مذكرات أسير حرب.. كيف يشرح التداول بالسجائر مفاهيم نظامنا الاقتصادي؟

مجموعة من أسرى الحرب في معتقل "ستالاغ 7" بألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية (وزارة الدفاع الأميركية)
مجموعة من أسرى الحرب في معتقل "ستالاغ 7" بألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية (وزارة الدفاع الأميركية)

تقدم مذكرات الاقتصادي الأميركي البريطاني الراحل ريتشارد رادفورد لأيام أسره في أحد المعتقلات الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية تفاصيل عن التنظيم الاقتصادي داخل معتقل أسرى قوات الحلفاء، والمثير للانتباه أن المبادلات التجارية بين الأسرى من مختلف الجنسيات واتخاذهم السجائر عملة للتداول تسلط الضوء على مفاهيم ومتغيرات في الحياة الاقتصادية قد يعيشها كل فرد منا، بغض النظر عن اختلاف الأحوال والمؤسسات التي تحكم نظامنا الاقتصادي المعاصر.

كان رادفورد -الذي ولد في بريطانيا وتوفي بأميركا- يدرس الاقتصاد في جامعة كامبريدج البريطانية، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 غادر الدراسة والتحق بالجيش البريطاني وحارب في صفوف قوات الحلفاء في حملتها على قوات المحور بمنطقة شمال أفريقيا، وهناك سقط أسيرا لدى القوات الألمانية في الأراضي الليبية عام 1942، ليمضي بقية سنوات الحرب الثلاث في معتقل بإيطاليا ثم ينقل إلى معتقل "ستالاغ 7" في جنوب ولاية بافاريا الألمانية.

وخلال سنوات سجنه كان رادفورد بحسه الاقتصادي يراقب حياة أسرى الحرب والأنشطة الاقتصادية التي تجمعهم، وعلى رأسها تبادل المواد الغذائية والسجائر التي يحصلون عليها من سجانيهم الألمان، وأساسا من معونات الصليب الأحمر الدولي.

وكانت وسيلة البيع والشراء داخل المعتقل المتعارف عليها هي السجائر حتى بالنسبة إلى غير المدخنين من الأسرى، وتأثرت الحياة الاقتصادية لهذا المجتمع المصغر بعدة عوامل رئيسية وثانوية، أهمها إمدادات الحصص الغذائية وحصص السجائر وأخبار الحرب، السلبية منها والإيجابية، ومنها تعرض المعتقل لغارات طائرات الحلفاء.

وقد دوّن رادفورد ملاحظاته عن التنظيم الاقتصادي داخل معتقل أسرى الحرب في دراسة نشرت بإحدى المجلات الاقتصادية المرموقة عام 1945، وأصبحت مرجعا ضمن المناهج الأكاديمية لتدريس الاقتصاد، وتقديم نموذج مصغر للتداخل الاقتصادي بين البشر، ودور الوسطاء فيه والجدل بين المدافعين عن حرية السوق والداعين لتدخل السلطات لتحديد الأسعار.

وقبل أن ينقل رادفورد إلى معتقله الدائم في ألمانيا قضى بضعة أسابيع في مركز اعتقال مؤقت بإيطاليا، وهناك لاحظ أن من أهم أوجه الحياة الاجتماعية داخل المعتقل تبادل السلع والخدمات بين الأسرى تبعا لرغباتهم وميولهم، فالأسرى كانوا يحصلون بشكل متساوٍ على حصص معونات بشكل منتظم من الصليب الأحمر، وتتضمن مواد غذائية وشايا وقهوة وشوكولاته وسجائر وحليبا وغيرها.

وكان تبادل السلع داخل المعتقل الإيطالي يتم بواسطة المقايضة ضمن نموذج اقتصادي بسيط، لكن هذه البساطة -يقول رادفورد- هي التي تجعل إبراز بعض السلوكيات الاقتصادية أكثر متعة وفائدة، فكان الأسير الذي لا يدخن يعطي لزميله المدخن سيجارة مقابل قطعة من الشوكولاته، ومع قدوم إمدادات أكثر للمعتقل كانت عملية التبادل تنمو بصورة أكبر.

الأسرى السيخ
ومن نماذج هذه المقايضة أن الأسرى من طائفة السيخ -التي تحرم على أفرادها أكل اللحوم- يسارعون إلى مبادلتها مع باقي الأسرى بمواد غذائية أخرى، مثل المربى أو السمن النباتي، فكانت علبة المربى تعادل 191 كيلوغراما من السمن النباتي إضافة إلى سلعة أخرى، وكانت سيجارة واحدة تعادل قطعا عديدة من الشوكولاته، في حين لا تساوي علبة من قطع الجزر تقريبا أي شيء.

وبعدما انتقل رادفورد إلى معتقله الألماني الدائم انخرط في الدورة الاقتصادية للأسرى، حيث كان يضم المعتقل قرابة 50 ألف أسير من مختلف جنسيات دول الحلفاء، من الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والروس واليوغسلاف وغيرهم.

وسرعان ما يدرك الأسير عقب دخوله المعتقل أنه ليس من المرغوب ولا الضروري أن يمنح بعض معوناته لغيره، أو يقبل هدايا منهم على شكل أغذية أو سجائر بالنظر لمحدودية الكميات المتاحة، وبدلا عن ذلك ينخرط الجميع في الاتجار بها بوصفها أكثر الطرق عدالة لتحقيق الرضا الفردي للجميع.

السجائر عملة
وكان الأسرى يتبادلون فيما بينهم كل أنواع المواد الاستهلاكية والملابس وغيرها التي يحصلون عليها مقابل السجائر أو مقابل مواد أخرى، قبل أن تتحول السجائر من مجرد سلعة إلى عملة متداولة تستخدم في عمليات البيع والشراء.

ورغم أن العملة الألمانية آنذاك (المارك) كانت موجودة داخل معتقل الأسرى فإنها لم تكن متداولة بينهم، فيستعملونها فقط لدفع ديونهم في عملية القمار أو لشراء بعض الأكل من مطعم المعتقل.

وكانت أسعار كافة السلع الغذائية معروفة للجميع في قيمتها مقابل السجائر، والتي أصبحت معيارا للقيمة، وكان الأسير يتجول بين أجنحة المعتقل عارضا ما لديه بالقول مثلا "جبن مقابل سبع سجائر"، ولكن سرعان ما تم الاستعاضة عن هذه الطريقة البدائية بوسيلة أكثر تنظيما، فأنشأ الأسرى لجنة للمبادلات ومراقبة السوق في كل جناح، وتم نشر كافة المعطيات عن السلع المعروضة وتلك المطلوبة، وأرقام غرفة الطالبين والعارضين، وغير ذلك.

جانب من معتقل أسرى الحرب من قوات الحلفاء داخل معتقل "ستالاغ 7" في ولاية بافاريا الألمانية (مواقع التواصل الاجتماعي)

تنظيم المبادلات
وكانت أي عملية بيع وشراء تمر عبر اللجنة ويتم تدوينها، مما أدى إلى أن أصبح الجميع يعرفون أسعار السلع بأعداد السجائر المسعرة بها، وساد في صفوف الأسرى إحساس بالعدالة رغم أنه ظل دائما هناك مجال للتجار الأذكياء لكي يحققوا هامش ربح من خلال اختلاف الأسعار المعتمدة بين الأجنحة، كما لم تختفِ تماما مقايضة السلع بمعزل عن السجائر.

وكان من يزور سوق السلع لدى الأسرى الفرنسيين يجد أن أسعار مسحوق القهوة مرتفعة جدا نظرا لحب الفرنسيين لها، في حين كان ثمنها متدنيا في سوق البريطانيين المعروفين بحبهم للشاي، وكان بعض التجار يجنون أرباحا كبيرة جراء هذه الفوارق في الأذواق، بل إن أغلب كميات القهوة كانت تتجاوز أسوار المعتقل لتباع بأسعار خيالية في مقاهي السوق السوداء بمدينة ميونيخ.

وكان وصول قهوة المعتقل إلى مقاهي ميونيخ من المناسبات القليلة التي يتم فيها اتصال بين الاقتصاد المغلق لمعتقل أسرى الحرب، والاقتصاد الأكبر المحيط به.

ويحكي صاحب المذكرات كيف أن الرأي العام داخل المعتقل أصبح غاضبا من الأرباح التي يحققها محتكرو بعض السلع، مثل الأسرى الفرنسيين الذين لا يعد التعامل معهم متاحا لأي أسير، فقد وضعت ضوابط للاتجار معهم من خلال منح كل مجموعة من الأسرى حصة من السلع يمكنهم مبادلتها عن طريق ممثلين معتمدين من جناح الأسرى البريطانيين.

عمالة وقروض
ورغم أن اقتصاد معتقل الأسرى كان يتم دون وجود يد عاملة ولا سلسلة إنتاج فإنه كان هناك شكل آخر من سوق العمالة، فحتى عندما لا يكون المعتقل يعاني من شح في إمدادات السجائر كان بعض الأسرى غير المحظوظين يعرضون القيام ببعض الخدمات مقابل السجائر، ومن تلك الخدمات غسل قطعة من الملابس مقابل سيجارتين.

وشيئا فشيئا دخلت القروض في المعادلة الاقتصادية إلى مجتمع المعتقل، وكان بعض المشترين يطلبون مثلا شراء السكر من التجار بقرض، سواء تمت عملية الشراء فورا أو في المستقبل.

وكان اقتصاد المعتقل يتعرض باستمرار لموجات من الانكماش حيث تقل السيولة وعمليات الشراء، وموجات من التضخم حيث تكثر السيولة ويزيد البيع والشراء، وذلك تبعا للإمدادات التي تصل للأسرى من الصليب الأحمر، فعندما تصل مخصصاتهم من السجائر بشكل منتظم أسبوعيا (ما بين 25 و50 سيجارة للأسير) تجري المعاملات التجارية بكل يسر ويستطيع الأسرى تكوين بعض المدخرات.

تقلبات الأسعار
وعندما تضطرب إمدادات الصليب الأحمر للمعتقل لأسباب مختلفة تختفي المدخرات وتنخفض الأسعار ويتراجع حجم التجارة ويميل الأسرى نحو أسلوب المقايضة، وعندما تتدفق كميات كبيرة من السجائر على المعتقل تصعد أسعار السلع بشدة، قبل أن تتراجع مع تكوين الأسرى مدخراتهم بانتظار الدفعة المقبلة من إمدادات الصليب الأحمر.

وإضافة إلى العامل الأساسي الذي يتحكم في أسعار السلع داخل المعتقل، كانت هناك عوامل أقل أهمية تؤثر أيضا، مثل وصول دفعات جديدة من الأسرى، أو وقوع غارات جوية قرب المعتقل، مما يؤدي إلى تراجع إمدادات الأغذية والسجائر، كما أن تداول البعض شائعة عن قرب وصول دفعة جديدة من إمدادات الصليب الأحمر يدفع آخرين لإنفاق ما لديهم من سجائر وبالتالي ترتفع الأسعار، وبعد ساعات يظهر زيف الشائعة فتتراجع عمليات الشراء وتنخفض الأسعار.

ورغم أن الاختلاف كبير بين النموذج الاقتصادي للمعتقل الألماني الذي قضى فيه ريتشارد رادفورد سنين من عمره وبين آليات عمل الأسواق والأسعار في الوقت الحالي فإن الدوافع والعادات والممارسات التي كانت سائدة في المعتقل تشرح بشكل مبسط ووضوح بعض المفاهيم والممارسات الأساسية الموجودة داخل النظام الاقتصادي المعاصر.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

عبر الرواية، يسرد لنا الكاتب حياة مجموعة من الأشخاص الأبرياء، والذين يختلفون بطبائعهم وسماتهم وصاروا يتشاركون المعاناة بعد أن حلت ويلات الحرب، فجردتهم من كل شيء، بما في ذلك إنسانيتهم.

ييستخدم الاستهلاك وسيلة للحصول على المكانة والتدليل عليها، ومن رحم الاستهلاك التفاخري ولد الإهدار التفاخري، فمعظم صناعة الإعلانات والدعاية المعاصرة تسعى لخلق مجتمع “مهووس بالامتلاك”.. إليكم القصة.

نضع لك في “ميدان” قائمة مُختصرة ببعض أهم العناوين الاقتصادية الجديدة، التي حاولنا فيها الجمع بين النظري والتطبيقي، والتثقيفي والاستكشافي، والتقليدي والمغاير، كمحاولة للخروج من أسر الخطاب الواحد بهذا المجال.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة