بعد رفع الفائدة بالولايات المتحدة.. هل تضطر مصر لتعويم الجنيه مجددا؟

مصر تعد من أكبر البلاد تأثرا بارتفاع أسعار الفائدة والتضخم في أميركا

مصر قد تضطر إلى خفض قيمة الجنيه المصري مجددا (رويترز)
مصر قد تضطر إلى خفض قيمة الجنيه المصري مجددا (رويترز)

هل تضطر مصر إلى تعويم الجنيه مجددا؟ أصبح هذا السؤال الأكثر إلحاحا في ظل المنعطف النقدي الحرج الذي تواجهه بعد ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأميركية، والمؤشرات السلبية للاقتصاد المصري.

وتشكل الخطوة الأميركية لاحتواء آثار جائحة كورونا، تهديدا حقيقيا لتدفقات استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة المصرية (الأموال الساخنة)، ما يضعها أمام تحديات صعبة.

وأثارت تغريدة كبير اقتصاديي معهد التمويل العالمي، "روبين بروكس" على موقع تويتر (twitter)، بأن مصر قد تضطر إلى خفض قيمة الجنيه المصري مجددا، مما أحدث جدلا بين خبراء الاقتصاد والمحللين، وقلقا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وبنى بروكس نظريته على أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيجذب أموال المستثمرين الأجانب من الأسواق الناشئة ومن بينها مصر، ويتزامن مع استمرار تفاقم عجز المدفوعات.

إضافة إلى عودة سعر الصرف الحقيقي للجنيه المصري إلى ما كان عليه قبل خفض العملة في 2016، وبالتالي اختفاء الميزة التنافسية لشراء سندات الخزانة المصرية.

وتعد مصر من أكبر البلاد تأثرا بارتفاع أسعار الفائدة والتضخم في أميركا، وفق مدير تجارة العملات بغولدمان ساكس.

الديون شريان حياة

اعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي، عمرو خليفة، أن من بين الأسباب التي سيكون لها تأثير على تدفقات "الأموال الساخنة" هي خفض الفائدة في مصر.

وأوضح في تعليقه للجزيرة نت أن التراجع في شراء السندات المصرية هو بسبب خفض الفائدة من قبل البنك المركزي المصري.

ولإلقاء الضوء على دور السندات في سد عجز العملة الصعبة، سجلت استثمارات الأجانب في أدوات الدَّين الحكومية ارتفاعا تاريخيا قيمته 28.5 مليار دولار، بنهاية فبراير/شباط الماضي، بحسب محمد حجازي، رئيس وحدة إدارة الديون بوزارة المالية.

وبالتالي فإنه في ظل تراجع إيرادات النقد الأجنبي، تعتمد مصر بشكل كبير على تدفقات أموال الأجانب في أدوات الدَّين المحلية كمصدر للعملة الصعبة، في الوقت الذي ارتفع فيه الدَّين الخارجي إلى 125.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر/أيلول 2020.

خيارات صعبة

خيارات الحكومة المصرية محدودة، بحسب الخبير الاقتصادي، محمد رزق، لأن المكاسب التي حققها الاقتصاد المصري بعد تعويم الجنيه في عام 2016 قد تبخرت تماما.

وأكد رجل الأعمال المصري الأميركي في تصريح للجزيرة نت، أنه أصبح لزاما على الحكومة المصرية تعويم الجنيه مرة أخرى بقيمة 40% حتى تتمكن من الاستمرار في الاقتراض، وجذب المال الساخن من الخارج بسبب رفع الفائدة الأميركية.

وأوضح أن رفع الفائدة في أميركا سينعكس بالسلب على مصر، لأن الجنيه المصري مرتبط بالدولار ومصر تقترض بالدولار وليست لديها موارد كافية من العملة الأجنبية.

وتوالت تحذيرات خبراء الاقتصاد والمفكرين المصريين من مغبة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، وتراجع تدفقات المال الساخن على مصر، ومحاولة حلها إما بتعويم آخر للجنيه المصري، أو رفع أسعار الفائدة بنحو 4% مجددا بعد خفضها مرارا خلال السنتين الماضيتين.

الاعتماد على الاقتراض

يُظهر الرقم 21 مليار دولار خلال العام الجاري حجم احتياج الحكومة المصرية للعملة الأجنبية من أجل سداد التزاماتها الخارجية، وفق نشرة السندات الدولية التي طرحتها وزارة المالية في فبراير/شباط الثاني الماضي.

إلا أن الباحث الاقتصادي، حافظ الصاوي، ذهب إلى القول إن مصر ستدافع بقوة من أجل عدم تعويم الجنيه، قائلا "السياسة النقدية في مصر تعتمد على حماية سعر الصرف (الجنيه) وتعتبره أحد أهم إنجازاتها، وهي تفعل ذلك من خلال الاقتراض واستقبال المال الساخن، وإصدار أذون خزانة بالدولار واليورو".

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد أنه من غير الواضح أن الحكومة على استعداد للتخلي عن هذه السياسة، لأن انفلات سعر صرف الجنيه مرة أخرى واللجوء للتعويم سيؤديان إلى ارتفاع التضخم وزيادة معدلات الفقر والبطالة.

وأشار الصاوي إلى أن الحكومة على استعداد لدفع الفاتورة الباهظة من خلال استثمارات الأجانب أو دعم الاحتياطي من خلال الديون الخارجية نظير الحفاظ على السياسة النقدية للبنك المركزي.

ولكنه رهن التعويم مرة أخرى بانفلات أمر خروج الأموال الأجنبية من السوق المصري، ومواجهة الحكومة المصرية مشاكل في الاقتراض.

لكن نعمان خالد، محلل ومساعد مدير بنك استثمار أرقام كابيتال، لا يتوقع خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدَّين الحكومية في الوقت الحالي.

وأعرب عن اعتقاده، في تصريحات صحفية، أن ارتفاع العائد على السندات الأميركية لن يكون له كبير الأثر، لأنه لا توجد أي ضغوط على سعر صرف الجنيه، كما أن العائد على أذون الخزانة المصرية مرتفع.

إلا أن استثمارات الأجانب تأثرت بشدة العام الماضي، بسبب تداعيات جائحة كورونا، وخرج حوالي 17.5 مليار دولار من مصر في ربيع 2020، وفق وكالة بلومبيرغ وتصريحات مسؤولين مصريين.

ذكرى سوداء

ورغم مرور 4 سنوات على تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، فإن غالبية المصريين لم يتعافوا من آثاره الوخيمة على مشروعاتهم ومدخراتهم وأجورهم وبلوغ معدلات الفقر نحو 30%، رغم حديث الحكومة المصرية عن إيجابيات التعويم.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016، قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه بناء على طلب صندوق النقد الدولي لتوفير قرض قيمته 12 مليار دولار على 3 سنوات.

وتسببت تغريدات روبين بروكس في تخوف الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي من انخفاض قيمة الجنيه، الأمر الذي سيضر مباشرة بالمواطن المصري بسبب انخفاض دخله بالتبعية وكذلك انخفاض قيمة المدخرات وحدوث قفزة في الأسعار.

واتهم نشطاء ومغردون الحكومة المصرية بتجاهل التحذيرات السابقة بشأن تعويم الجنيه وفقده أكثر من نصف قيمته نتيجة التضخم، واستمرار سياسة الاقتراض وعدم تنمية الصناعات المحلية واعتمادها كلية على الاستيراد لخدمة المشروعات المتعلقة بخطة التطوير.

في المقابل، قلل مغردون من تأثير تلك التوقعات والتقارير الأجنبية، واعتبروها تصريحات مستهلكة وليست بالجديدة، مؤكدين أن الحكومة المصرية كفيلة باحتواء الموقف.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة