انهيار الإنتاج والأسواق الخارجية.. وباء كورونا يتسبب في تعطل قاطرة صناعة السيارات الفرنسية

أزمة كورونا تسببت في حالة شلل قاتلة لصناعة السيارات في فرنسا (غيتي)
أزمة كورونا تسببت في حالة شلل قاتلة لصناعة السيارات في فرنسا (غيتي)

تسببت جائحة كورونا في انهيار سوق السيارات الفرنسية بنسبة 25.5% سنة 2020 وفقا للأرقام الرسمية التي قدمتها لجنة مصنعي السيارات الفرنسيين، التي أضافت أنه تم طرح حوالي 1.65 مليون سيارة جديدة في السوق العام الماضي، مقابل 2.2 مليون عام 2019.

وقال مدير الاتصالات في اللجنة فرانسوا رودييه في تصريحات إعلامية سابقة "إنه حتى خلال أزمتي التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي، لم نتراجع عن 1.7 مليون سيارة".

وحافظت الشركات المصنعة الفرنسية "بي إس آ" (PSA) المصنعة لـ " بيجو"(Peugeot) وسيتروين (Citroen) وأوبل (Opel) ورينو (Renault)- على أداء أفضل نسبيا، لكن عمليات التسليم خفضت بنسبة 25% و24.9% على التوالي مقارنة بالعام 2019، في حين أن الشركات الأجنبية شهدت تراجعا في عملياتها بنسبة 26%، وفق الإحصائيات نفسها التي قدمتها لجنة مصنعي السيارات الفرنسيين.

وكان القطاع ضحية توقف الامتيازات والمصانع خلال الإغلاق الأول الذي فرض لمكافحة انتشار وباء كورونا، إضافة لحالة عدم اليقين التي جعلت المستهلكين في موقف ترقب في خضم أزمة اقتصادية خطيرة.

شلل قاتل

في تغريدة سابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال "تسببت الأزمة الصحية في حالة شلل قاتلة لصناعة السيارات في فرنسا حيث يعتبر القطاع جزءا من اقتصادنا والذي يوظف آلاف العاملين، سيكون دعمنا هذه المرة مكثفا بشكل معتبر".

وعن آخر الاحصائيات، قالت لور دي سيرفيني مسؤولة العلاقات العامة في لجنة مصنعي السيارات الفرنسية" (CCFA)، للجزيرة نت " تساهم صناعة السيارات بنسبة 8.4% من القيمة المضافة للصناعة التحويلية الفرنسية ككل، لذلك فهي تعد أحد المساهمين الرئيسيين في الإنتاج الصناعي، حيث تشغل بصفة مباشرة 470 ألف عامل، ويرتفع الرقم إلى مليونين و216 ألف عامل بإضافة العاملين في المهن المرتبطة مباشرة بقطاع صناعة السيارات، وبذلك يمثل هذا الرقم 8% من نسبة السكان العاملين في البلاد".

وعن نسبة مساهمة قطاع السيارات في الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، أكد جون ماري روبار السكرتير الوطني للاتحاد العام للمناجم والمعادن، والاتحاد الفرنسي الديمقراطي للعمل (CFDT)، أن صناعة السيارات فقدت نصف قوتها العاملة منذ سنة 1980، وتمثل اليوم 10.3% فقط من إجمالي الوظائف.

وعن عدد السيارات التي تم تصنيعها سنة 2020 ونسبتها مقارنة بالسنوات السابقة، تابع روبار أنه في الفترة المتراوحة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2020، تم إنتاج ما يزيد قليلا على 600 ألف سيارة، مقارنة بأكثر من 1.2 مليون خلال نفس الفترة من عام 2019، أي بانخفاض يقارب 50%.

صناعة السيارات في فرنسا فقدت نصف قوتها العاملة منذ سنة 1980 وتمثل اليوم 10.3% فقط من إجمالي الوظائف (رويترز)

فرنسا تتراجع أوروبيا

تتداخل في قطاع إنتاج السيارات عدة صناعات ومهن وأنشطة وخدمات رديفة ومرتبطة بشكل أو بآخر بهذه الصناعة، ويقول روبار للجزيرة نت: يعمل في هذا القطاع 109 ألفا و355 شركة، توظف 405 آلاف و127 عاملا، للعناية بجميع الخدمات الرديفة التي تتطلبها 38 مليون سيارة تتم صيانتها.

ويتابع "لم تعد فرنسا الدولة الثالثة في العالم من حيث إنتاج السيارات، وذلك لعدة أسباب، فمثلا تسبب إطلاق رينو كليو Clio وبيجو 208 وبيجو 2008 خارج فرنسا في خسارة كبيرة، وفقدت البلاد أيضا مكانتها على منصة التتويج الأوروبية، بل وتراجعت إلى المركز الخامس، خلف جمهورية التشيك (تم إنتاج 808 ألف سيارة) وسلوفاكيا (631 ألفا) وهي بعيدة جدا عن ألمانيا التي أنتجت ما يقرب من 2.4 ألف سيارة بين يناير/ كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2020، ولا تزال إسبانيا في المرتبة الثانية بإنتاج 2.1 مليون سيارة".

ويؤكد روبار أن الجائحة أثرت على صناعة السيارات في كل العالم، حيث انخفضت التسجيلات والطلبات العالمية بنحو 15% عام 2020، وتأثرت أوروبا بشكل خاص، مع انخفاض بنسبة 24%. أما فرنسا فانخفضت فيها نسبة الطلبات إلى 25%، في حين تصل النسبة في الولايات المتحدة إلى 15%، مقابل ارتفاع الطلبات والمبيعات في الصين منذ أبريل/نيسان، لتحد من نسبة الانهيار إلى 5%.

تراجع القدرة التنافسية

لو دي سيرفيني مسؤولة العلاقات العامة في لجنة مصنعي السيارات الفرنسية، قالت للجزيرة نت إن حجم مبيعات صناعة السيارات بلغ سنة 2017 حوالي 135 مليار يورو، أما قيمة المبيعات في عملية إنتاج السيارات ككل في فرنسا، بما تشكله من تداخل لعدة مهن وخدمات، فقد بلغت في نفس السنة حوالي 155 مليار.

وتتنافس في السوق الفرنسية شركات أوروبية وعالمية كثيرة، ووفق إحصائيات ديسمبر/كانون الأول 2020، هناك تنوع وأهمية للعلامات التجارية الموجودة بسوق المركبات الخفيفة المنتجة في فرنسا، حيث توجد جميع المجموعات الأوروبية واليابانية والكورية الرئيسية، وتحتل حوالي 45% من السوق الفرنسية.

وتعتقد سيرفيني أن مستقبل صناعة السيارات في فرنسا يبقى غامضا في ظل التغيرات والتحولات اليومية لأزمة كورونا وتأثيراتها على الاقتصاد الأوروبي والعالمي.

صناعة السيارات ترتبط بها عدة مهن وقطاعات تضررت كثيرا (رويترز)

تعطل قاطرة رينو

منذ تأسيسها عام 1898، تعتبر رينو فخر صناعة السيارات الفرنسية وقاطرتها التي طالما كانت مثالا يحتذى به في نجاحاتها وأرباحها الكبيرة التي تحققها للاقتصاد الفرنسي، لذلك فلا غرو أن تراهن عليها الدولة وتملك نسبة 15.1% من أسهمها، كأول وأكبر مساهم فيها، ولكن هذه العراقة التاريخية تحولت أخيرا إلى خسائر بسبب أزمة كورونا، وفق بيان الشركة وأرقامها التي قدمتها في 19 فبراير/شباط الماضي.

وبلغت خسائر رينو 8 مليارات يورو سنة 2020 بحجم تداول قدره 43.5 مليارا، وهو ما يمثل انخفاضا في المبيعات بنسبة 21.7%، مع بيع أقل من 3 ملايين سيارة في نفس السنة، وفق بيان الشركة.

وانخفض حجم المبيعات في الربع الثاني من العام الماضي بنسبة 8.9% مع خسارة صافية قدرها 660 مليون يورو، وكانت الحكومة قدمت دعما استثنائيا لمجموعة رينو، وتمثل الدعم في قرض ضمان لدى البنوك وصلت قيمته 5 مليارات يورو.

وأعلنت رينو في مايو/أيار 2020 عن خطة لتوفير ملياري يورو وإلغاء 15 ألف وظيفة، منها 4600 في البلاد، وأضافت المجموعة أنه سيتم تمديد هذه الاجراءات التقشفية حتى سنة 2025 لتتمكن من توفير 3 مليارات يورو.

وكانت مجموعة رينو أعلنت في يناير/كانون الثاني 2019 عن تراجع مبيعاتها بـ 3.4% مقارنة بنفس الفترة من السنة التي سبقتها، وانحسار الإنتاج إلى 3.75 ملايين سيارة، كما عانت الشركة من خفض المساهمة المالية لشريكتها اليابانية نيسان التي تواجه صعوبات، إلى 242 مليون يورو مقابل 1.51 مليار عام 2018.

وكان لتوقيف رئيس مجموعة "رينو نيسان" كارلوس غصن باليابان في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بتهمة ارتكاب مخالفات مالية، تداعيات كبيرة على حجم الإنتاج وأرقام المعاملات والأرباح، وتعمقت هذه التداعيات بحلول أزمة كورونا.

العراقة التاريخية لشركة رينو تحولت أخيرا إلى خسائر بسبب أزمة كورونا (رويترز)

موقف النقابات

عن تدهور أوضاع العمال في قطاع صناعة السيارات وموقف النقابة من تأثيرات هذه الأزمة على هذه الأوضاع، عاد روبار ليؤكد، في تصريح خاص بالجزيرة نت، أن النقابة حاولت التنبيه لخطورة الوضع منذ البداية جراء سياسة الإغلاق التام إبان الموجة الأولى لكورونا.

وأضاف "بعد أن تطورت الأمور والصعوبات حاولنا أن نرافق الشركات ونتفق معها على ضرورة إعادة فتح المصانع تدريجيا، واتخاذ الحيطة وإجراءات السلامة المهنية والوقائية، وذلك حتى ندفع عجلة الإنتاج وحتى لا يبقى العمال في منازلهم. لكن الوضع كان صعبا، وطلبات الدول على السيارات الفرنسية والأوربية قلت وانخفض رقم المعاملات بنسبة 20%".

العمال ضحية

وبالنسبة للضغوطات الكثيرة المسلطة على العمال والقطاع نتيجة التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة والأزمات المتعاقبة بما فيهم كورونا، قال السكرتير الوطني للاتحاد الديمقراطي للعمل "من دون شك الضغوطات كبيرة على العمال في كل القطاعات وفي كل العالم وليس فرنسا فقط، وتأثيرات العولمة أصبحت واقعا ملموسا بالإضافة للرأسمالية المتوحشة التي تقتات من كل هذه التناقضات والمصاعب".

وتابع "العمال دائما هو أول الضحايا من حيث ظروف العمل وظروف المعيشة والسكن التي تزداد صعوبة يوما بعد يوم نتيجة هذه الضغوطات الخارجية".

وقال روبار إن التغيرات كثيرة وكبيرة في الأسواق العالمية بفعل العولمة "فمثلا في فرنسا نتيجة هذه الظروف فقدنا خلال 15 سنة، من 2004 وحتى 2019، أكثر من 30% من عدد العمال في قطاع السيارات".

إغلاق الشركات

وفيما يخص مخاطر الطرد والتسريح التي تتهدد العمال جراء كورونا، أكد روبار أن الأزمة الاقتصادية -التي كانت حاضرة حتى قبل الجائحة- ألقت بظلالها على واقع شركات السيارات ووضع العمال، هذا فضلا عن تحولات صناعة السيارات العالمية والأوروبية، والتوجه الجديد نحو السيارات الكهربائية المحافظة على البيئة التي تعرف بالأيكولوجية "نتيجة لهذا كله فقد تم التخلي على الكثير من الوظائف".

وقال "أعتقد أن الوضع والأزمة سنة 2021 ستكون أكثر حدة، وربما يتم غلق الكثير من مصانع السيارات والتخلي عن آلاف العمال".

تراجع السوق الأوروبية

أما السوق الأوروبية فهي لا تبتعد كثيرا عن الانهيار الذي لحق بالسوق الفرنسية، حيث تمثل صناعة السيارات جزءا مهما من القيمة المضافة للصناعة التحويلية ككل.

وقد تراجعت مبيعات السيارات الأوروبية سنة 2020 بسبب فيروس كورونا بنسبة 55.1%، وفق جمعية الشركات الأوروبية لصناعة السيارات.

وفي الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2020، بلغت نسبة تراجع سوق السيارات بالاتحاد الأوروبي 25.6%، في حين بلغت النسبة في فرنسا 35.5%.

ووفق أرقام الجمعية نفسها، شهدت الأسواق الأربعة الرئيسية تراجعا هائلا في عدد السيارات التي تم بيعها، نسبته 72.2% في فرنسا و85.4% في إيطاليا، وفي ألمانيا انخفضت النسبة إلى 37.7%، وأما السوق البريطاني الذي دخل طور البريكست سنة 2020 فقد بلغت فيه نسبة التراجع سنة 2019 44.4%.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أدت الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية بدعم الشركات المتضررة إلى تخفيف وطأة الآثار الاقتصادية المدمرة لجائحة كورونا، لكن ذلك قد لا يوقف موجة الإفلاس التي يتوقعها الخبراء في الفترة القادمة.

2/9/2020

تسببت جائحة كورونا في ركود سوق السيارات الفرنسي جراء توقف عمليات التسليم، وسرعان ما تدهور الوضع ليكون انخفاض المبيعات بنسبة 25.5% مقارنة بتسجيلات سنة 2019.

9/1/2021
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة