تنوع أشكال الأزمة الاقتصادية.. سرقات الخردة تهدد الأمن الاجتماعي في لبنان

المؤشرات الأمنية في لبنان سجّلت ارتفاعا كبيرا في السرقة تجاوز 246.9%

داخل أرض بورة التي تجمع أطنانا من مواد الخردة شمال لبنان - الجزيرة
انتعاش تجارة الخردة عامل مغرٍ جعل الآلاف يمتهنونها خلسة لكونها معبرا خصبا لتأمين العملات الصعبة (الجزيرة)

"أشعر أن عيون اللصوص تطاردني كما لو أنني أملك ثروة"، بهذه الكلمات يروي الشاب محمد (20 عاما) قصته، وهو عامل في أحد المتاجر شمال لبنان مقابل 30 ألف ليرة يوميا (صارت توازي أقل من 3 دولارات)، لم تحالفه الظروف لإكمال تعليمه، فلجأ إلى العمل في سن مبكرة.

وفي هذا العام، تعرّض محمد لسرقة 3 درجات نارية متواضعة، اشتراها تباعا من السوق المستعملة بعد أن استدان سعرها، وشكا للجزيرة نت قائلا "لا أصدق أنني أجمع المال لتسديد ديون 3 درجات لا أملكها، بل سُرقت مني".

في أول حادثتين، كانت دراجة محمد تُسرق من تحت منزله، ورغم أنه صار يركن الدراجة الثالثة في مكان ظنه آمنا، فقد استطاع أحد اللصوص أن يسرقها ليلا قبل أسابيع، ولسوء حظه كان قد نسي محفظته في صندوق الدراجة، وفيها هويته وراتبه الزهيد.

هذا الشاب هو واحد من مئات أمثاله تعرضوا لسرقة دراجاتهم وسياراتهم أو قطع منها، ليكون مصيرها إما البيع أو التهريب، أو أن ترمى قطعا في أراضي البورة التي تضم أطنانا من مواد الخردة القابلة للبيع.

ويبدو أن انتشار السرقة واحد من تجليات انحلال مفاصل الأمان الاجتماعي في لبنان، برأي محللين، لكونها امتدادا طبيعيا لمفاعيل الأزمة الاقتصادية التي بدأت خريف 2019، ثم اشتدت حدتها في الأشهر الأخيرة نتيجة الاستعصاء السياسي، وانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020، وتعثر المبادرة الفرنسية، وعرقلة تشكيل الحكومة، وقد ترافقت جميعها مع قيود مصرفية وانهيار تاريخي للعملة الوطنية، بعد أن قارب الدولار الواحد سقف 12 ألف ليرة في السوق الموازية (السوداء)، مقابل 1507 ليرات رسميا.

دوريات لشرطة البلدية والقوى الأمنية في بيروت - الجزيرةالعناصر الأمنية تعمل في ظروف ضاغطة تضعف قدرتها على ضبط تداعيات الفوضى (الجزيرة)

جرأة السارقين

وما راج في بيروت أخيرا هو انتشار سرقة أغطية الصرف الصحي للاستفادة من الحديد الذي صُنعت منه، إذ يُسعّر وزنه بالدولار الأميركي.

هذه الظاهرة، يؤكد شيوعها رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، ويشير -في حديثه للجزيرة نت- إلى وجود عصابات تجمع مواد الخردة، فتسطو على أغطية الصرف الصحي بشكل محترف. وقد تبين -وفق عيتاني- أن بعض الشاحنات الصغيرة تعمل على سحب الأغطية أثناء وقوفها بمحاذاة فتحات شبكات الصرف الصحي، ثم تتابع طريقها.

وحتى الآن، سُرق نحو 50% من أغطية الصرف الصحي في بيروت وحدها، وفق رئيس البلدية، رغم وجود 1700 كاميرا مراقبة موزعة في المدينة وموصولة بقوى الأمن الداخلي.

ويلفت عيتاني أن السرقات طالت مكبرات الضوء والأسلاك الكهربائية في الحدائق العامة، وكذلك عشرات القساطل المعدنية والإنارات الأرضية. ويُقدّر قيمة الخسائر بمئات آلاف الدولارات التي يصعب تعويضها في ظل أزمة الدولار، مشيرا إلى أن المجلس البلدي طلب من دائرة المحافظة توجيه تعليمات لتسيير دوريات أمنية، ليلا ونهارا.

وإذا كانت بيروت قبل الأزمة هي الأكثر أمانا لكونها العاصمة المركزية، فإن حالها الآن صار مشابها لبقية المدن والأطراف النائية. ففي طرابلس شمالا -أكثر المدن فقرا- شاعت ظاهرة النشل والسطو على المنازل، وطالت عمليات السرقة قص أجزاء من السور الحديدي للكورنيش البحري، وكذلك الكبلات والمولدات والدراجات النارية والسيارات، وفق ما يشير رئيس بلدية طرابلس رياض يمق.

وقال يمق للجزيرة نت إن غياب العقوبات المشددة للسارقين أدى إلى تفشي الظاهرة، ويعتبر أن هشاشة الأوضاع صارت تستدعي رفع مستوى التنسيق بين شرطة البلديات والأجهزة الأمنية، لتأمين السلامة العامة.

وبينما يعتبر يمق أن الفقراء لا يسرقون، يوافق على قوله رئيس اتحاد بلديات بعلبك في البقاع إبراهيم نصار، ويرجّح وجود عصابات منظمة تسعى للاستفادة من الفوضى.

ومما يثير استغراب نصار، أن عمليات السطو توسعت للمناطق المأهولة، ويشير أن السرقات في بعلبك طالت أيضا مشاريع محطات الطاقة الشمسية التي تولد الكهرباء لآبار المياه، كما برزت ظاهرة سرقة الأفراد تحت التهديد.

وقال للجزيرة نت إن السارقين الذين تلاحقهم الأجهزة الأمنية بعشرات مذكرات التوقيف، أصبحوا أكثر جرأة بذريعة تدهور الأوضاع المعيشية.

أحد الفتحات نتيجة سرقة أغطية الصرف الصحي - الجزيرةسرقة أغطية الصرف الصحي انتشرت في لبنان في الآونة الآخيرة (الجزيرة)

لماذا ينجذب السارقون لمواد الخردة؟

ويعتبر رشيد كسرواني -وهو أحد تجار ومصدري السكراب في لبنان منذ 30 عاما- أن البحث عن مصادر جديدة للدولار "الطازج" (النقدي) أو ما يوازي قيمته في السوق السوداء، هو من الأسرار الكامنة خلف الاندفاع الكبير على مواد الخردة.

فكل طن حديد يبلغ سعره حاليا نحو 310 دولارات أميركية، أي أضعاف الحد الأدنى من الأجور. وإذا كان وزن "الريغار" (غطاء فتحة الصرف) الواحد نحو 80 كيلوغراما، فإن سعره يقارب 25 دولارا، وفق كسرواني.

ورغم رفض التجار الشرعيين إجراء عمليات شراء لمواد الخردة المسروقة، بحسب كسرواني، فمن الصعب تمييزها، لأن السارقين يقومون بتجزئتها وتفكيكها قبل بيعها منعا لكشف مصدرها.

ولأن لبنان لا يملك مصانع لصهر الحديد، يقوم التجار بتصديره، وتحديدا نحو مصر واليونان وألبانيا أحيانا، وتركيا في مراحل سابقة.

وقبل عقود، كان لبنان يضم عددا قليلا من تجار الخردة، ويصدر سنويا نحو 350 ألف طن من موادها، وهي تؤمن نحو 300 مليون دولار، بحسب كسرواني.

وهكذا، شكل انتعاش تجارة الخردة عاملا مغريا، فامتهنها الآلاف خلسة، كمعبر خصب لتأمين العملات الصعبة وتعزيز الأرباح، وفق كسرواني الذي قال إن هذا الوضع يؤثر سلبا على التجار الشرعيين الذين يخضعون للقوانين المرعية، مما أدى لانتشار "أراضي البورة" غير الشرعية، التي قد يتواطأ بعض أصحابها مع السارقين.

جرافة تجمّع مواد خردة - الجزيرةغياب العقوبات المشددة على السارقين أدى لتفشي ظاهرة سرقة الخردة (الجزيرة)

انعكاسات الأزمة

وينطلق الأكاديمي وأستاذ السياسات والتخطيط بالجامعة الأميركية في بيروت ناصر ياسين، من إحصاءات قوى الأمن الداخلي التي كشفت أن نسبة الجرائم تخطت 200% في 2020 مقارنة مع 2019، لافتا إلى أن المؤشرات الأمنية سجلت ارتفاعا كبيرا في السرقة تجاوزت 246.9%، وقد ارتفعت نسبة سرقة السيارات مثلا 212.8%، كما ارتفعت جرائم القتل 183%، وسجل السطو المسلح ارتفاعا ملحوظا بنسبة 157.3%.

ولا يستغرب ياسين انتشار ظاهرة السرقة استنادا لمؤشر الأجور، فإذا صار الحد الأدنى للأجور يوازي أقل من 60 دولارا، فإن المتوسط العام للأجور تآكلت قيمته لأقل من 100 دولار، بعد أن كان يوازي نحو 650 دولارا.

هذا الواقع يدفع بعض الفئات التي فقدت سبل تأمين متطلباتها مع تدهور القدرة الشرائية إلى اللجوء لآليات جديدة، سواء للتعايش مع الأزمة بنمط جديد أو لتأمين حاجات طارئة، وفق حديث ياسين للجزيرة نت.

ويعتبر الأكاديمي أن هذه الأقلية التي تمتهن السرقة تشكل خطرا على أكثرية المجتمع اللبناني، بينما صار الأمن منهكا والعناصر الأمنية تعمل بظروف ضاغطة تضعف قدرتها على ضبط تداعيات الفوضى.

ويتوقع ياسين أن تتصاعد ظاهرة السطو والسرقات إذا استمر الاستعصاء وتدهور الليرة، وإذا لم تتشكل حكومة تضع خطة طارئة لبدء التعافي.

ويُذكّر ياسين بأن عصابات السرقة نشطت في الثمانينيات بسبب الحرب الأهلية، لكن في هذه المرحلة قد تكون تداعيات الأزمة أشدة وطأة مع انسداد سبل الإنقاذ وضياع المواطنين عند سؤال أنفسهم: لمن نلجأ؟

لذا، يتشارك ياسين مع رؤساء البلديات الخوف من انتشار ثقافة "الأمن الذاتي"، تحت أسماء مختلفة، كالحرس الخاص أو "شباب الحي"، إذا فقد اللبنانيون ثقتهم بقدرة سلطات الدولة على صون سلامتهم وممتلكاتهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة