كيف ترفع الأسعار؟.. ولماذا يستهدف السيسي الفقراء؟

رغم فشله في تحقيق أي من وعوده.. سيدة مصرية تحمل لافتة تأييد للسيسي (رويترز)
رغم فشله في تحقيق أي من وعوده.. سيدة مصرية تحمل لافتة تأييد للسيسي (رويترز)

كشفت جملتان سريعتان حاسمتان للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كيف تُرفع الأسعار وينخفض الدعم، ومن يقف وراء تلك القرارات التي زادت معاناة ملايين المصريين من الفقراء ومحدودي الدخل والطبقات المتوسطة، حيث بات واضحا أن هذه الفئات البسيطة هي المستهدفة دائما بقرارات رفع الأسعار والجباية، في حين تبقى الفئات المرفهة بمأمن إلى حد كبير.

في الأسبوع الماضي وخلال افتتاحه المرحلة الرابعة من الخط الثالث لمترو الأنفاق بالقاهرة، طالب السيسي وزير النقل كامل الوزير بزيادة الأسعار، قائلا "لا تقل زيادة 5% أو 7% أو حتى 10%، اعمل المظبوط يا كامل، أنا اللي بقول، عشان نقدر نعيش".

لكن السيسي لم يتوقف، وتابع "كل حاجة بثمنها، أو نقدم فقط الدعم الذي نستطيع تحمله"، ليرد كامل الوزير "في كل ما هو جديد كما أمرت يا فندم"؛ لكن السيسي فاجأ وزيره بالتراجع عن كلامه، قائلا "جديد وقديم يا كامل".

زيادة الأسعار بالأمر المباشر، جاءت من الرئيس السيسي، وفوجئ بها وزير النقل؛ لأن الاتفاق كان زيادة أسعار المراحل الجديدة فقط، ما يعني أن الوزارة والحكومة ليس لهما أي رأي في مسألة زيادة أسعار تذاكر المترو، والحقيقة بإيجاز شديد أن أكثر من 3 ملايين راكب يوميا سيعانون من زيادة الأسعار بهذه الطريقة دون دراسة حقيقية.

بالأمر المباشر

لم تكن هذه المرة الأولى التي يطالب فيها السيسي وزراء حكومته برفع الأسعار على الهواء مباشرة، ودون اعتبار لأي ردود فعل أو حتى دون دراسة لتداعيات هذا القرار، بدعوى استكمال الإنجازات في البنية التحتية.

ففي ديسمبر/كانون الثاني 2018، طالب السيسي حكومته، خلال مؤتمر على الهواء مباشرة، تحويل جميع عدادات الغاز والكهرباء والمياه إلى عدادات مسبقة الدفع، قائلا عن العدادات مسبوقة الدفع "المواطن يدفع ليأخذ المياه والكهرباء والغاز".

وفي فبراير/شباط 2016، قال السيسي إنه طلب من وزير الإسكان زيادة سعر شقق الإسكان المتوسط، وأنه شخصيا سيتحمل نتيجة الغضب الشعبي، وسيدافع عن الوزير؛ لأن ذلك سيساهم في دعم الإسكان الاجتماعي للفقراء.

لكن هذا المبرر لم يتحقق، ففي مايو/أيار 2017، وجه السيسي حديثه لذات الوزير بضرورة تسكين أي مواطن بالإسكان الاجتماعي، بعد دفع ثمن وحدته كاملا نقدا، خلال عام ونصف، شاملة تكلفة المرافق؛ أي أن تلك الوحدات الخاصة بمحدودي الدخل لا يُقدم لها أي دعم.

مضاعفة الأزمات

ومنذ مطلع العام الجاري، فرضت السلطات المصرية رسوما وضرائب ودمغات وتبرعات، شملت حتى الرواتب والمعاشات، وطالت طلاب الجامعات والمدارس الحكومية، وزادت أسعار الكهرباء والمياه مطلع أغسطس/آب الجاري بنسب وصلت إلى 30%.

وقبل أيام زادت أسعار تذاكر المترو لجميع المراحل والخطوط بأكثر من 40%، والذي يستخدمه ملايين الموظفين والطلاب والعمال يوميا من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بعد أيام من زيادة أسعار تذاكر القطارات بدعوى التجديد والتطوير.

وليس آخرا، رفعت الحكومة سعر الخبز المدعم؛ لكن بشكل ملتو من خلال خفض وزن الرغيف الواحد.

ووفقا لبحث الدخل والإنفاق لعام 2017-2018 تبلغ نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 32.5%؛ لكنها اليوم أكبر بكثير، إذ توقعت دراسة لمعهد التخطيط القومي (حكومي) ارتفاع معدل الفقر ما بين 5.6 إلى 12.5 مليون فرد؛ أي ما بين 38% و44.7% خلال العام المالي 2020-2021؛ بسبب أزمة فيروس كورونا، وفقا لسيناريوهات مختلفة.

والملاحظ أن تعامل الحكومة مع رجال الأعمال والفقراء في أزمة جائحة كورونا اتسم بالازدواجية، حيث حصل رجال الأعمال على نصيب الأسد من حزمة المساعدات التي قدمتها الحكومة، والبالغة 100 مليار جنيه، وضخت في البورصة وحدها 20 مليار جنيه، في حين اكتفت بالنسبة للفقراء بتقديم منحة هزيلة قيمتها 1500 جنيه مقسمة على 3 شهور لنحو مليون ونصف عامل فقط (الدولار نحو 16 جنيها).

صناعة الفقر

هل هي سياسة متعمدة؟ يرى الباحث والخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في مقدمة كتاب أصدره ردا على مقولة السيسي في مطلع عام 2017 (إحنا بلد فقير) "أننا إزاء رئيس لا يمتلك أُفقا ولا رؤية لإخراج البلد من مأزقها الاقتصادي والسياسي".

ويعتقد الخبير الاقتصادي الذي اعتقلته قوات الأمن، ومنعت كتابه من النشر، أن حديث السيسي "يعكس إما عدم إدراك للقدرات والإمكانيات المتاحة في مصر، أو عدم رغبة حقيقية في إعادة بناء اقتصاد البلاد ونظامها الضريبي بما يلبي المطالب العادلة للمواطنين، وبما يأخذ من الأغنياء ورجال المال والأعمال من حق الدولة والمجتمع".

ويشير فاروق إلى أن زمام الأمور بات بأيدي "النخبة التي تشكلت من رجال المال والأعمال الجدد وكبار جنرالات المؤسسة الأمنية والعسكرية، وبعض الطامحين والطامعين من المؤسسة الجامعية وأخيرا بعض أعضاء المؤسسة القضائية".

وبشأن طبيعة تفكير تلك النخبة الجديدة، "أصبحت معاداة هؤلاء لفكرة التخطيط والتحيز للفقراء والطبقة الوسطى، بمثابة عمل يومي وغذاء روحي، ومن هنا لم يعد للأفكار التي تنتصر لمفهوم التخطيط أي مكان لدى صانع القرار في بلادنا"، وفق فاروق.

السادة والعبيد

يقول الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي، مصطفى يوسف، إن "أي نظام ديكتاتوري سلطوي لا يعبأ بالفقراء، ويهتم بتشديد القبضة الأمنية لضمان خضوعهم إزاء أي إجراءات اقتصادية"، مشيرا إلى أنه "في الحالة المصرية يدين السيسي بوجوده وبقائه لا للشعب إنما لجهات خارجية كإسرائيل والإمارات والسعودية".

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار يوسف إلى أن من يفرِّط في مقدرات بلاده لن يبالي بفقراء وطنه؛ لأن التفريط في مياه النيل سيؤدي إلى زيادة رقعة الفقر ومعدلات البطالة، وزيادة فاتورة استيراد المواد الغذائية، والتنازل عن المياه الاقتصادية شمالا وشرقا سيحرم المصريين من ثرواتهم، ما يؤكد أنه لا توجد أدنى إرادة سياسية لعمل أي خطط تنموية أو جذب استثمارات مبنية على رؤية استراتيجية.

وأضاف "يتمثل الهدف الوحيد للسيسي و طغمته الحاكمة، في استمرار الإمبراطورية الاقتصادية للجيش وتشديد القبضة الأمنية على المصريين، ما يعني استمرار سياسات الإفقار الممنهج وزيادة معدلات البطالة والفقر المدقع مما ينذر بكارثة اجتماعية واقتصادية".

الفقر يتسع للمزيد

بدوره يرى المحلل السياسي والاقتصادي محمد رمضان، أن "سياسة النظام الحالي هي إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء، وحديثه عن الزيادة السكانية باعتبارها معوقا للتنمية، وتحميل الدعم الحكومي مسؤولية عدم تحقيق أي تقدم ملموس، هو هروب من المسؤولية، وشماعة لتبرير الفشل وزيادة الأسعار".

وتابع "الحقيقة أنه لا يمتلك خطة أو مشروعا واضحا لإدارة الدولة، ألم يقل السيسي قبل مجيئه للسلطة إنه يريد أن يغني الناس أولا قبل أن يرفع الدعم؟".

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد رمضان أن الطبقتين الفقيرة والمتوسطة -وفق الأرقام الحكومية والدراسات المستقلة- هم أكثر المتضررين من القرارات الاقتصادية الممتدة من عام 2014 مرورا بتعويم الجنيه، وتطبيق رؤية صندوق النقد الدولي، التي شملت خفض الدعم وزيادة الضرائب والرسوم، والتي وصلت إلى 700% في بعض الخدمات والسلع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة