الصراع على قطاع الطاقة الليبي.. منشآت مغلقة وخسائر ترتفع ودول تتحكم

خسائر ليبيا بسبب إغلاق حفتر للمنشآت النفطية بلغت أكثر من 6 مليارات و500 مليون دولار (رويترز)
خسائر ليبيا بسبب إغلاق حفتر للمنشآت النفطية بلغت أكثر من 6 مليارات و500 مليون دولار (رويترز)

بدأت تتضح ملامح مصالح بعض الدول المتحالفة مع الفرقاء الليبيين بعد إعلان المؤسسة الوطنية للنفط عن مفاوضات تجري بين حكومة الوفاق الوطني والدول الإقليمية التي تقف خلف إغلاق منشآت النفط، مصدر الدخل الرئيسي لليبيا.

ويسعى الفرقاء وحلفاؤهم الخارجيون إلى التنافس على عائدات النفط وهو الملف الذي سوف يتضح مصيره، قبل أن تستأنف مضخات النفط عملها بعد أن تم تعليقه بسبب القوة القاهرة.

ويقول تقرير نشره موقع "أويل برايس" (OilPrice) الأميركي للكاتب تشارلز كينيدي، إنه للمرة الأولى منذ سبع سنوات يبدو أن هنالك ضوءا في آخر النفق الليبي، ولكن في ظل المحادثات المفتوحة وقنوات الاتصال الخلفية التي يتفاوض من خلالها الحلفاء في الداخل والخارج يبدو أن التمييز بين الحقائق والشائعات والأماني بات أمرا معقدا.

ويؤكد الكاتب أن الشيء الواضح حتى الآن هو أن الجميع يتنافس من أجل النفوذ، إذ إن حكومة الوفاق الوطني لا تمتلك ما يكفي من القوة لاتخاذ القرارات على الرغم من المكاسب العسكرية التي حققتها في طرابلس ومحيطها ضد قوات حفتر.

والآن، بعد أن قررت مصر أيضا التدخل في الساحة الليبية ورسم خط أحمر قبل سرت التي تعد البوابة الإستراتيجية للمنشآت النفطية في ليبيا يبدو أن فرضيات التفاوض على عائدات النفط بدأت تتضح.

السيطرة على النفط

يوضح الكاتب أن حفتر يسيطر على النفط ولكن لا يسيطر على العائدات، وإذا تم الآن تحقيق التوازن الصحيح في القوى بشكل يسمح بالمضي قدما في المحادثات، فإن هذا الأمر سيؤدي لإعادة تشغيل المضخات في مقابل إعادة توزيع العائدات النفطية بشكل مغاير.

وهذه العائدات تذهب حاليا للبنك المركزي الليبي الذي لا يمتلك حفتر أية سيطرة عليه وتجري حاليا محادثات وراء الكواليس لتقسيم هذه العائدات قبل وصولها إلى طرابلس.

ويشير الكاتب إلى أن تقريرا في صحيفة الغارديان البريطانية كان قد تحدث عن وجود مقترحات لتقسيم أموال النفط على ثلاثة بنوك تمثل ثلاث مناطق ليبية، مع التعهد بعدم استخدامها لأغراض عسكرية، والآن تجري استشارة قادة القبائل الشرقية بشأن هذه المخططات.

وهذه الرواية لما يحدث في الساحة الليبية بدأت تنتشر في عدد من وسائل الإعلام، كما أن مؤسسة النفط الليبية التي تعد مصدرا محايدا وسط هذه التطورات أعربت عن معارضتها لهذا السيناريو ونفت وجود محادثات لتقسيم العائدات بالشكل المذكور.

ولذلك تؤكد هذه المؤسسة أن كل عائدات النفط سوف يتواصل إيداعها في الحسابات نفسها للمؤسسة مع الاحتفاظ بها لفترة معينة يتم خلالها إطلاق مسارات أخرى موازية، وبعبارة أخرى فإن عائدات النفط سوف يتم التعامل معها بشكل مختلف.

النفط في ليبيا يشكل نحو 94% من موارد البلاد (الجزيرة)

ويرى الكاتب أن أي حل يتعلق بالعائدات النفطية يجب أن تتم هيكلته وصياغته بشكل حذر جدا من أجل تجنب أكبر مخاوف المؤسسة الليبية للنفط، وهو أن يتواصل استغلال المنشآت الليبية كرأس مال سياسي مما يعرض هذه المواقع لخطر متواصل.

وهذه المخاوف تصبح أكثر وضوحا بوصول المرتزقة الروس إلى حقلي الشرارة والفيل لمساعدة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وهي خطوة قام بها هذا اللواء لإحكام قبضته وتهدف لمنع المؤسسة الليبية للنفط من استئناف الإنتاج إلى أن يتم عقد اتفاق لصالحه.

مفاوضات النفط الليبي

يشكل النفط في ليبيا نحو 94% من موارد البلاد وتتحكم حكومة الوفاق الوطني بعائدات النفط، حيث تدفع الدول إلى ليبيا أموال النفط عبر حسابات في المصرف الليبي الخارجي التابع لمصرف ليبيا المركزي بطرابلس ثم تصرف الجهات التنفيذية المتمثلة في حكومة الوفاق الأموال على بنود الميزانية العامة للدولة على جميع مناطق ليبيا بما فيها الواقعة تحت سيطرة حفتر.

وتستمر حالة القوة القاهرة في منشآت النفط بسبب إغلاق حفتر للحقول والموانئ النفطية، حيث بلغت خسائر ليبيا بسبب هذا الإغلاق أكثر من 6 مليارات و500 مليون دولار بعد 171 يوما من الإغلاق.

وقد أعلنت السفارة الأميركية في ليبيا أن خبراء العمل الاقتصادي للجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا -عقب اجتماع جرى برعاية السفارة وبعثة الأمم المتحدة- أكدوا الدعم الكامل للمؤسسة الوطنية للنفط وهي ترفع القوة القاهرة عن إنتاج النفط لاستئناف عملها الحيوي نيابة عن الليبيين.

وأفاد عضو مكتب الإعلام بنقابة النفط لؤي داود بأن من المبكر الحديث عن انتهاء الصراع على عائدات النفط الليبي بعد انتهاء المفاوضات الجارية حيث تشير المؤشرات إلى مزيد من التصعيد.

وأردف داود أن "الدول المستفيدة من إغلاق النفط هي الدول ذاتها التي عوضت حصة ليبيا الغائبة عن السوق العالمي، ومن مصلحتها استمرار الاضطرابات في ليبيا لتحقيق أكبر قدر من المكاسب".

وصرح داود للجزيرة نت بأن أي تدخل خارجي في هيكلية قطاع النفط أو عائداته يسمح بتدخل جديد مستقبلا مما يعد انتهاكا للسيادة الليبية، يؤدي إلى عدم استقرار وضع قطاع الطاقة في البلاد.

ويرى أن استقرار قطاع الطاقة في ليبيا مرتبط بشكل وثيق باستقرار البلاد الذي يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي حتى وإن عادت مضخات النفط للإنتاج مجددا خلال الأيام المقبلة.

إغلاق منشآت النفط يفاقم أزمة الاقتصاد الليبي وينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن المعيشية (الجزيرة)

صراع داخلي

بدوره، نفى عضو مجلس النواب في طبرق زياد دغيم أن يكون الصراع دوليا على عائدات النفط الليبي، وقال للجزيرة نت "نحن وافقنا على إعادة تصدير وإنتاج النفط شريطة وضع العائدات النفطية في حساب مجمد جانبي، بعيدا عن حكومة الوفاق إلى حين تشكيل وحدة وطنية لجميع الليبيين".

واعتبر دغيم أن الصراع على عائدات النفط ليبي داخلي مرتبط بشكل الدولة والنظام السياسي والإداري وانعكاسه الاقتصادي على المواطن والمدن الليبية.

كما صرح بأن النفط يشكل حاليا ورقة ضغط سياسية للمفاوضات المقبلة، قائلا "إذا سيطرت حكومة الوفاق وحليفتها تركيا على عائدات النفط سينتهي أي أمل في أي تسوية سياسية أو حوار جاد" في المستقبل.

أزمة متفاقمة

من جهته، أكد المحلل الاقتصادي وحيد الجبو أن استمرار إغلاق منشآت النفط يفاقم أزمة الاقتصاد الوطني وينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن المعيشية خاصة بعد الآثار الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا بالبلاد.

وتابع في تصريحه للجزيرة نت "إذا استمر إغلاق النفط سيؤدي إلى العجز في الإيرادات العامة وارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار الليبي ونقص السيولة في المصارف التجارية كما حدث في أعوام ماضية، مما يؤدي إلى عدم قدرة حكومة الوفاق على دفع مرتبات العاملين في الدولة والصرف على بنود الميزانية العامة".

ويرى الجبو أن الحلول الحالية غير مجدية لمعالجة أزمة الصراع المحلي والدولي على قطاع النفط، مشيرا إلى أن الحل النهائي يتمثل في تنصيب أجسام سياسية جديدة منتخبة من الشعب لمنع مزيد من التدخلات الخارجية من الدول الإقليمية في مؤسسات الدولة الليبية.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

أعلن مصرف ليبيا المركزي في طرابلس أن عائدات النفط لشهر يناير/كانون الثاني الماضي وصلت إلى صفر، وأوضح المصرف أن الخسائر وصلت إلى 1.7 مليار دولار، وذلك نتيجة إغلاق الحقول والموانئ النفطية ووقف الإنتاج. تقرير: ضياء محمد/قراءة: محمد رمّال تاريخ البث: 2020/2/11

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة