شركات ألمانية تدخل لبنان على خط إعمار المرفأ.. حوافز استثمارية أو رسائل سياسية من أوروبا؟

مشروع إعادة إعمار مرفأ بيروت تبلغ قيمته 7.2 مليارات دولار

المشروع الألماني لمرفأ بيروت يؤمن 30 مليار دولار من القيمة الربحية غير المباشرة لنحو 25 عاما (رويترز)
المشروع الألماني لمرفأ بيروت يؤمن 30 مليار دولار من القيمة الربحية غير المباشرة لنحو 25 عاما (رويترز)

بعد مضي أكثر من 8 أشهر على الانفجار التاريخي لمرفأ بيروت، أعلنت شركات ألمانية خاصة (غير حكومية) مشروعا لإعادة إعمار المرفأ ومحيطه، تقدّر كلفته بـ7.2 مليارات دولار، ويؤمن 30 مليار دولار من القيمة الربحية غير المباشرة لنحو 25 عاما، مقابل توفير 50 ألف وظيفة، ويفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية بمليارات الدولارات.

هذه الأرقام وغيرها عُرضت نظريا ضمن خطة المشروع، وكانت موقعة بأسماء 3 شركات هي "كوليير" (Colliers)، و"هامبورغ بورت" (Hamburg port consulting)، وفرونهوفر (Fraunhofer)، قدمت خرائطها البيانية ورسوما توضح كيفية إعمار المرفأ، عبر تطوير وتأهيل المناطق التي لحق بها ضرر بليغ، وتحديدا في "مار مخايل"، على أن يشمل المشروع حدائق عامة وشواطئ للسباحة فضلا عن أبنية سكنية وسياحية مع إعادة ترميم الأحياء التراثية التي تضررت جراء الانفجار.

وأعلن مجلس الأعمال اللبناني الألماني (LGBC) تفاصيل الخطة، بمؤتمر صحفي، الجمعة 9 أبريل/نيسان، فعرض الوفد الألماني "المشروع الأوروبي لإنعاش مرفأ بيروت والمنطقة"، وكان بحضور سفير ألمانيا لدى لبنان، أندرياس كيندل، الذي رأى أن لا حاجة إلى دعم مالي في المرحلة الأولى، فالمشروع يتطلب الموافقة أولا من الحكومة اللبنانية ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية التطبيقية؛ مشددًا على ضرورة التوافق السياسي والقيام بالإصلاحات المطلوبة كمعبر إلزامي للحصول على الدعم الدولي.

وكان وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال، ميشال نجار، أشار إلى أن الدولة عبر المشروع المقدم لن تتكلف مبالغ مالية لإعادة الإعمار، وأن عقد الاستثمار يراوح بين 50 و99 عاما، وسيبدأ المشروع بمساحة نحو مليون و300 ألف متر مربع، لكن الحكومة الحالية في مرحلة تصريف أعمال، ولا تملك صلاحيات قبول العرض أو رفضه، وهذه القرارات ستكون من صلاحيات الحكومة الجديدة.

بالمقابل، دفع مشروع الشركات الخاصة بعض المراقبين إلى طرح تساؤلات عن خلفياته ودوافعه، خصوصا بعد أن نفى السفير الألماني تبنّيه رسميا من قبل حكومة بلاده؛ ولأن طرحه تزامن مع تصعيد فرنسي ضد معرقلي تشكيل الحكومة، والتلويح بفرض عقوبات فرنسية/أوروبية على بعض القوى اللبنانية، بعد أن بلغت مبادرة باريس أفقا مسدودا، وتساءلوا عما إذا كان ثمة ترابط بين خطوات دول الاتحاد الأوروبي نحو لبنان.

هناك سباق أوروبي لتعويم الوضع اللبناني وتحسين إدارة الانهيار (رويترز)

 

الخطوات الأوروبية نحو لبنان

ينطلق الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان من التقدم الألماني في لبنان، الذي بدا ملحوظا في الأشهر الأخيرة عبر حركة سفيرها ومواقفه حيال القضايا الداخلية، ويرى فيه محاولة للتقدم على الدور الفرنسي، وإن أخذ بالشكل طابعا تكامليا وتنسيقيا، لأن لبرلين -التي تشكل وزنا ثقيلا بالاتحاد الأوروبي- أهدافا استثمارية في شرق المتوسط، وعينها على الغاز والنفط أيضا.

ولولا الضوء الأخضر الرسمي من ألمانيا لما جاءت الشركات الخاصة إلى بيروت لعرض مقترح إعمار المرفأ، رغم أنه نظري ولم يتبلور بعد بخطة تنفيذية واضحة، وفق حديث أبو سليمان للجزيرة نت.

وهنا، يشير أحد الخبراء المطلعين على مضمون الخطة الألمانية -للجزيرة نت- إلى ضرورة التنبه إلى أن الشركات الثلاث التي عرضت خرائطها، هي شركات استشارية وبحثية فقط، وليست ممولة، ولا جهات استثمارية مثل شركات إدارة الموانئ؛ فهي لم تعرض تصورا واضحا عن الجهات المحتملة لتقديم التمويل اللازم، ومن ثم بدا الحديث عن المليارات أسهل من التطرق إلى كيفية ضخها، وذلك يفقد المشروع بعضا من جدّيته على المدى البعيد.

الدوافع

ويُرجح الخبير احتمالين: إما أن هذه الشركات تريد ترويج الدعاية لخدماتها الاستشارية من ملف دسم كانفجار مرفأ بيروت، وإما هناك دوافع سياسية، وتريد الشركات وضع موطئ قدم لها مستقبلًا في حال طُرح مشروع جدّي لإعمار المرفأ وتطويره.

وكان مرفأ بيروت قد شهد في 4 أغسطس/آب 2020 انفجارا هائلا لمئات أطنان نترات الأمونيوم، أسقط أكثر من 200 قتيل و6 آلاف جريح، وشرّد نحو 100 ألف أسرة، وخلّف أضرارا مادية تجاوزت تقديراتها 5 مليارات دولار.

لذا، يرى وليد أبو سليمان أن كلفة مشروع الشركات الألمانية، المقدرة بـ7.2 مليارات دولار، يمكن أن تغطي عمليا خسائر انفجار المرفأ، لكنه في المقابل يقيمه ببعض الملاحظات:

أولا، وانطلاقا مما قاله مسؤول شركة "كوليير"، هيرمان شنيل، إن المشروع سيوفر شققا عائلية بأسعار مقبولة، يلفت الخبير إلى أن السوق العقارية بلبنان تشهد ركودا غير مسبوق، ويستغرب توقع المشروع أن يدر نحو 2.5 مليار دولار من بيع الوحدات السكنية، وأن يقدر المتر الواحد (وفق المشروع) بـ3500 دولار، في حين يعاني اللبنانيون من أزمة شح الدولار، وأكثر من 85% من الشعب مدخولهم فقط بالليرة اللبنانية.

ثانيا، تطرق المشروع إلى تأهيل البنى التحتية ببيروت، وإلى تكبير المرفأ وربطه ببقية المناطق عن طريق سكة حديد تمتد منه نحو الشمال، ونحو الجنوب، علما أن معظم أفكاره مطروحة بمؤتمر "سيدر" لدعم الاقتصاد اللبناني في باريس (2018)، وهي أيضا تنتظر تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من لبنان.

ثالثا، مفتاح أي مشروع نظري أو تطبيقي هو لدى صندوق النقد الدولي الذي يفرض على لبنان شروطا صارمة قبل فتح مسارات الاستثمار والنهوض.

وعليه، يرى أبو سليمان أن مشروع الشركات الألمانية مبهم، ويحتاج إلى توضيحات كثيرة، خصوصا مسألة ما إذا كان تنفيذه مقرونا ببيع الدولة اللبنانية أجزاء من أصولها، ويشكك بقدرته الفعلية على خلق 50 ألف وظيفة دائمة.

مسؤول شركة "كوليير" هيرمان شنيل قال إن المشروع سيوفر شققا عائلية بأسعار مقبولة (موقع كوليير)

العصا والجزرة

وفي سياق متصل، يعود زياد الصائغ، الخبير في السياسات العامة، إلى 10 سنوات خلت، حين بدأت ألمانيا تحذو حذو دول الاتحاد الأوروبي، على مستوى شراكة القطاع الخاص بشكل بنيوي في سياساتها الاقتصادية الخارجية، تخطيطا وتحويلا، وهو ما سيكون مؤسسا لأي مسار تعاوني مع لبنان.

لكن الصائغ يجد بطرح الشركات الخاصة الألمانية رسالة ألمانية-أوروبية استثمارية، توازيا مع الخطوات الفرنسية-الأوروبية السياسية، وأن هذا الطرح يأخذ أبعادا جيوسياسية، في رسالة مفادها أن لبنان ما زال قبلة أنظار المجتمع الدولي والاستثمارات الإنقاذية والتطويرية جاهزة وتنتظر سقوط المنظومة الحالية وتثبيت حكومة الإصلاحات والشفافية، كما أن الإشارة إلى خلق 50 ألف فرصة عمل تعكس إصرارا على حماية النسيج المجتمعي اللبناني، وفق حديثه للجزيرة نت.

ويتطرق خبير السياسات العامة إلى العقبات المرحلية أمام المشروع الألماني، وأولها أن المنظومة في تحالف بين الفساد وانتهاك السيادة، وثانيها استمرار تعطيل مؤسسات الدولة، وثالثها إصرار بعضهم على تدمير القطاع الخاص، ورابعها الانقضاض على أي مشروع يعجل بتهاوي المنظومة.

وجميع هذه العقبات لن تزول -وفق الصائغ- من دون إعادة تكوين السلطة وتحقيق حكم بديل ليس فقط عن طريق البرلمان، بل عن طريق السلطات المحلية، أي البلديات واتحاداتها، والنقابات وجميع المنظمات التمثيلية، في حين إن إعادة إعمار المرفأ باتت تتعلق بهوية لبنان الجديد، أكثر منها بوظيفة تقنية بحتة.

ويرى مراقبون أن دول الاتحاد الأوروبي، وفي طليعتها فرنسا وألمانيا، تعتمد حيال لبنان سياسة العصا والجزرة، عبر التحذير من العقوبات تماهيا مع سياسية الإدارة الأميركية تارة، وعرض المشروعات الاستثمارية طورا آخر.

وهذه النظرية لا يوافق عليها الصائغ، من منطلق أن التعاون الغربي-الأوروبي رفع مع الفاتيكان والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الأزمة في لبنان إلى مستواها الهوياتي الحضاري.

لكن مهند الحاج علي، الكاتب والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يرى أن منطق العصا والجزرة معتمد تجاه لبنان، من ناحية تقديم مشروعات من الشركات الألمانية، من دون أن تكتمل عناصرها، عبر الدعوة للشراكة مع القطاع الخاص، في حين أن جميع العروض والتهديدات تهدف إلى الإسراع بتشكيل الحكومة التي تنتظر أيضا نضوج التسويات، إقليميا ودوليا.

سباق أوروبي

ويرى الحاج علي أن ثمة تسابقا فرنسيا-ألمانيا بهذين المسارين، ونافذة الوقت ضيقة، لأن مجرد لجوء الاتحاد الأوروبي إلى خطوة العقوبات قد يطيح أي خطوة استثمارية إيجابية في لبنان.

ويرجح الباحث وجود تنسيق أوروبي بمختلف التوجهات، لأن لدى دوله مصلحة مشتركة، وهي ألا يصبح لبنان "سوريا الثانية" على حوض المتوسط، خوفا من تحويله إلى مصدر للاجئين.

وقال للجزيرة نت إن هناك سباقا أوروبيا لتعويم الوضع اللبناني، وتحسين إدارة الانهيار، في حين أن القوى السياسية تنظر إلى أي خطوة أوروبية من زاوية مصالحها المادية الضيقة، وتضع عقبات سياسية أمام كل مشروع يقضم من نفوذها، مُذكرا أن مؤتمر سيدر كان دافعا للنزاع على وزارة البيئة مثلا، لأنه قدم حينئذ مشروعًا لمعالجة أزمة النفايات.

ويستبعد الباحث أن يكون إعمار المرفأ محطة أساسية لدى الاتحاد الأوروبي، والأولوية تقديم مغريات وتحذيرات سياسية كافية لولادة الحكومة بعد شهور من التعثر، تفاديا لتفكك لبنان وسقوطه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة