية النائب فريد البستاني أن مجلس النواب برئاسة نبيه بري ينتظر وصول مشروع البطاقة التمويلية للعمل عليه، وقد تبصر النور آخر شهر مايو/أيار المقبل.

لكن المقلق -وفق حديث النائب للجزيرة نت- أن مصدر تمويل البطاقة ليس واضحا، وقد يكون الخيار باللجوء إلى طباعة الليرة، لأنه لا بديل عن البطاقة لتقديم المساعدات النقدية المباشرة، توفيرا لشبكة الأمان الاجتماعية.

سعر السوق السوداء الذي يتحكم بالقيمة الفعلية لليرة يبلغ حاليا نحو 12500 ليرة للدولار مقارنة بسعر الصرف الرسمي البالغ 1507 ليرات للدولار (رويترز)

التباسات وعوائق

ويبدو أن اللجوء لطبع أوراق الليرة سيتسبب بمزيد من التضخم، وفق ما يشير إليه الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، ويجد أن مشروع البطاقة التمويلية ما زال بإطار الأفكار فحسب.

ويعتبر أبو سليمان أن عمق الأزمة الاقتصادية يرتبط بضبابية المركزي، وتضارب الأرقام حول ما لديه من احتياطي الدولار.

وتشوب "البطاقة التمويلية" التباسات وعوائق، ويذكر الخبير الاقتصادي أبو سليمان بعضها للجزيرة نت:

أولا، على مستوى الشفافية، قد تتحول البطاقة إلى مصدر للزبائنية السياسية، إذا سعت بعض أحزاب السلطة توفيرها لأنصارها لتكرّس نفوذها، تحضيرا للانتخابات البرلمانية 2022، خصوصا أن بعض الأحزاب لجأت لمفهوم الأمن الذاتي بعيدا عن الدولة.

ثانيا، عجز السلطات اللبنانية عن توحيد داتا العائلات يؤدي إلى غياب العدالة في آلية توزيع البطاقة.

ثالثا، الرهان على نجاح البطاقة ضعيف، لأنها لن تكون حلا لأزمة استيراد السلع الأساسية بعد رفع الدعم.

رابعا، مالية الدولة شبه مفلسة، وطبع الليرة سيزيد الكتلة النقدية، ويؤدي إلى استمرار تدهور قيمتها أمام الدولار، وبالتالي ارتفاع الأسعار مجددا من دون سقف، ما يُفقد قيمة البطاقة التمويلية التي تغطي أقل من 15% من الخسائر التي منيت بها القدرة الشرائية في بلد يستورد أكثر من 80% من حاجاته بالدولار.

خامسا، أي مشروع لمساندة اللبنانيين لن ينجح عبر حكومة تصريف أعمال غير قادرة على الاجتماع، ومن دون مساندة دولية، خصوصا أن ربط المساعدات بالإصلاحات يتطلب إبرام اتفاق بين الحكومة الجديدة وصندوق النقد الدولي.

سادسا، البطاقة التمويلية لن تؤمن الاكتفاء الذاتي للمستفيدين منها، بظل تدهور الليرة وتفلت الأسواق؛ لذا، ستشكل هروبا إلى الأمام لتأجيل الانفجار الشعبي، أو سعيا لتكيف اللبنانيين مع أزمتهم التاريخية؛ بعد أن "صارت البلاد تدور بحلقة مفرغة من الاستعصاء، تنذر بصعوبة الأشهر المقبلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة