أضرار جسيمة وحكومة عاجزة.. كيف يفاقم انفجار بيروت الأزمة الاقتصادية بلبنان؟

مسؤولو الميناء كانوا على دراية بالمخاطر التي تنطوي على تخزين نترات الأمونيوم بالمرفأ (رويترز)
مسؤولو الميناء كانوا على دراية بالمخاطر التي تنطوي على تخزين نترات الأمونيوم بالمرفأ (رويترز)

كان الانفجار الذي ضرب بيروت يوم الثلاثاء الماضي قويا لدرجة أن صداه سُمع في جزيرة قبرص التي تبعد أكثر من مئتي كيلومتر، وقد أسفر عن وفاة 135 شخصا على الأقل وسقوط 5 آلاف جريح.

والتعامل مع الآثار المدمرة لهذا الانفجار سيكون صعبا في أفضل الأوقات، فكيف يصبح الوضع في خضم أزمة اقتصادية حادة تفاقمت بجائحة كوفيد-19؟

في تقرير نشره موقع "ذا كونفرسيشن" (the conversation) الأسترالي، قال الكاتب هانيس بومن إن سعر الليرة اللبنانية تراجع إلى مستويات قياسية قبل الانفجار، حيث فقدت أكثر من 80% من قيمتها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019.

ومنذ عام 1997، رُبطت الليرة رسميا بالدولار الأميركي بسعر صرف 1500 ليرة مقابل الدولار، مع استخدام العملتين بشكل كبير على نحو متبادل. لكن سعر الصرف ظل لفترة طويلة سلبيا.

ويعزى تدهور سعر العملة المحلية إلى تراكم ديون الحكومة التي اعتبرت لسنوات من بين أعلى مستويات الدين على الصعيد العالمي، إلى جانب عجز الميزان التجاري، خاصة في بلد يعتمد بشكل كبير على الواردات.

وعادة ما تتسبب هذه الأزمات في مغادرة رأس المال، مما يجعل قيمة العملة تنخفض، وظلت البلاد لسنوات تتجنب هذا المصير حيث كانت البنوك المحلية ترحب بإقراض الحكومة لأنها كانت تحصل على أسعار فائدة مرتفعة للغاية، ودائما ما يتلقى لبنان مساعدات مالية من الحكومات الخليجية الصديقة.

لبنان قد يشهد هجرة واسعة فقد أدى الانفجار لتآكل ما بقي من الثقة بالطبقة السياسية (غيتي)

تفاقم الأزمة

بحلول 2016 بدأت تحويلات المغتربين بالتراجع، وتوترت العلاقات مع الخليج، وتباطأ تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان. وفي محاولة للحفاظ على تدفق الأموال، انخرط البنك المركزي في ترتيبات اقتراض معقدة مع البنوك المحلية فيما أسماه "هندسة مالية" ولكن المنتقدين وصفوه بالمخطط الاحتيالي.

وفي ظل عدم التمكن من استرجاع الثقة الاقتصادية، وبحلول سبتمبر/أيلول 2019، لم يعد بوسع "المركزي" وقف تدفق الأموال إلى خارج البلاد. ومع هروب رأس المال، بدأت البنوك في تقنين حجم الدولارات التي يستطيع المواطنون سحبها من حساباتهم، وقد ساهم احتمال عدم تمكن اللبنانيين من الوصول لمدخراتهم بالدولار أو فقدان الليرة قيمتها إلى زيادة حالة الذعر.

ولزيادة الإيرادات، اقترحت الحكومة فرض ضرائب جديدة على التبغ والبنزين والمكالمات الصوتية عبر خدمات الرسائل مثل واتساب، وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، فنزل الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على الضريبة والتنديد بالفساد الذي ينخر الدولة، مما أجبر الحكومة على الاستقالة. وقد تراجعت قيمة العملة مع فشل الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب في تطوير إستراتيجية متماسكة لمعالجة مشاكل البلاد.

وأوضح الكاتب أن انهيار الليرة يعني أن الواردات أصبحت باهظة الثمن، كما أن معدل التضخم يرتفع بشكل كبير، مما جعل الأسر تعاني من صعوبات اقتصادية غير مسبوقة. وتشير تقديرات البنك الدولي قبل ظهور فيروس كورونا والمأساة الأخيرة إلى أن معدل الفقر قد يرتفع ويشمل 50% من الموطنين بعد أن كان يشمل ثلث السكان فقط.

الانفجار أسفر عن وفاة 135 شخصا على الأقل وسقوط 5 آلاف جريح (رويترز)

فشل أكبر

يعتبر انهيار المنظومة المالية إحدى العلامات على فشل الإدارة على نطاق واسع، والذي يعود إلى السياسات التي تم تبنيها بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990، وتختار الطبقة السياسية أعضاءها من مجموعة ضيقة من العائلات التي أمسك العديد منها بزمام السلطة لعقود.

يقول الكاتب إن هذه الطبقة السياسية تزعم أنها تمثل العديد من الطوائف في لبنان، وأنه يجري تقاسم المناصب الحكومية وفق قاعدة صارمة تستند إلى الطوائف الدينية في البلاد.

وفي الحقيقة، يمكّن هذا النظام السياسيين من تقسيم الغنائم الاقتصادية وإثراء أنفسهم، تماما كما فعلوا مع أرباح البنوك التي يمتلكون حصصا فيها، ولطالما تساهلت القوى الأجنبية من إيران والسعودية إلى الولايات المتحدة وفرنسا مع قادة لبنان، حيث كانوا يأملون في أن تكسبهم المساعدات نفوذاً في هذا البلد المهم إستراتيجياً.

وهناك من يعتبر انفجار المرفأ مثالا على الحكم الفاشل في لبنان، حيث تشير التقارير الأولية إلى أن مسؤولي الميناء كانوا على دراية بالمخاطر التي تنطوي على تخزين نترات الأمونيوم في المرفأ، ويمثل الإهمال وعدم كفاءة المسؤولين وسط هذه الكارثة نموذجا لأوجه الفشل التي لا تعد ولا تحصى.

في اليوم التالي للانفجار، امتلأت شوارع بيروت بأصوات سحب الركام حيث عمل الآلاف معا دون تلقي دعم كبير من الوكالات الرسمية المتاحة، لكن نطاق الدمار كان واسعا حيث تضررت المساكن في نطاق دائرة يبلغ قطرها ستة أميال، وتشير التقديرات الأولية إلى أن 300 ألف شخص أصبحوا بلا مأوى.

من جهة أخرى، عالجت المستشفيات، التي كانت تكافح بالفعل للتعامل مع الموجة الأولى من حالات كوفيد-19، عدد مصابين يتجاوز طاقة استيعابها.

وهناك أيضا مخاوف بشأن الإمدادات الغذائية حيث تضررت صومعة القمح الوطنية وتضرر ميناء بيروت، الأمر الذي من شأنه أن يحد من قدرة الحكومة على استيراد الغذاء. وستؤثر الأزمة الإنسانية أيضا على اللاجئين في البلاد الذين يقدر عددهم بنحو 1.5 مليون سوري و270 ألف فلسطيني.

وسارعت العديد من الحكومات الأوروبية والعربية إلى تقديم مساعدات طارئة لبيروت من أجل مساعدتها على التعافي بسرعة، وسيقدم صندوق النقد الدولي حزمة إنقاذ محتملة بتوفير الأموال التي تشتد الحاجة إليها، ولكن ستفرض خطة تقشفية.

ويبدو المستقبل القريب للبنان قاتما، ومن المرجح أن يشهد البلد هجرة واسعة النطاق، فقد أدى الانفجار إلى تآكل ما بقي من الثقة التي منحها المواطنون للطبقة السياسية، كما أن الحلول طويلة الأجل لا تتطلب أقل من تحقيق تغيير سياسي أساسي.

المصدر : الصحافة الأسترالية

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة