أزمة ارتفاع أسعار الغاز بمصر تعود وتهدد بإغلاق المصانع.. ما علاقة غاز إسرائيل بها؟

السيسي (وسط) أثناء تفقده افتتاح أحد مشروعات البتروكيماويات (مواقع التواصل الاجتماعي)
السيسي (وسط) أثناء تفقده افتتاح أحد مشروعات البتروكيماويات (مواقع التواصل الاجتماعي)

عادت أزمة ارتفاع أسعار الغاز للمصانع في مصر للواجهة مجددا بالتزامن مع تفاقم تداعيات جائحة فيروس كورونا الذي كلف البلاد نحو 130 مليار جنيه (الدولار يساوي 16 جنيها) نتيجة تراجع الإيرادات خاصة الضريبية التي تمثل أكثر من 75% من إيرادات الدولة.

إذ حذرت مجموعتا "أو سي آي.إن.في" (OCI.N.V) الهولندية للأسمدة وأدنوك (ADNOC) الإماراتية، أكبر مستهلكي الغاز الطبيعي في مصر، الأسبوع الماضي من تداعيات عدم تنافسية أسعار الغاز الطبيعي، وأعلنتا تخفيض إنتاج مصانعهما للحد من نزيف الخسائر الفادحة التي تتعرض لها.

وأشارت المجموعتان إلى أن قرار خفض الإنتاج قد يتبعه إيقاف كامل للمصانع، وتهديد نحو 50 ألف عامل، لعدم القدرة على مجابهة الخسائر الكبيرة، حيث إن تكلفة الغاز وحده تتجاوز 70% من التكلفة الإجمالية لإنتاج الأسمدة، التي تتجاوز صادراتها 1.2 مليار دولار سنويا، بالإضافة إلى أعباء أخرى.

واعتبر مستثمرون وخبراء أن قرار الحكومة المصرية بخفض سعر الغاز للصناعات إلى 4.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية في مارس/آذار الماضي لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا، غير كاف مقارنة بالأسعار العالمية (أقل من دولارين).

مصر تحولت إلى دولة منتجة ومصدرة للغاز الطبيعي بكميات كبيرة وتطمح في ريادة المنطقة في هذا المجال (مواقع التواصل الاجتماعي)

اكتفاء وتصدير وغلاء

من المفارقات أن مصر تحوّلت مجددا إلى دولة منتجة ومصدرة للغاز الطبيعي بكميات كبيرة، جعلتها تطمح لريادة المنطقة في مجال إنتاج وتصدير الغاز بفضل اكتشافات مثيرة لاحتياطات كبيرة من الغاز، وحققت اكتفاء ذاتيا في سبتمبر/أيلول 2018، وتجاوز إنتاجها 7.2 مليارات قدم يوميا.

ورغم ذلك، تتجاوز أسعار الغاز للمصانع في مصر -والتي تتراوح بين 4.5 و6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية- مثيلاتها في معظم دول العالم بأكثر من 2.5 ضعف أسعار الغاز العالمية، مما أدى إلى عدم قدرة العديد من الشركات على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وفي تقرير سابق للجزيرة نت في فبراير/شباط الماضي، اشتكى أصحاب المصانع التي تستهلك الطاقة بكثافة، من ارتفاع أسعار الغاز، ومارسوا ضغوطا برلمانية وصحفية على الحكومة المصرية لتخفيض أسعارها، لكن آراء الخبراء والمختصين انقسمت بين مؤيد ومعارض لتلك الأسعار.

وحذر حينها المجلس التصديري للصناعات الكيميائية من تراجع قدراتها الإنتاجية بأكثر من النصف، مما ترتب عليه خسارة أسواق خارجية مستوردة لمنتجات شركاتهم من الأسمدة والحديد والزجاج وغيرها التي تعتمد على الغاز الطبيعي سواء في التشغيل أو مدخلات الإنتاج.

وأُلغيت حينها العديد من طلبيات تصدير الأسمدة إلى دولة مثل البرازيل، إحدى أكثر الدول المستوردة للأسمدة حول العالم، بسبب ارتفاع أسعار الغاز في مصر، حيث يعتبر الغاز المادة الخام في صناعتها باعتباره أحد مكونات الإنتاج الرئيسية.

ما علاقة إسرائيل بالأزمة؟

توقع مصطفى محمد مصطفى وكيل لجنة الصناعة والطاقة وعضو مجلس إدارة شركة الغازات البترولية السابق، استمرار الأزمة وإغلاق المزيد من مصانع الأسمدة في مصر، قائلا "ينبغي خفض أسعار الغاز للمصانع في مصر، خاصة العاملة في مجال الأسمدة لأنه المكون الرئيسي للإنتاج فيها من أجل المنافسة في السوقين المحلي والخارجي، وإلا سنشهد المزيد من الإغلاق".

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن صناعة البتروكيماويات والأسمدة تعتمد بشكل كبير على الغاز باعتباره مادة أولية ووسيطة للإنتاج على عكس الصناعات الأخرى التي ربما تستهلك طاقة بشكل كبير كالحديد والصلب والإسمنت، ولكن الغاز ليس مكونا حيويا في إنتاجها.

ولم يستبعد وكيل لجنة الصناعة والطاقة السابق أن يكون للغاز الإسرائيلي المستورد دور كبير في بقاء الأسعار مرتفعة، مشيرا إلى أن شراء الغاز من إسرائيل بأسعار مرتفعة وضع الحكومة المصرية في موقف لا تحسد عليه، إما خسارتها وإما خسارة المصانع والمستثمرين، لكنها فضلت خسارة الطرف الثاني على ما يبدو في نهاية المطاف.

ورغم الفائض في الإنتاج، وقعت مصر وإسرائيل عقدا تجاريا لاستيراد الغاز الإسرائيلي، مثيرا للجدل، هو الأكبر بين الدولتين منذ توقيع اتفاق السلام في عام 1979 تبلغ قيمته 19.5 مليار دولار من حقول غاز إسرائيلية على مدى 15 عاما، وسط تكتم على سعر الغاز في العقود المبرمة.

ووصفته حينها وزارة البترول المصرية بأنه تطور هام يخدم المصالح الاقتصادية لكلا البلدين، حيث سيمكن هذا التطور إسرائيل من نقل كميات من الغاز الطبيعي لديها إلى أوروبا عبر مصانع الغاز الطبيعي المسال المصرية، وذلك في إطار دور مصر المتنامي كمركز إقليمي للغاز.

تناقضات الغاز في مصر

بشأن تداعيات ارتفاع أسعار الغاز المحلي، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أن تجاهل الأسعار العالمية (أسعار الغاز) في مصر المنتجة للغاز بعد الاكتشافات الضخمة في مياه المتوسط وشمال الدلتا، يدعو إلى التساؤل عن السبب الحقيقي وراء هذه السياسة التي تضر بالصناعات الوطنية بشكل كبير.

وأشار في حديثه للجزيرة نت إلى أن المشكلة ليست وليدة اليوم، ولقد حذرنا منها كما حذرت مصانع كثيرة في مصر قبل أشهر بعيدة من استمرار ارتفاع أسعار الغاز على قدرة المنتج المصري على المنافسة في الأسواق العالمية نظرا لانخفاض أسعار الغاز وارتفاع أسعار التكلفة النهائية لبعض الصناعات المرتبطة بالغاز بشكل كبير كالأسمدة.

وذهب إلى القول إن الغاز الإسرائيلي الذي تشتريه مصر منذ مطلع العام الجاري في صفقة وصفت بأنها الأضخم بين البلدين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 وتقترب من حاجز 20 مليار دولار، وهو رقم ضخم بالفعل، يجعلنا لا نستبعد تورط الحكومة المصرية في اتفاق غير عادل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة