السعودية على أعتاب حرب نفط ثالثة.. هل تأبى المملكة التعلم من أخطائها؟

بعد أن فشلت المملكة العربية السعودية في تحقيق أبسط النجاحات في حرب أسعار النفط الأولى (2014-2016) والثانية (من بداية مارس/آذار إلى نهاية أبريل/نيسان)، يمكن الافتراض أن السعوديين تعلموا الدروس الرئيسة حول مخاطر الانخراط في مثل هذه الحروب مرة أخرى.
ولكن بالعودة إلى العديد من التصريحات التي صدرت الأسبوع قبل الماضي، يبدو أن السعودية لم تتعلم شيئا، وقد تشن حرب أسعار النفط تماما كما فعلت في المرتين السابقتين، ومن المحتمل أن تخسر مرة أخرى بنفس التداعيات المأساوية التي قد تتحملها هي وبقية أعضاء منظمة أوبك، وفقا لـتقرير نشره موقع "أويل برايس" الأميركي، للكاتب سايمون واتكينز.
ويرى الكاتب أنه فيما يتعلق ببيان "الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة"، أن السعودية استخدمت هذا المصطلح مرارا وتكرارا منذ كارثة حرب أسعار النفط الأولى؛ لتغطية وهمَيْن من الأوهام الأخرى طويلة الأمد المتعلقة بالمستوى الحقيقي لاحتياطياتها من النفط الخام، والمستوى الحقيقي لقدرتها الاحتياطية.
القدرة الاحتياطية
قبل حرب أسعار النفط الأولى، كانت السعودية قد صرحت لعقود بأن قدرتها الاحتياطية تتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل في اليوم، وهذا يعني أنه كان لديها القدرة على زيادة إنتاجها إلى حوالي 12.5 مليون برميل يوميا عند الحاجة.
ولكن حتى مع استمرار حرب أسعار النفط بين 2014 و2016، وتسببها في مستويات جديدة من الدمار الاقتصادي للمملكة العربية السعودية وبقية أعضاء أوبك، يمكن للمملكة أن تنتج في المتوسط ما لا يزيد عن 10 ملايين برميل في اليوم.
وحسب إدارة معلومات الطاقة، تُعرف القدرة الاحتياطية على أنها الإنتاج الذي يمكن توليده في غضون 30 يوما، ويستمر لمدة 90 يوما على الأقل، في حين قالت المملكة إنها ستحتاج إلى 90 يوما على الأقل لنقل الحفارات لحفر آبار جديدة وزيادة الإنتاج بمقدار 2 إلى 2.5 مليون برميل يوميا.
بدلا من ذلك، بدأت السعودية بمحاولة التعتيم على هذه الكذبة المتعلقة بالقدرة الاحتياطية، وتحدث كبار السعوديين عن القدرة والإمدادات إلى الأسواق بدلا من الناتج أو الإنتاج في خلط واضح بين المصطلحات.
تتعلق القدرة باستخدام إمدادات النفط الخام المخزنة في أي وقت في المملكة، بالإضافة إلى الإمدادات التي يمكن حجبها من العقود، وإعادة توجيهها إلى تلك الإمدادات المخزنة، ويمكن أن تشمل القدرة أيضا النفط الذي اشتري سرا من موردين آخرين من خلال سماسرة في السوق الفورية ومُرّر بعد ذلك على شكل إمدادات نفطية خاصة بالمملكة.
ومن الواضح أنه وقع استخدام الخداع الدلالي نفسه بالضبط للتغطية على نقص الإمدادات الفعلي في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول 2019، التي شنها الحوثيون المدعومون من إيران على منشآت خريص وبقيق في المملكة العربية السعودية.
يرى الكاتب أن سبب سعي السعودية للتعتيم على إنتاجها الحقيقي وأرقام القدرة الاحتياطية، أن النفط لطالما كان حجر الأساس لقوتها الجغراسياسية منذ اكتشافه في ثلاثينيات القرن الماضي، لذلك تكذب أيضا بشأن مخزونها من النفط.

تعتيم وتضليل
في بداية 1989، ادعت السعودية أن احتياطيات النفط المؤكدة قد بلغت 170 مليار برميل، إلا أنه بعد عام من ذلك، ودون اكتشاف أي حقول نفطية رئيسية جديدة، زاد الرقم بنسبة 51.2%، ليصل إلى 257 مليار برميل، وبعد فترة قصيرة، ارتفع مجددا إلى ما يزيد قليلا عن 266 مليار برميل، ليصل في عام 2017 إلى أكثر من 268 مليار برميل.
وأشار الكاتب إلى أن السعودية في ذلك الوقت استخرجت ما متوسطه 8.162 مليون برميل يوميا من النفط ما بين 1973 و2020، أي بمجموع يفوق 2.979 مليار برميل من النفط الخام سنويا، أو 137.04 مليار برميل من النفط الخام طيلة تلك الفترة.
بالنظر إلى هذه النسب المثبتة، مع عدم اكتشاف حقول جديدة، وتراجع إنتاج الحقول قيد الاستغلال مثل حقل الغوار، فإنه حسابيا، من الصعب جدا ألا يكون المخزون الحقيقي في حدود 120 مليار برميل، وليس الرقم المعلن البالغ 268 مليار برميل (وذلك بالنظر إلى الرقم 257 مليار برميل المشكوك فيه كأساس لتلك الحسابات).
بإدراك أن الأرقام الأساسية التي تستند إليها قوة السعودية الجيوسياسية والاقتصادية المتبقية ما هي إلا ترهات، بحسب الكاتب، قد يُنظر إلى سعر أسهم أرامكو -في الظروف العادية لسوق يعمل بشكل صحيح- على أنه عرضة للتقلبات، ويأتي ذلك في إطار محاولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اليائسة لعدم فقدان مصداقيته الشخصية من خلال السماح للعرض العام الأولي لشركة أرامكو بالفشل، خاصة في السعودية.

تكرر الأخطاء
قال الكاتب إن مشكلة السعودية تكمن في الوهم الذاتي الجماعي لمن على رأس حكومتها، فيما يخص شخصيات المملكة الرئيسية ذات الصلة بصناعة النفط، التي يدعمها النظام بأكمله. ومن الواضح أن هذه الأوهام لم يثبطها أي من كبار المستشارين الأجانب، الذين يُكسبون بنوكهم رسوما ضخمة وأرباحا تجارية من الأخطاء المختلفة التي ارتكبتها السعودية، وأبرزها حروب أسعار النفط.
ومن بين الأمثلة الأكثر وضوحا على ذلك هو الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية، أمين ناصر، الذي قال الأسبوع قبل الماضي إن أرامكو ستمضي قدما في خطط زيادة طاقتها الإنتاجية القصوى المستدامة إلى 13 مليون برميل يوميا بدلا من 12.1 مليون برميل يوميا.
وبغض النظر عن اللامبالاة المطلقة في خضم عالم غارق بالفعل في النفط نتيجة تراجع الطلب بسبب وباء كورونا، فإن هذا التصريح من رجل النفط بدرجة ثالثة في السعودية مضلل للغاية، وهو يغذي الفهم الجماعي لسوق النفط منذ حرب أسعار النفط الأولى (بين 2014 و2016) القائل إن أي شيء تكشفه السعودية عن صناعتها النفطية لا ينبغي اعتباره صحيحا دون تحقيقات إضافية.
ومن المثير للسخرية أن ذلك يعود إلى بدء السعودية حرب أسعار نفط أخرى؛ لتدمير قطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة من خلال تحطيم الأسعار بالإنتاج المفرط في وقت تراجع فيه الطلب بسبب جائحة كوفيد-19، بحسب الكاتب.
ويرى الكاتب أن الأرقام التي ذكرت سابقا ستفقد معناها تماما إذا ما شنت المملكة حربا مماثلة قريبا، كما هو واضح من إعلانها أنها ستزيد من القدرة المستدامة القصوى للإنتاج إلى 13 مليون برميل يوميا بدلا من 12.1 مليون برميل في اليوم؛ لكن النتيجة في المرة القادمة قد تكون نهاية سلالة آل سعود، حسب رأيه.