قلق من تفاقم الأزمة.. العواقب الاقتصادية للمقاطعة السعودية للبنان

رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي اللبناني شارل عربيد يقول إن مقاطعة السعودية للبنان تكبده خسارة معنوية كبيرة قبل المادية، وأن مفاعيل المقاطعة تؤدي أولا إلى تراجع الثقة العربية والدولية بلبنان، معتبرا أن الصناعات اللبنانية والمجتمع المنتج في لبنان هما المتضرر الأول والأخير من الاشتباك السياسي.

بيروت – أرخت المقاطعة السعودية ثقلا كبيرا على الاقتصاد اللبناني، ويرجح خبراء أن تدفع لبنان نحو قعر خطير، إذا استمرت وتيرتها في التصاعد، وأن تعوق مسارات البحث عن المخرج في بلد يعاني انهيارا هو من بين 3 أسوأ أزمات شهدها العالم، وفق تقديرات دولية.

وسلطت أزمة تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول الحرب اليمنية الضوء على حجم الخسائر الاقتصادية التي قد يتكبدها لبنان، خاصة أن الرياض لم تكتف بقطع العلاقات الدبلوماسية كما تبعتها كل من الكويت والبحرين والإمارات، بل أعلنت وقف كافة الصادرات اللبنانية إلى المملكة.

تاريخ العلاقات الاقتصادية

هذا التطور يدفع إلى السؤال عن طبيعة العلاقة الاقتصادية التي ربطت لبنان مع دول مجلس التعاون الخليجي، ويراها كثيرون بمنزلة العمود الفقري الذي أعاد التوازن للاقتصاد اللبناني، وتحديدا بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989 في السعودية.

ويشير محمد شمس الدين الباحث في "الدولية للمعلومات" -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن لبنان يرتبط مع الخليج اقتصاديا في 4 مرافق: الصادرات، والاستثمارات، والسياحة، واليد العاملة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى الخليج نحو 930 مليون دولار، ومنها 237 مليون دولار للسعودية وحدها، أما الاستيراد من الخليج إلى لبنان، وهو يشمل الزيوت النفطية والمواد الكيماوية والسلع البلاستيكية المصنعة، فتبلغ قيمته مليار و520 مليون دولار، بحسب شمس الدين.

وفي السنوات السابقة، قُدر متوسط الاستثمارات الخليجية بنحو مليار ونصف المليار دولار سنويا؛ وقبل أزمة كورونا، كانت السياحة الخليجية تشكل 30% تقريبا من مجمل السياح في لبنان، وانخفضت كثيرا بعد الحرب السورية عام 2011، وتوقفت بشكل شبه نهائي بعد انتشار جائحة كورونا.

كما يبلغ عدد اللبنانيين العاملين في الخليج نحو 250 ألف لبناني -أكثر من نصفهم بالسعودية- وتقدر تحويلاتهم المالية بنحو مليار ونصف المليار دولار سنويا، وفق الباحث؛ ولطالما عززت هذه التحويلات سابقا رفاهية اللبنانيين، وأضحت بعد الأزمة المالية والمصرفية منذ عام 2019 أحد المصادر الضئيلة للدولار الذي شح من الأسواق.

وهنا، يتوسع عباس رمضان -المستشار الاقتصادي في المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان "إيدال"- بالأرقام مشيرا إلى أن صادرات لبنان إلى الخليج تشكل نحو 25% من إجمالي صادراته، والأرقام تتغير تبعا لمعطيات الأسواق المالية واللوجستية.

اضطراب الاستثمار

وأوضح رمضان -للجزيرة نت- أن شريك لبنان الأساسي في الصادرات 5 أطراف: جنوب أفريقيا، ثم السعودية والإمارات وسوريا والعراق.

لكن عام 2020، تراجعت السعودية من المرتبة الثانية إلى السابعة، وكان الأمر لافتا حسب تعبيره، ولقد ربطه البعض بإجراءات إغلاق الحدود، أو "لأن السعودية بدأت تجد البدائل للبنان".

ويعتبر المستشار الاقتصادي أن اضطراب العلاقة الاقتصادية اللبنانية السعودية بدأت ملامحه في السنوات العشر الأخيرة، وأصاب مرفق الاستثمار أولًا.

وأردف أن السعودية كانت شريكا أساسيا للاستثمار في لبنان، وتليها الإمارات، في القطاعين السياحي والتطوير العقاري، ونفذت مشاريع ضخمة في بيروت وبعض محيطها، "لكن هذا الاستثمار تراجع تدريجيا من عام 2011، ثم اضمحل كليا بعد عام 2016".

صور لتقرير عن تداعيات مقاطعة السعودية للبناننحو 60% من الصادرات اللبنانية الزراعية تذهب إلى دول الخليج (الجزيرة)

الضحية الأولى

ويخشى خبراء أن تقاطع دول خليجية أخرى لبنان اقتصاديا مثل السعودية.

ورغم أن لبنان يصدر إلى الخليج مختلف المواد الغذائية المصنعة، وبعض المنتجات الكهربائية والصناعية، والبرمجيات الإلكترونية والمجوهرات والأحجار الكريمة، إضافة إلى الخدمات الاستشارية والهندسية؛ فيبدو أن القطاع الزراعي هو الضحية الأولى لجهة خسائره بالمزروعات الطازجة التي تحتاج إلى التخزين.

ويذكر رمضان أن نحو 60% من الصادرات اللبنانية الزراعية تذهب إلى دول الخليج، ونحو 15% تذهب إلى مصر والعراق، وحوالي 20% من الصادرات تذهب إلى سوريا (بشكل قانوني) و5% فقط إلى أوروبا.

وقال إن الصادرات الزراعية كانت توفر للبنان سابقا نحو 500 مليون دولار سنويا، والخليج وحده بقيمة 250 مليونا، وإن السعودية والكويت يتنافسان على الصدارة.

الترانزيت السعودي

وما يعمّق أزمة لبنان الاقتصادية أن السعودية تشكل محطة مركزية لصادرات لبنان الزراعية إلى الخليج، وهي خط ترانزيت، لأن الإرساليات تمر معظمها برا من لبنان إلى سوريا والأردن فالسعودية، لتبقى داخلها أو تعبر إلى وجهتها نحو دول خليجية أخرى؛ وكميات ضئيلة ترسل عبر البحر أو الجو، وفق ما يشير الباحث والخبير الاقتصادي علي نورالدين.

لذا، يخشى نور الدين أن يشمل القرار السعودي منع عبور الإرساليات عبر أراضيها برا نحو الدول الخليجية الأخرى، لأن العبور يحتاج لإذنها، "خاصة أن قراراتها ارتقت لمستوى العقوبات السياسية والاقتصادية".

ويؤكد الخبير الاقتصادي أيضا أن القطاع الزراعي هو الأكثر تأثرا، "لأن معظم صادراته تعبر برا، وترتبط بعقود مسبقة، تفاديا للكساد ولضمان تصريف الإنتاج"؛ وبالتالي، فإن جزءا كبيرا من الصادرات الزراعية المتجهة إلى السعودية قد يكون مصيرها التلف.

وقال نور الدين إن هامش المزارع بالمناورة محدود خلافا للمصدرين الآخرين، و"لأن المزارعين اللبنانيين اعتادوا تاريخيا أن يكون الخليج سوق صادرتهم، ومن الصعب إيجاد بديل عنه". وستمتد خسائر المزارعين اللبنانيين راهنا إلى الموسم المقبل، وفق الخبير الاقتصادي؛ بسبب انقطاع مورد مهم للسيولة للاستثمار، في ظل توقف التسليفات من القطاع المصرفي بسبب أزمته.

التحويلات والأضرار الجانبية

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي لم تعهده البلاد سابقا، إذ خسرت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار، وتآكلت الرواتب، واحتجزت المصارف أموال المودعين، وشحت مواد أساسية، وتعمقت أزمة الطاقة فغرق لبنان في الظلام، في حين طال الفقر المتعدد الأبعاد أكثر من 75% من السكان، بحسب تقارير أممية.

توازيا مع ذلك، يعتبر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي اللبناني شارل عربيد أن مقاطعة السعودية للبنان تكبده خسارة معنوية كبيرة قبل المادية، وأن تداعيات المقاطعة تؤدي أولا إلى تراجع الثقة العربية والدولية بلبنان.

وشدد عربيد -للجزيرة نت- على أن أكثر ما يحتاجه لبنان في أزمته، توطيد علاقاته مع الدول الخليجية، كرافعة له أمام المجتمع الدولي.

وذكّر السلطات أن الصناعات اللبنانية والمجتمع المنتج في لبنان هما المتضرر الأول والأخير من الاشتباك السياسي والدبلوماسي مع الرياض.

وأكثر ما يترقبه اللبنانيون راهنا -برأي علي نور الدين- مصير التحويلات المالية من الخليج إلى لبنان، حيث ثمة تمنيات كبيرة ألا تدرجها السعودية لاحقا بسلة العقوبات والمقاطعة.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن 37% من التحويلات المالية بالدولار مصدرها الخليج، من بين نحو 7 مليار دولار تصل سنويا إلى لبنان.

وفي المقابل، يسلط نورالدين الضوء على تداعيات غير مباشرة للمقاطعة السعودية، قد تشكل تهديدا كبيرا لحكومة نجيب ميقاتي في وضع خطة التعافي، ومنها:

  • أحد العوامل التي تترقبها مختلف الأطراف، مفاوضات الدولة اللبنانية مع الدائنين وصندوق النقد الدولي، لأن قدرة الدولة على استعادة تعافيها المالي مستقبلا، ستتم مراجعتها حين يقاطعها أبرز قطب مالي في الشرق الأوسط، ويصبح المجال التفاوضي بين الدولة والدائنين هشا.

ويختم نورالدين مذكرا بأن لبنان بموقع هش، وحظوظه في التفاوض الندّي ضعيفة، ويدعو السلطات إلى التعاطي ببراغماتية مع أزمة السعودية، و"إلا ستكون البلاد عرضة لممارسة شتى أنواع الضغوط عليها من الخارج".

المصدر : الجزيرة