حكومات العالم تدعم صناعة الوقود الأحفوري بـ11 مليون دولار في الدقيقة.. فماذا عن انبعاثاته؟

تحقيق الاستقرار في درجات الحرارة العالمية يتطلب التخلي بشكل عاجل عن الوقود الأحفوري (بيكساباي)

كشف تحليل جديد أصدره صندوق النقد الدولي أن إنتاج وحرق الفحم والنفط والغاز كلف حكومات العالم 5.9 تريليونات دولار عام 2020، أي بمعدل 11 مليون دولار على مستوى العالم في الدقيقة الواحدة.

وفي تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" (the guardian) البريطانية، ينقل الكاتب داميان كارينتون عن خبراء صندوق النقد الدولي قولهم إن هذا الدعم العالمي لصناعة الوقود الأحفوري يسكب المزيد من البنزين على نار أزمة المناخ العالمية، في وقت يحتاج فيه الكوكب إلى مضاعفة الجهود لخفض انبعاثات الكربون.

ويؤكد الخبراء أن الدعم الحكومي لأسعار الوقود والإعفاءات الضريبية تمثل بيئة خصبة لتهرب المنتجين من تحمل تبعات التلوث والوفيات والمشاكل الصحية وموجات الحر وغيرها من آثار الانبعاثات الملوثة.

أرقام مقلقة

ويضيف محللو صندوق النقد الدولي أن تحديد أسعار الوقود الأحفوري -بشكل يعكس التكلفة الحقيقية لاستخراجه وإنتاجه- هو الطريقة الوحيدة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميا بأكثر من ثلث المستويات الحالية، وستكون هذه الخطوة في غاية الأهمية لتحقيق الهدف المتفق عليه دوليا، المتمثل في زيادة درجات الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية، وسيكون محورا رئيسيا لمناقشات مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

كما أن الاتفاق على قواعد جديدة لأسواق الكربون -من خلال تحديد التكلفة المناسبة للتلوث الناتج عن هذه الصناعة- يعد هدفا آخر من أهداف مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021. وقال باحثو صندوق النقد الدولي إن وقف دعم الحكومات للوقود الأحفوري سيساعد على تجنب نحو مليون حالة وفاة سنويا بسبب تلوث الهواء، فضلا عن توفير تريليونات الدولارات.

وقال إيان باري -المؤلف الرئيسي لتقرير صندوق النقد الدولي- "ستكون هناك فوائد هائلة لعمليات الإصلاح، بعض الدول مترددة في رفع أسعار الطاقة، لأنها تعتقد أن ذلك سيضر بالفئات الفقيرة، لكن كبح أسعار الوقود الأحفوري هو طريقة غير فعالة لمساعدة الفقراء، لأن معظم الفوائد تجنيها الطبقات الأكثر ثراء، وسيكون من الأفضل توجيه الموارد لمساعدة الطبقات الهشة بشكل مباشر".

وأضاف باري أنه مع التزام 50 دولة بصافي انبعاثات صفرية بحلول منتصف القرن الحالي، وأكثر من 60 مخططا لإعادة تسعير الكربون حول العالم، هناك بعض المؤشرات المشجعة "لكننا ما زلنا في البداية، وهناك طريق طويل وشائك يجب أن نقطعه".

ويذكر الكاتب أن "مجموعة العشرين" وافقت عام 2009 على التخلص التدريجي من دعم الوقود الأحفوري، وفي عام 2016 حددت "مجموعة السبع" عام 2025 موعدا نهائيا لتحقيق هذا الهدف، ولكن لم يتم إحراز أي تقدم حقيقي.

وفي يوليو/تموز الماضي، أظهر تقرير أن دول "مجموعة العشرين" دعمت الوقود الأحفوري بتريليونات الدولارات منذ عام 2015، وهو العام الذي شهد توقيع اتفاقية باريس للمناخ.

ويقول مايك كوفين -كبير المحللين بمؤسسة "كاربون تراكر" (Carbon Tracker)- إن "تحقيق الاستقرار في درجات الحرارة العالمية يتطلب التخلي بشكل عاجل عن الوقود الأحفوري عوض سكب الوقود على النار، ومن المهم أن تتوقف الحكومات عن دعم هذه الصناعة المتدهورة، وأن تعمل على تسريع الانتقال إلى الطاقة منخفضة الكربون".

الوقود الأحفوري = Fossil Fuelsدول "مجموعة العشرين" مسؤولة عن نحو 80% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا (الأوروبية)

الحاجة إلى جهود عالمية

وقد وجد تقرير صندوق النقد الدولي أن الأسعار أقل بـ50% على الأقل من التكاليف الحقيقية لـ99% من الفحم و52% من الديزل و47% من الغاز الطبيعي، في عام 2020.

وحسب التقرير، فإن 5 دول مسؤولة عن ثلثي الإعانات الحكومية لصناعة الوقود الأحفوري، وهي الصين والولايات المتحدة وروسيا والهند واليابان. وقال صندوق النقد الدولي إن الدعم سيرتفع إلى 6.4 تريليونات دولار عام 2025 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة.

وتشمل خيارات الحد من الانبعاثات الكربونية التشجيع على صنع مولدات الكهرباء التي تعمل بالطاقات المتجددة، وإتاحة السيارات الكهربائية بأسعار مناسبة. ويقول باري إن التعاون الدولي مهم لتهدئة المخاوف من أن تأثير ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري سيكون على القدرة التنافسية للدول.

من جهتها، ترى ماريا باستوخوفا -الباحثة بمركز "إي 3 جي" (E3G)- أن "تقرير صندوق النقد الدولي يقدم قراءة واقعية، ويسلط الضوء على إحدى المشاكل الرئيسية في الاقتصاد العالمي. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن العالم بحاجة إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030 لوضع العالم على الطريق المؤدي إلى عالم آمن مناخيا. إنه لمن المثير أن ندرك أن التغيير الذي تشتد الحاجة إليه يجب أن يبدأ فورا، بسبب تورط الاقتصادات الكبرى في دعم صناعة الوقود الأحفوري".

وتقول إيبك جينسو -من معهد التنمية الخارجية- إن الإصلاح يتطلب دعم المستهلكين من الفئات الفقيرة التي ستتأثر بارتفاع الأسعار، وكذلك العاملين في الصناعات المتضررة، كما يتطلب حملات إعلامية لتوضيح كيفية إعادة توزيع تلك المبالغ على المجتمعات في شكل رعاية صحية وتعليم وخدمات اجتماعية أخرى. ويعارض كثيرون خفض الدعم لأنهم يرون أن الحكومات ستحتفظ بالأموال دون أن تقدم شيئا في المقابل.

ويختم الكاتب قائلا إن دول مجموعة العشرين مسؤولة عن نحو 80% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا، وقد حثت أكثر من 600 شركة عالمية ضمن تحالف "وي مين بيزنس" (We Mean Business) قادة المجموعة مؤخرا على إنهاء دعم الوقود الأحفوري بحلول عام 2025.

المصدر : غارديان

حول هذه القصة

أزمة الطاقة التي بدأت في أوروبا -في وقت سابق من الشهر الجاري- في طريقها حاليا للوصول إلى الولايات المتحدة، حيث يصعب، في عالم تسوده العولمة، احتواء أزمة الطاقة ولا سيما في سياق تضرر سلاسل التوريد.

Published On 25/9/2021
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة