كيف يخدم تعطش الهند لنفط الشرق الأوسط الإستراتيجية الأميركية لمواجهة الصين؟

ارتفاع الطلب الهندي على نفط الشرق الأوسط يعزز الإستراتيجية الأميركية للتصدي للنفوذ الصيني

الولايات المتحدة بحاجة إلى دولة قوية محدودة موارد الطاقة قادرة على التأقلم مع ارتفاع أسعار النفط كالهند (الفرنسية)
الولايات المتحدة بحاجة إلى دولة قوية محدودة موارد الطاقة قادرة على التأقلم مع ارتفاع أسعار النفط كالهند (الفرنسية)

يشير تقرير أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الأسبوع الماضي إلى أن الهند ستستحوذ على النصيب الأكبر من نمو الطلب العالمي على الطاقة من الآن وحتى عام 2040، متقدمة بذلك على الصين، وتتلاءم هذه التوقعات مع الإستراتيجية الأميركية الجديدة لمواجهة نفوذ الصين المتنامي في الشرق الأوسط.

في تقرير نشره موقع "أويل برايس" (Oil price) الأميركي، يقول الكاتب سيمون واتكينز إن هذا التقرير -الذي يحمل عنوان "مستقبل الطاقة في الهند 2021"- يعطي المزيد من الزخم لمساعي الولايات المتحدة لجعل الهند أكبر مستهلك لموارد الطاقة في الشرق الأوسط -وتحديدا في الدول العربية المتحالفة مع إسرائيل- بهدف تقويض مكانة الصين في المنطقة.

ووفقا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة، فإن من المتوقع أن يتضاعف استهلاك الهند إلى نحو 8.6 تريليونات دولار بحلول عام 2040 إذا استمرت سياساتها الحالية (وهو ما يعادل إضافة اقتصاد آخر بحجم اليابان إلى العالم في أقل من 20 عاما).

وبالنسبة لمنتجي الطاقة في الشرق الأوسط فإن هذه التوقعات تعني أن الطلب الهندي على النفط من المتوقع أن يرتفع إلى 8.7 ملايين برميل في اليوم في عام 2040 مقارنة بحوالي 5 ملايين برميل في اليوم في عام 2019، ومن المتوقع أن ترتفع احتياجاتها من الغاز الطبيعي إلى نحو 3 أضعاف المستويات الحالية، أي ما يعادل 201 مليار متر مكعب.

ووفقا للتقرير، من المنتظر أن يرتفع اعتماد الهند على واردات النفط من الشرق الأوسط إلى أكثر من 90% بحلول عام 2040 مقارنة بـ75% حاليا، وأن يرتفع اعتمادها على غاز الشرق الأوسط إلى حوالي 61% من وارداتها بحلول عام 2025 مقارنة بنسبة 20% قبل 10 أعوام فقط.

من المتوقع أن يرتفع الطلب الهندي على النفط إلى 8.7 ملايين برميل في اليوم في عام 2040 (رويترز)

الإستراتيجية الأميركية لمواجهة الصين

وحسب الكاتب، فإن هذه التوقعات تناسب تماما إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة للتصدي لنفوذ الصين المتنامي، وقد بدأت ملامح هذه الإستراتيجية تظهر بشكل واضح من خلال التوقيع على "صفقة التطبيع" بين إسرائيل والإمارات بوساطة أميركية في أغسطس/آب 2020.

وسارت البحرين لاحقا على خطى الإمارات العربية المتحدة، فأعلنت أيضا عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مما يشير إلى أنه أصبح لدى واشنطن مجال كبير للتفاؤل بإمكانية إبرام المزيد من هذه الصفقات بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

واعتبر الكاتب أن إحدى أهم الركائز في إستراتيجية الولايات المتحدة تتضمن خلق بديل مناسب لدول الشرق الأوسط لتحجيم الدور الصيني الهائل في المنطقة، وهنا يأتي دور الهند المحوري ضمن المعادلة الأميركية.

وبعبارة أخرى، يعتمد جزء كبير من التوسع الصيني السريع في منطقة الشرق الأوسط على قطاع الطاقة، وتنطوي صناعة النفط على نقل مبالغ ضخمة وسفن ومعدات وتكنولوجيا وموظفين، وهو ما قد يوفر للصين فرصة القيام بالكثير من الأنشطة السرية التي تتجاوز التعاون الاقتصادي.

وبناء على ذلك، كان التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية بحاجة إلى التركيز على دعم التعاون الاقتصادي، ولهذا السبب، وبعد فترة وجيزة من الإعلان عن صفقة التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة برعاية أميركية أكدت التقارير أن الدول الثلاث وافقت على التعاون في مجالات النفط والغاز و"التكنولوجيات ذات الصلة".

وكانت الولايات المتحدة بحاجة إلى دولة قوية محدودة الموارد الطاقية قادرة على التأقلم مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، وكانت الهند الدولة الأنسب ضمن هذه الإستراتيجية، ومن ضمن العوامل التي جعلت الهند متلائمة تماما مع التوجه الأميركي هو التوتر المتزايد بوضوح على الحدود بينها وبين جارتها الصين.

وفي هذا السياق، كشف الاشتباك الحدودي في 15 يونيو/حزيران 2020 عن تحول كبير في العلاقة بين البلدين مقارنة بالتوترات السابقة، حيث بدا واضحا -وفقا للكاتب- أن الهند أصبحت تعتمد إستراتيجية "صد" جديدة ضد سياسة الصين التي تسعى إلى توسيع نطاق تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية بين آسيا والشرق الأوسط وجنوب أوروبا، بما يتماشى مع مبادرة "حزام واحد، طريق واحد".

أهم الركائز في إستراتيجية الولايات المتحدة تتضمن خلق بديل مناسب لدول الشرق الأوسط لتحجيم الدور الصيني الهائل في المنطقة (غيتي إيميجز)

امتيازات هندية لشركة بترول أبو ظبي

في إشارة إلى المكاسب التي قد تجنيها أي دولة نفطية عربية تقف إلى جانب الولايات المتحدة في إستراتيجية محاصرة الصين شرعت الهند في تقديم امتيازات كبيرة لشركات شرق أوسطية، وفي مقدمتها شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك).

وتضخ أدنوك -وهي أكبر منتج للطاقة في الإمارات العربية المتحدة وثالث أكبر شركة منتجة للنفط في منظمة أوبك- قرابة 4 ملايين برميل من النفط الخام يوميا، وتهدف إلى زيادة هذا الإنتاج بمقدار مليون برميل على الأقل بحلول عام 2030، بالإضافة إلى زيادة إنتاجها من الغاز.

وصرح الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبو ظبي الوطنية سلطان الجابر بأنه يتطلع إلى استكشاف المزيد من آفاق التعاون مع الشركات الهندية لتصدير الطاقة خلال الفترة القادمة.

وقد مُنحت أدنوك امتيازا فريدا من نوعه لتكون الشركة الأجنبية الوحيدة المسموح لها حتى الآن بالاحتفاظ باحتياطيات بترول في الهند، ووافقت الحكومة الهندية مؤخرا على اقتراح يسمح لأدنوك بتصدير النفط من الاحتياطي الموجود في منشأة التخزين الإستراتيجية في مانغلور إذا لم يكن هناك طلب محلي.

وحسب الكاتب، فإن هذا الامتياز يشكل تحولا كبيرا في سياسة الهند في التعامل مع احتياطيات الطاقة، حيث سبق أن فرضت حظرا على جميع صادرات النفط من منشآت التخزين الإستراتيجية.

وهناك مؤشر آخر على تطور هذه العلاقة بين الإمارات العربية المتحدة والهند برعاية الولايات المتحدة، ويتمثل في احتمال تعيين أدنوك على رأس قائمة الشركات الأجنبية التي باستطاعتها أن تشتري حصة كبيرة في شركة بهارات بتروليوم الهندية للتكرير، وذلك ضمن إستراتيجية خصخصة للشركة الحكومية.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة