القادم أسوأ.. مؤشرات الاقتصاد البريطاني تحذر من "كساد حقيقي" قادم

أرقام الناتج المحلي الإجمالي ربع السنوية الأخيرة، تؤكد الحالة الكارثية التي وصل إليها الاقتصاد البريطاني (الأوروبية)
أرقام الناتج المحلي الإجمالي ربع السنوية الأخيرة، تؤكد الحالة الكارثية التي وصل إليها الاقتصاد البريطاني (الأوروبية)

تؤكد أرقام الناتج المحلي الإجمالي ربع السنوية الصادرة الأسبوع الماضي عن المكتب الوطني للإحصاءات، الحالة الكارثية التي وصل إليها الاقتصاد البريطاني.

وقال الكاتب روس كلارك، في تقرير نشرته صحيفة "تلغراف" البريطانية (telegraph)، إن كوفيد-19 دمّر جميع الاقتصادات، لكن لم تصل أي منها للحد الذي وصل إليه اقتصاد بريطانيا.

وقد بلغ متوسط انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للاتحاد الأوروبي 12%، وهي نحو نصف النسبة التي حققتها بريطانيا بقليل، لكن لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه بأن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءا.

القادم أسوأ

ولعل أكثر الإحصاءات غرابة لهذا الأسبوع هو معدل البطالة الذي لا يزال محافظا تقريبا على أدنى مستوى له منذ 45 عاما. في هذه الحالة، كيف يمكن أن يحدث انكماش بنسبة 20% في الاقتصاد دون ارتفاع معدل البطالة؟

أوضح الكاتب أنه بفضل مخطط منح العاملين إجازة، فإن موجة ارتفاع معدلات البطالة لم تضربنا بعد، ولكننا سنشهدها في هذا الخريف عندما يتم إلغاؤها، مع إضافة عدة ملايين من العاطلين عن العمل، وسيبدو انكماش الاقتصاد بنسبة 20% معقولا.

ولكن لا يقتصر الأمر على الاقتصاد فقط، وربما انخفض عدد الوفيات الناجمة عن كوفيد-19 إلى بضع عشرات في الأسبوع، لكن البؤس البشري الحقيقي لم يظهر بعد، والذي سيتجلى في الآثار الصحية الضارة للبطالة الطويلة الأجل، وحصيلة الوفيات الناجمة عن السرطان والحالات الصحية الأخرى التي لم يتم تشخيصها ولم يتم علاجها أثناء الإغلاق، فضلا عن تكلفة كون المملكة المتحدة بلدا أفقر مما كان عليه.

ونشرت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية الشهر الماضي تحليلا لتكلفة كوفيد-19 والإغلاق، ذكرت فيه أن الإغلاق سيكلف في النهاية أعواما من حياة الشخص أكثر من المرض نفسه، وإذا كنت تعتقد أن الأعوام العشر الماضية مثّلت عصر التقشف، فهي في الحقيقة لا تقارن بما هو آت.

إجراءات الإغلاق ستكلف في النهاية أعواما من حياة الشخص أكثر من المرض نفسه (الجزيرة)

العجز المالي

ووفقا لتقديرات مكتب مسؤولية الميزانية، سيصل العجز المالي هذا العام إلى أكثر من 300 مليار جنيه إسترليني، وهو مبلغ أكثر من ضعفي رسوم السحب التي خلفها غوردون براون -رئيس وزراء بريطانيا الأسبق- بعد الأزمة الاقتصادية لعام 2008-2009، والتي كان يُنظر إليها على أنها عائق كبير واجهته البلاد في ذلك الوقت.

وإذا كانت أسعار الفائدة ستبقى بأعجوبة عند الصفر، أو حتى أقل بقليل من الصفر، فمن المؤكد أنه يمكن الاستمرار على هذا النحو. ولكن لن يتطلب الأمر الكثير من الارتفاع في أسعار الفائدة حتى تصبح تكلفة خدمة ديون الحكومة عبئا ثقيلا، وهو ما يستوجب إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام.

وسوف تكون طباعة الأموال الطريقة التي تعتمدها الحكومة للخروج من الأزمة المالية. وفي حين تستطيع الحكومات طباعة النقود، فإنها لا تستطيع طباعة الموارد، وسنعود إلى وضعنا في السبعينيات عندما كانت تكلفة المعيشة في بعض الأحيان ترتفع بنسبة 30% سنويا.

العجز المالي سيصل  هذا العام إلى أكثر من 300 مليار جنيه إسترليني (رويترز)

الصحة أم الاقتصاد؟

كيف يمكن لحكومة قادت إلى أعمق ركود على الإطلاق، وفشلت جهودها في التصدي للوباء في العديد من المجالات، أن تحظى بدعم ضئيل للغاية منذ الانتخابات الأخيرة؟

نُسب مؤخرا إلى رئيس الوزراء بوريس جونسون تعليق قال فيه إنه لم يكن ليخمن أبدا مدى سهولة نزع حريات الناس، ولا مدى صعوبة إعادتها، فقسم كبير من الشعب لا يهتم بالحرمان أو الضرر الاقتصادي الناجم عن الإغلاق، بل لا يهتم إلا بخفض عدد الإصابات الجديدة وعدد الوفيات اليومية، وكل شيء آخر يمكن أن ينتظر.

وهناك عبارة اعتدنا سماعها كثيرا في بداية هذه الأزمة ولا تزال هي الاعتقاد السائد لدى العديد من البريطانيين: "الحياة أهم من المال"، ولكن الحقيقة أن الاثنين مترابطان، وأن الكارثة الاقتصادية مثلها مثل المرض، تكلف الأرواح، ومع استمرار الموجة الثانية يبدو أنه سيتم التغاضي عن كل شيء.

وسيستمر هذا الوضع طالما استمرت مخططات الإنقاذ، وطالما أن الدولة لا تزال قادرة على الإنفاق سيظل التدهور الاقتصادي فكرة مجردة، وما دام بوسع وزارة الخزانة المحافظة على الوهم الذي يفيد بأن العاطلين الفعليين عن العمل لا يزال لديهم وظائف قد يعودون إليها ذات يوم، فإن العديد من الناخبين سيظلون منشغلين بالمرض، لكن الكساد الزائف شارف على نهايته، وبعد فترة وجيزة سنكون في خضم الأزمة الحقيقية المؤلمة.

المصدر : ديلي تلغراف

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة