أولويات السياسة وحقائق الاقتصاد.. رسائل أول تعديل وزاري في حكومة الرئيس تبون

تعديلات الرئيس الجزائري شملت كافة الوزارات ذات الطابع الاقتصادي (الجزيرة)
تعديلات الرئيس الجزائري شملت كافة الوزارات ذات الطابع الاقتصادي (الجزيرة)

لم تمض سوى أقل من 6 أشهر على تشكيل أول حكومة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون برئاسة الوزير الأول عبد العزيز جراد حتى وجد نفسه مضطرا إلى تعديلها تحت ضغط الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، برأي مراقبين.

وأجرى تبون مساء أمس الثلاثاء تعديلا حكوميا شمل كافة الوزارات ذات الطابع الاقتصادي، مثل المالية والطاقة والمناجم والانتقال الطاقوي والفلاحة والسياحة واقتصاد المعرفة والاستشراف والإحصاء، إضافة إلى قطاعات خدماتية اجتماعية، مثل النقل والأشغال العمومية والتعليم العالي.

بالمقابل، لم يمس التغيير الوزاري وزارات السيادة، وهي الداخلية والخارجية والدفاع التي تبقى تحت إشراف الرئيس مباشرة، كما نجت من التعديل وزارة الصحة التي تواجه أزمة فيروس كورونا المستجد.

ومن أهم ما شهده التشكيل الحكومي الجديد مغادرة وزير المالية عبد الرحمن راوية، وتعيين محافظ البنك المركزي أيمن بن عبد الرحمن بدلا منه، وكذلك رحيل وزير الطاقة محمد عرقاب الذي تقلد وزارة جديدة بعنوان المناجم، فيما خلفه عبد المجيد عطار، وهو وزير سابق للموارد المائية في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بين عامي 2002 و2004، كما شغل منصب المدير التنفيذي لشركة النفط الجزائرية "سوناطراك".

وتميز التعديل بظهور وزارة جديدة للانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة يديرها الخبير شمس الدين شيتور الذي أعفي من وزارة التعليم العالي.

كما سجل التغيير تكليف بطلة الجودو الأولمبية سليمة سواكري برياضة النخبة خلفا لزميلها نور الدين مرسلي، لتكون بذلك المرأة السادسة في حكومة جراد التي حوت 40 وزيرا، دون احتساب الوزير الأول.

بريش: هيكلة الحكومة الجديدة تتمحور حول الملفات الإستراتيجية في برنامج الرئيس عبد المجيد تبون (الجزيرة)

أولويات الرئيس

وفي قراءة لخلفيات التعديل الحكومي ورهانات الرئيس تبون من ورائه، يعتقد الخبير المالي عبد القادر بريش أن التغيير الوزاري جاء لإعطاء ديناميكية جديدة لعمل الحكومة بعد مرور 6 أشهر من تشكيلها، وإضفاء المزيد من الانسجام على عملها، مشيرا إلى أن هيكلتها تتمحور حول الملفات الإستراتيجية في برنامج الرئيس الجزائري.

وخص بريش بالذكر قطاع الإحصاء والرقمنة، حيث تمت ترقيته إلى مرتبة وزارة قائمة بذاتها، وكذلك وزارة الطاقات المتجددة والتحول الطاقوي، بالنظر إلى أهمية هذا القطاع، معتبرا أن تسمية البروفيسور شمس الدين شيتور على رأسه ستقدم الإضافة النوعية، بحكم تخصصه وأبحاثه في هذا المجال.

وأضاف بريش في حديث للجزيرة نت أن "استحداث وزارة خاصة للمناجم يدخل في صلب اهتمام رئيس الجمهورية بتطوير هذا القطاع المهم، خاصة ما تعلق بالمعادن والأتربة النادرة"، معربا عن أمله في أن "تكون هناك شراكة إستراتيجية مع الصين في تطوير الصناعات المنجمية".

غير أن المتحدث يفضل تقليص الحقائب الحكومية ودمجها في تجمعات وزارية كبيرة، لتخفيض نفقات الدولة في ظل تراجع مداخيل المحروقات وتأثيرات جائحة كورونا على تراجع النشاط الاقتصادي، قبل أن يستدرك بالقول إن "التجزئة اقتضتها ملفات يراها رئيس الجمهورية ذات أولوية إستراتيجية في برنامجه بهدف تحقيق الفعالية والسرعة في تنفيذ الإصلاحات الجوهرية".

كما أبدى تحفظه على الاستنجاد في كل مرة بمحافظ البنك المركزي لتولي حقيبة وزارة المالية، وهو ما من شأنه أن يضعف دور البنك ويؤثر على استقراره واستقلاليته في إدارة السياسة النقدية، على حد تعبيره.

فائض وزارات

من جهة أخرى، اعتبر الخبير الاقتصادي لدى البنك الدولي محمد حميطوش أن التعديل الحكومي جاء بالدرجة الأولى لإعطاء نفس جديد للخروج من أزمة كورونا التي أدخلت الجزائر في أزمة اقتصادية، حيث "كان معدل النمو في حدود 2% لينزل إلى السالب، وستضطر السلطات إلى استهلاك احتياطها من العملة الصعبة مقابل عدم إنتاج الثروة".

وأوضح حميطوش في تصريح للجزيرة نت أن التحوير الحكومي يسعى لتقليص تكلفة الأزمة وعمرها لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الانحدار، ثم العمل على الصعود من جديد، لكن ذلك يقتضي -من وجهة نظره- الدخول في تطبيق إصلاحات هيكلية عميقة وليس فقط مباشرة إجراءات ظرفية.

حميطوش: نجاح الفريق الوزاري صعب ومرهون بعوائد وتقلبات السوق النفطي (الجزيرة)

ويتحفظ حميطوش على تقسيم الهيكل الوزاري للاقتصاد إلى عدة وزارات، مؤكدا أنه يُفترض دمجها في قطاع وزاري واحد، حيث توجد وكالات فنية لدى وزارات الطاقة والمناجم والصناعة يمكنها التكفل بالجوانب التقنية، مثل الاستكشاف والاستغلال ودفاتر الشروط.

ونفس الأمر بخصوص استحداث وزارة مستقلة للانتقال الطاقوي، حيث قال المتحدث إنها كانت تتراوح بين وزارتي الطاقة من منظور اقتصادي والبيئة من منظور التنمية المستدامة، ويكفي أن تتكفل بها دائرة (مديرية) وزارية تتولى إعداد ورقة للحقوق والواجبات للمتعاملين في القطاع.

وبشأن وزارة الرقمنة، أشار حميطوش إلى تذبذب التجربة الجزائرية منذ 20 عاما في هذا المجال، معتبرا أن الخروج من عصر الورق لا يحتاج أصلا إلى وزارة، بل يتطلب فقط برنامجا عمليا لا يتجاوز إنجازه وتطبيقه بين 3 و6 أشهر وفق تقديره، ونفس الملاحظة بشأن اقتصاد المعرفة التي رفض تخصيص وزارة لها، قائلا إنه يعني فقط كيفية نقل الاقتصاد من الإنتاج إلى الخدمات.

قيود وضبابية

أما بخصوص حظوظ الفريق الوزاري الجديد في النجاح، فقال حميطوش إن المطلوب هو رفع بعض التحفظات بشأن احتياطي العملة الصعبة وتحسين المؤشرات الاقتصادية، لكنها تبدو مأمورية صعبة في تقديره، وتبقى مرهونة في الوضع الجزائري بعوائد وتقلبات السوق النفطي.

من جهته، قال عبد القادر بريش إن الحكومة تشتغل في ظل مجموعة من القيود المالية والمطالب الاجتماعية المتزايدة، فيما لا تحظى بالإجماع السياسي بسبب الضبابية وتأثير وباء كورونا على الأجندة العامة.

ويعتبر بريش أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة سيكون في إعادة بعث العجلة الاقتصادية، وتهيئة بيئة مستقرة ومحفزة على الإنتاج والاستثمار، مع العمل على تحقيق التطوير المحلي، في ظل إحصاء 15 ألف منطقة ظل تفتقر إلى أساسيات التنمية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

من المقرر أن يدخل اتفاق منطقة التبادل الحر بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ أوائل سبتمبر/أيلول المقبل، لكن الخبراء يجمعون على خطورة تنفيذ الاتفاق في ظل الظروف الاقتصادية لهذا البلد.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة