بدعوى ترشيد الإنفاق العام.. الحكومة المصرية تعلن خطة التقشف

يواجه المصريون منذ سنوات آثارا سلبية للسياسات الاقتصادية للحكومة (الجزيرة)
يواجه المصريون منذ سنوات آثارا سلبية للسياسات الاقتصادية للحكومة (الجزيرة)

اتجهت الحكومة المصرية إلى ما أسمته ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات الاقتصادية، وذلك بدعوى توفير متطلبات قطاعي الصحة والأمن القومي.

وأصدر رئيس الوزراء، مصطفى مدبولى، الأسبوع الماضي، قرارا بشأن ترشيد النفقات الحكومية في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد، على أن يتم تطبيقه لمدة 6 أشهر اعتبارا من بداية العمل بموازنة السنة المالية 2020-2021.

وشملت أوجه الترشيد، المنشورة في الجريدة الرسمية للبلاد، عدة بنود بعضها محدد كوقف التعيينات والترقيات باستثناء الوظائف القيادية، وآخر فضفاض المعنى مثل تجميد 50% من المخصصات المدرجة للخدمة الاجتماعية.

وفي مايو/أيار الماضي خرجت تصريحات من نواب برلمانيين ومسؤولين حكوميين تتحدث عن خطة لتقليل الإنفاق في الموازنة الجديدة، ليعلن بعد ذلك وزير المالية، محمد معيط، في يونيو/حزيران الماضي، عن أكبر ميزانية في تاريخ البلاد للعام 2020-2021.

وتبلغ الموازنة الجديدة 2.2 تريليون جنيه منها 1.7 تريليون للمصروفات بزيادة 138.6 مليارا عن موازنة العام الماضي، وتبدو الخطوة الحكومية نحو تقليل الإنفاق غير مألوفة على القطاعات الرسمية، في وقت يتجرع المواطنون مرار التقشف منذ سنوات وتحديدا مع توقيع الحكومة اتفاق الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

أوجه الترشيد

وفق ما تضمنه قرار رئيس الوزراء فإن أوجه الترشيد تضمنت بنودا عدة منها الأجور وتعويضات العاملين، حيث تقرر عدم إجراء أي تعيينات أو ترقيات عدا الوظائف القيادية، ومنع أي تسويات أو تعديلات وظيفية حتى يناير/كانون الثاني المقبل.

وتحت نفس البند تم حظر الصرف على المنح التدريبية ومكافآت التدريب والمنح الدراسية بالداخل أو الخارج، ومنع الصرف على اعتمادات الخدمة الاجتماعية، بخلاف الإعانات الاجتماعية الشهرية والموسمية والرياضية والترفيهية للعاملين، كذلك حظر زيادة بدل الاجتماعات، أو حضور الجلسات واللجان، مع خفض 50% من قيمة بدل حضور الجلسة أو الاجتماع الواحد.

وشمل بند شراء السلع والخدمات حظر الصرف على تكاليف البرامج التدريبية، ونفقات نشر وإعلان الدعاية والحفلات والاستقبالات والعلاقات العامة، والاعتمادات المخصصة للعلاقات الثقافية في الخارج.

إلى جانب حظر الصرف على الاشتراك في المؤتمرات بالداخل والخارج، وبدل انتقال للسفر بالخارج وتكاليف النقل، كما تقرر تجميد 50% -على الأقل- من الاعتمادات المالية المدرجة للجهات الداخلة بقطاعي التعليم والشباب والثقافية والشؤون الدينية، وهي القطاعات التي تم تعليق أنشطتها جزئيا أو كليا خلال جائحة كورونا، وبالنسبة لباقي الجهات التي لم يتوقف النشاط بها سيتم تجميد ما يعادل 20% من اعتماداتها المالية.

إلى ذلك تضمن بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية تجميد 50% من المدرج للخدمات الاجتماعية، وحظر الصرف على الجوائز والأوسمة، إلا بموافقة رئيس مجلس الوزراء. أما بند شراء الأصول غير المالية والاستثمارات فشمل تجميد 100% من اعتمادات بندي وسائل النقل والانتقال، وتجميد 50% من اعتمادات بند أبحاث ودراسات.

الحكومة المصرية تقول إن ترشيد النفقات يساهم في توفير متطلبات الصحة والأمن (الجزيرة)

تقشف وإهدار

لم تخرج الحكومة بتصريحات سابقة تخص ترشيد الإنفاق الرسمي سوى في أكتوبر/تشرين الأول 2016، عندما نقلت وسائل إعلام محلية موافقة مجلس الوزراء على خفض الإنفاق بنسب تتراوح بين 10 و20%.

ولم يوضح مجلس الوزراء وقتئذ طبيعة الترشيد الذي بصدد تنفيذه، ولم يظهر على أي قطاع حكومي بعد ذلك خفض نفقاته، في وقت شرعت الحكومة في تنفيذ خطة كاملة وطويلة الأجل تحت اسم "الإصلاح الاقتصادي" تعتمد بالأساس على استنزاف جيب المواطن.

وخطة الإصلاح الاقتصادي أحد شروط صندوق النقد الدولي للموافقة على منح القاهرة قرضا بقيمة 12 مليار دولار على دفعات، وتعتمد على عدة إجراءات منها زيادة الضرائب وتحرير سعر صرف الجنيه ورفع الدعم عن الطاقة.

وفي مقابل محاولات التقشف والمعاناة الاقتصادية التي يعيشها المواطن، تشرع الحكومة في تنفيذ مشاريع ذات تكلفة مالية ضخمة مع عدم وجود دلائل لجدواها مثل تفريعة قناة السويس التي تم افتتاحها في أغسطس/آب 2015، مع دعاية هائلة لما ستدره من أرباح وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع بعد مضي 5 سنوات على تشغيلها.

وروجت الحكومة بأن أرباح القناة الجديدة ستصل إلى 100 مليار جنيه، في حين أظهرت التقارير الرسمية تراجعا في الأرباح في أول عامين لتشغيلها تبعه زيادة محدودة لا تقارن بما تم الترويج له.

وتراجعت إيرادات قناة السويس عام 2015 إلى 5.1 مليارات دولار، ثم 5 مليارات دولار عام 2016، ثم عاودت الارتفاع عام 2018 لتصل إلى 5.5 مليارات دولار، ومع نموذج التفريعة الجديدة تقف القصور الرئاسية التي بُنيت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي في نفس صف إهدار أموال الدولة.

واعترف السيسي في إحدى جلسات مؤتمر الشباب، في سبتمبر/أيلول الماضي، بأنه من شرع في بناء تلك القصور وأن لديه نية لبناء المزيد منها، ومن بينها قصر في منطقة المعمورة بالإسكندرية تم تجديده بنحو 250 مليون جنيه، وأمام هذا الاعتراف تبرز تصريحات عدة لرئيس البلاد يطالب فيها المصريين بالتقشف وتقليل الإنفاق.

مشروع تفريعة قناة السويس لم يحقق الأرباح المرجوة بعد 5 سنوات من تشغيله (الجزيرة)

مخاطر التقشف

وفي مقال له تحت عنوان "الإنفاق العام وحديث التقشف" قال مدحت نافع أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة إنه في حال تراجع الإيرادات العامة المتوقعة بنحو 124 مليار جنيه، على خلفية أزمة كورونا، واستخدام التراجع مبرِرا لقرار التقشف، يجب المضي بحذر في هذا الطريق.

وأوضح أن الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذا الإجراء التقشفي يجب ألا يؤدي إلى مزيد من التراجع المستقبلي بالإيرادات العامة أو يثبّط القرار الاستثماري أو يزيد من خسائر المشروع الخاص، محذرا من تداعيات التقشف التي قد تؤدي إلى مخاطر البطالة وتراجع الدخل القومي وانتشار الركود بدرجاته المتفاوتة.

ومن جهته، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب أن بعضا من بنود ترشيد الإنفاق ليست جديدة، وبالتالي فإن الإعلان عن قرار التقشف ليس منشئا بل يكشف إجراءات حكومية تتم منذ سنوات، ودلل على حديثه بأن الحكومة أوقفت التعيينات قبل سنوات دون إعلان رسمي بذلك.

وبالنسبة للمشروعات التي عمل النظام على تنفيذها في ظل الأزمة الاقتصادية ودعوات ترشيد الاستهلاك، أكد عبد النبي -في حديثه للجزيرة نت- أن جدوى المشروع يتم تحديده من وجهة نظر صاحب القرار.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن زيادة الإنفاق الحكومي على إنشاء المصانع وتنمية الزراعة، وتوفير المزيد من فرصة العمل، سيساهم في إنعاش وتنمية الاقتصاد المصري.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة