مسار السقوط المدوي.. ما أسباب مواصلة الليرة اللبنانية انهيارها أمام الدولار؟

تجاوز سعر صرف الدولار بالسوق السوداء عتبة الـ28 ألف ليرة لبنانية.

Lebanese pound banknotes are seen at a currency exchange shop in Beirut
الأسواق دخلت موجة من الطلب الكثيف على الدولار وارتفعت حدة التضخم (رويترز)

بيروت – تشكو اللبنانية رشا (35 عاما) من قلقها ويأسها بمهنة التعليم بعد سنوات من الشغف ومراكمة الخبرة، ولم تحسب أن يدمر الانهيار الاقتصادي مقدرتها، من أستاذة كانت تتقاضى راتبا يوازي نسبيا كفاءتها، إلى مواطنة لا تكفيها مواردها لتسديد نفقات البنزين وكهرباء المولدات الخاصة، وتتعاون مع أشقائها لتوفير حاجاتهم الغذائية وأدوية والديها المسنين.

وقالت للجزيرة نت إن مدخولها مليون و800 ألف ليرة (نحو 64 دولارا)، يتآكل بالتضخم، وتشعر بالسخط كلما ارتفع سعر صرف الدولار، "لأننا نعيش رهن ابتزاز تجار لا يرحمونا".

قفزات الدولار

ففي الساعات الأخيرة، تقدم عنوان الدولار على قائمة الأزمات المتشابكة في لبنان، بعد أن تجاوز سعر صرفه بالسوق السوداء عتبة الـ28 ألفا، وتعاظم قلق اللبنانيين من انعكاساته الإضافية على أسعار السلع، فعاش السوق اضطرابا دفع البعض لإغلاق محالهم، وعمدت متاجر أخرى لرفع أسعارها عشوائيا متجاوزة سقف سعر الصرف.

ويربط كثيرون مواصلة انهيار الليرة بالاستعصاء السياسي وعجز حكومة نجيب ميقاتي -التي تسعى للتفاوض مع صندوق النقد الدولي- عن الانعقاد.

لكن السقوط المدوي لليرة هذه المرة، سبقه زمنيا تعميمان لمصرف لبنان المركزي يساهمان برأي خبراء بتأجيج اضطراب الليرة، وهما:

  • أولا، رفع بموجبه سعر صرف السحوبات النقدية من الحسابات بالعملات الأجنبية من 3900 ليرة إلى 8 آلاف ليرة، ويستهدف الودائع المحتجزة بالمصارف منذ خريف 2019 بلا مسوغ قانوني.
  • ثانيا، إلزام أصحاب شركات استيراد المحروقات تأمين 15% من ثمن البنزين المستورد بالدولار النقدي (كانت 10%) والنسبة المتبقية تُدفع بالليرة وفق سعر صرف منصة "صيرفة" (يبلغ نحو 22 ألفا).

وعليه، دخلت الأسواق موجة من الطلب الكثيف على الدولار، وارتفعت حدة التضخم، بحسب الخبير المصرفي علي نور الدين، مستندة لعاملين؛ هما ارتفاع أسعار البضائع المستوردة بالدولار، وارتفاع أسعار المحروقات.

ولم تمض ساعات على هبوط الليرة، حتى أصدر المركزي الأربعاء 14 ديسمبر/كانون الأول الجاري بيانا "للجم تدهور سعر الصرف"، عبر إجرائين:

  • أولا، تزويد المصارف التجارية بحصتها النقدية لما تبقى في ديسمبر/كانون الأول 2021 بالدولار النقدي، بدل الليرة، على سعر صرف منصة "صيرفة"، ويطلب المركزي بموجبها من المصارف بيع الدولارات المشتراة على سعر "صيرفة" لعملائها عوضا عن الليرة.
  • ثانيا، تنظيم المركزي تسديد القروض التجارية بالعملات الأجنبية نقدا بالليرة وفق سعر صرف الدولار المحدد بالتعميم 151، 8 آلاف ليرة.

وبعدها، تراجع سعر صرف الدولار ما دون 27 ألفا، ويشكك خبراء بقدرة إجراءات المركزي على ضبط السوق النقدي.

ويوضح نور الدين أن كل مصرف لديه "كوتا" شهرية من الكاش الورقي يرسله المركزي بالليرة، وتُستخدم للسحوبات العادية من الحسابات الجارية للوادئع بالليرة بكل أشكالها. وراهن المركزي -وفق رأيه- بإجرائه على العامل النفسي للسوق، "لكنه يستنزفها من احتياطي الدولار الإلزامي المتبقي (نحو 14 مليار دولار)".

من جانبها، تعتبر سابين الكيك -وهي أكاديمية وباحثة بالقوانين المصرفية- أن القرارين لا ترجمة عملية لهما بضبط سعر صرف الدولار، وتحذر من أن تطال إجراءات المركزي لاحقا قروض التجزئة (كقروض الإسكان) التي تسدد وفق سعر الصرف الرسمي (1507 ليرات)، لأنها قد تسبب انهيارا إضافيا بالبنية الاجتماعية.

وتتحدث الكيك عن عاملين أساسين يحددان حاجة لبنان للدولار؛ هما الاستيراد، والتصدير كوسيلة لجذب الدولار من الخارج، لكن، "لا يوجد توازن بينهما في لبنان، مقابل الحاجة الكبيرة للدولار، والمركزي أصبح يطلب حتى من بعض الإدارات الرسمية والوزارات تسديد بعض مستحقاتها بسعر صيرفة".

وتصف الكيك للجزيرة نت اقتصاد لبنان بـ"الوهمي"، وسط تعددية أسعار الصرف وغياب منطقها، وانهيار موارد الدولار، كالسياحة والاستثمارات والتصدير.

كيف يدفع اللبنانيون ثمن انهيار الليرة؟

ترى ندى نعمة نائبة رئيس جمعية المستهلك بلبنان أن الأسواق تعيش فوضى عارمة أرخت ثقلها على اللبنانيين بعدما طال الفقر نحو 75% منهم.

وتجد أن ثمة استحالة بضبط أسعار السلع نتيجة الخضات النقدية، ولأن القوانين اللبنانية لا تضبط أرباح التجار التي تستوجب ثبات سعر العملة.

وبحصيلة تراكمية من بداية الأزمة، تكشف نعمة أن أسعار السلع بمؤشر الاستهلاك لنحو 144 سلعة أساسية للأسر، ارتفع أكثر من 1300%، وتذكر أن الأزمة بالاحتكار وامتهان التجار نمط أرباح هائلة، يتيحان التحكم بالسوق.

وفيما الحد الأدنى للأجور يبلغ 675 ألفا (نحو 24 دولارا)، تشير نعمة إلى أن الموظفين العاديين الذين يتقاضون بين 1.5 و3 ملايين ليرة، لا تكفيهم لفواتير المولدات الخاصة وبنزين السيارات وبعض المواد الغذائية.

وقالت للجزيرة نت إن لبنان دخل مرحلة دولرة كاملة لأسعار السلع، وتحتاج الأسر لتوفير غذائها وطبابتها وتعليم أبنائها نحو ألف دولار شهريا، بينما معدل الأجور لا يتجاوز 100 دولار.

خسائر المركزي

بموازاة ذلك، أعلن سعادة الشامي نائب رئيس الوزراء اللبناني أمس الأربعاء أن المسؤولين اللبنانيين اتفقوا على تقدير خسائر القطاع المالي بين 68 و69 مليار دولار، استنادا لافتراضات قد تتغير.

وتفيد سابين الكيك أن الخسائر لا يمكن شطبها، والفارق تحمله المجتمع وأدى لتهاوي الليرة والتضخم وضعف الدورة الاستهلاكية.

وفي حديث مع الصحفي الاقتصادي محمد زبيب، يُذكّر أن المطلوبات على المصارف بالعملات الأجنبية بالجهاز المصرفي تبلغ نحو 114 مليار دولار، ومقابلها يوجد حوالي 35 مليار دولار كتوظيفات قابلة للتسييل بالمديين المتوسط والبعيد، أي أكثر من 85 مليار دولار غير موجودة، و"جرى سطوها من مصرفيين وكبار المودعين، ومنهم سياسيون نافذون وأثرياء"، وفي عامين، "تفاقمت خسائر الناس دون تخفيض الخسائر بالجهاز المصرفي إلا بنسبة طفيفة".

وقال للجزيرة نت إن خسائر المركزي تراكمت منذ 2002، وما يجري الآن، هو "سعي مدمر للمجتمع والاقتصاد لتخفيف الخسارة المتوجبة، وتحميلها لأصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة والأجور بالليرة".

بعض المحال في لبنان أقفلت أبوابها بسبب انهيار الليرة (الجزيرة)

مسارات الانهيار

يقول محمد زبيب إن تهاوي الليرة مرهون بالذروة الجديدة، لأنه منذ أغسطس/آب 2019، يعيش لبنان سياقا من انهيار لم يهدأ على الصعد كافة.

والأزمة برأيه أن تحليل المؤشرات النقدية والتنبؤات المتصلة بالأسعار، يستحيلان بإخفاء المعطيات، و"تعتيم حجم التداولات، بيعا وشراء، في السوق النظامية واللانظامية، باستثناء أرقام التداولات الزهيدة بمنصة "صيرفة"، المخصصة لأغراض تجارية محدودة، يعلنها المركزي كرقم إجمالي دون توضيحات".

لذا، يجد زبيب أن المضاربات والتلاعب والضبابية تحكم السوق، "علما أنه صغير ويشكو من شح الدولار وهروب الرساميل والإفلاس المصرفي وتعطل نظام الائتمان".

وبالتالي فإن "أي عملية بيع أو شراء للعملة، مهما بلغ حجمها وغرضها، تؤثر على السوق تلقائيا".

من يتحكم بالسوق إذن؟

يقول زبيب إن 3 أطراف تملك الليرات لشراء الدولارات وتتحكم بالسوق النقدي؛ وهي مصرف لبنان والمصارف التجارية والتجار.

وينبه إلى أن التجار الذين يرفعون أسعارهم بالليرة كلما انهارت، لا يشترون الدولارات لتوفير رأس مال استيرادهم فقط، بل لحماية أرباحهم، تحسبا لتآكلها بالتضخم.

ويوضح أن رفع سعر الصرف لدى المصارف من 3900 إلى 8 آلاف، يهدف للتخلص من كمية دولارات ديون على المصارف. فـ"مع 3900 ليرة، كانت تتخلص من كل دولار بالودائع نحو 20% من سعره بالسوق، وعلى 8 آلاف تتخلص بنحو 30% من سعره".

رفع سعر صرف الليرة اللبنانية لدى المصارف -من 3900 إلى 8 آلاف- يهدف للتخلص من كمية دولارات ديون على المصارف (رويترز)

استنزاف المجتمع

يلفت زبيب إلى أن أي وضع له حلول تقنية، "لكنها تحدد وفق الشكل السياسي للخيار المتخذ، والأهداف والمصالح التي يجدر حمايتها؛ لأن الانهيار يترك شرائح خاسرة وأخرى رابحة".

والمشكلة برأيه، "أن الذين استحوذوا على الثروة والدخل بعد الحرب (1989) لليوم، لا يريدون تحمل الخسارة، بينما الوقائع تفيد أنهم الوحيدون الذين يستطيعون تحملها، ويريدون تحميلها للمجتمع وتؤكد الوقائع عجزه عن التحمّل والصمود".

وقال إن ثمة نظاما سياسيا واقتصاديا انتهى، مقابل اضمحلال وضمور عناصر إدارة المجتمع لنفسه عبر توافر العمالة الماهرة، والرساميل القابلة للتوظيف، والموارد. لكن "الهجرة وإفلاس النظام المصرفي والنمط الاقتصادي المتبع استنزفتها، وبات ضروريا البناء من جديد".

مصير الليرة

ويشير زبيب إلى أن سعر الصرف أداة بالسياسة والاقتصاد؛ تُستخدم لفعل سياسي اقتصادي اجتماعي، وبالتالي، حين "نتعاطى مع سعر الصرف كشيء قائم بذاته، تصبح الاحتمالات مفتوحة، وفي لبنان، يقود سعر الصرف السياسة والاقتصاد وليس العكس، لأنه خارج الضبط والإدارة".

وشدد أن سعر الصرف لا يهدأ بلحظة، والتوازن يستوجب خيارات اقتصادية وسياسية، "لا تريدها السلطة، تفاديا لكلفتها الكبيرة".

ويصف إجراءات المركزي بـ"الاعتباطية"، دون معالجة أسباب الانهيار، مقابل وجود نحو 12 سعر صرف لعملة واحدة، بين أرقام معلنة وأخرى مركبة خفية (للدواء والمحروقات ومختلف التعاميم والسحوبات المصرفية) لتمرير مسائل محددة غير مرتبطة بالمصلحة العامة.

ويلفت إلى أن نظام السعر التعددي موجود وليس سيئا بالمطلق، "لكن يجب إرفاقه بأهداف، كالحماية الاجتماعية وإعادة النمو الاقتصادي، أما لبنان ففيه تعددية عبثية".

المصدر : الجزيرة