ثلاثة سيناريوهات لمواجهة كورونا.. مآلات اقتصادية مقلقة فماذا عن العرب؟

الدول الصناعية استخدمت وسائل مالية ضخمة في إطار جهودها لمحاصرة انتشار فيروس كورونا (رويترز)
الدول الصناعية استخدمت وسائل مالية ضخمة في إطار جهودها لمحاصرة انتشار فيروس كورونا (رويترز)

* سيد أحمد أبوه

واجهت البشرية في مفاصل من تاريخها أوبئة بعضها أكثر فتكا من فيروس كورونا وتمكنت في نهاية المطاف من صدها، وبمجرد أن يتمكن العالم من محاصرة فيروس كورونا المستجدة (كوفيد-19) والقضاء عليه، وبعد استعراض الثمن البشري الباهظ سيفتح الطريق واسعا أمام جرد التكلفة المالية لهذا الوباء. 

إن المتتبع لقرارات البلدان الغنية في إطار حملتها ضد كورونا لا بد وأن يدرك أن أمرا جللا ينتظر النظام الاقتصادي العالمي، وأن أسس النظام المالي الدولي قد تزعزعت بشكل كبير. 

فلقد عبأت الدول الصناعية وسائل مالية ضخمة في إطار جهودها لمحاصرة انتشار فيروس كورونا والتصدي له، وهي وسائل تعددت بتعدد آليات التدخل في كل بلد وأوجه صرف المبالغ (دعم المنظومة الصحية، دعم مختبرات الأبحاث عساها تطور لقاحا وقائيا أو علاجا للإصابة بالفيروس، توفير وسائل الوقاية، التكفل بعلاج المصابين، التكفل بمصاريف الحجر الصحي، تعويض المصانع والشركات والمؤسسات عن خسائرها جراء وقف العمل والانتاج، تعويض شركات الخدمات والفاعلين السياحيين والتكفل بخسائر السلاسل الإنتاجية). 

وفيما يتعلق بالأثر على النمو، تنشغل حاليا مختلف هيئات البرمجة الاقتصادية محلية كانت أو دولية بتقييم آثار هذا الوباء على النمو الاقتصادي. 

وستتم في أقرب الآجال مراجعة معدلات النمو المتوقعة لسنة 2020 على أساس تحيين للفرضيات بإدخال أثر المتغيرات الجديدة الناتجة عن تسيير أزمة مواجهة الوباء. 

وهكذا وعلى أساس فرضية تمكن الصين من محاصرة الفيروس وعدم تسجيل حالات وبائية في بقية بلدان العالم المصنع (فرضية لم تعد قائمة) فقد قلصت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نهاية فبراير/شباط توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي لسنة 2020 من 2.9% إلى 2.4%، وهو أدنى مستوى منذ سنة 2009. 

أما الحالة الوبائية، فقد ظهر أنها خرجت عن السيطرة أو تكاد. فقد تمت مراجعة هذا المعدل لسنة 2020 ليصل 1.5% وهو ما يعني نسف سنوات من الرخاء. 

أهم سيناريوهات أزمة كورونا
تتفاوت السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة بحسب انتشار المرض والمتغيرات والتأثيرات المصاحبة له. 

وتتوقع أكثر السيناريوهات تفاؤلا -بالسيطرة على الفيروس في الشهور الثلاثة القادمة، وبالوتيرة الحالية لانتشار الفيروس- ضياع 25 مليون فرصة عمل عبر العالم، وستدفعنا كل تلك المدخلات السابقة إلى اكتشاف ولو بعد حين أن أزمة الكساد لسنة 1929 لم تكن سوى نزهة. 

السيناريو الأول: عدم السيطرة على الفيروس في أفق ثلاثة أشهر بكل أنحاء العالم
تعني احتمالية هذا السيناريو مواصلة حصد الفيروس للآلاف من الأرواح البشرية ومواصلة تعبئة موارد مالية إضافية لإسناد المنظومة الصحية وهو ما يعني تأجيل المشاريع الاستثمارية وتحييد مشاركتها في توفير الثروة وفرص العمل. 

فلن تساعد التقلبات بأسواق الأسهم وظهور "نرفزة" في ضوابط مؤشراتها على عافية المنظومة المالية، وستقاتل الولايات المتحدة لآخر رمق دفاعا عن الدولار ولكن ليس متوقعا أن تقاتل بنفس البسالة للحد من التضخم (عدو البشرية المقبل بعد السيطرة على كورونا).  

كما ستجد المصارف حول العالم نفسها عاجزة عن توفير السيولة، ولن يكون بمقدور المصارف المركزية إنقاذها إلا بقرارات كارثية على التضخم حين يتم اللجوء لطباعة العملة دون مقابلات إنتاجية. 

ولن يكون العالم بخير حين تهتز ثقة المودعين بالمصارف، ولأن المصائب لا تأتي فرادى فقد طالبت منظمة الطيران المدني الدولي بمئتي مليار دولار تعويضا أوليا لشركات الطيران عن خسائرها جراء حظر الرحلات التجارية حتى الآن، ولم يتم بعد جرد فاتورة القطاع السياحي ولا خلاف على أنه كان من أكبر المتضررين. 

وستعيش البلدان النامية في أفريقيا، وبعض بلدان آسيا وأميركا اللاتينية، ظروفا قاسية ومجاعات نتيجة استنزاف أرصدتها من العملات الصعبة بفعل الارتفاع الصاروخي لأسعار السلع الغذائية المستوردة، وانهيار الطلب العالمي على صادراتها من المواد الأولية، ينضاف ذلك للأعداد الهائلة المتوقعة من ضحايا وباء كورونا.  

السيناريو الثاني: السيطرة على الفيروس بحلول نهاية العام في آسيا وأوروبا وأميركا 
وفق هذا السيناريو ستتداعى أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا وأستراليا لرسم معالم نظام اقتصادي عالمي جديد، وانتهاز الفرصة لإصلاح منظمة التجارة العالمية، وربما التحلل من بعض التزامات اتفاقية المناخ العالمي. 

ولن يكون من خيار أمامهم إلا أخذ العبرة من الفشل الذريع في تنسيق جهود التصدي خلال أزمة وباء كورونا. 

وسيصاحب هذا المسار التفكير في آليات جديدة لعمل النظام المالي العالمي الجديد. فالمنظومة الحالية بدت عاجزة عن مواكبة الحدث، وليس مستبعدا أن يتم تغييبها عمدا لفتح الطريق أمام مراجعات ستتم حصرا من طرف اللاعبين الكبار. 

وليس مستبعدا أيضا أن تطال المراجعات "الأمم المتحدة" -ما سيق من مبررات وأدى للتخلص من عصبة الأمم قبل 74 سنة يجد البعض وجاهته اليوم للتخلص من هذه المنظمة أو ترويضها بشكل مذل مع اختلاف جذري في السياقين- وكذلك الهيئات المتخصصة المنبثقة عنها. فمنظمة الصحة العالمية بالنسبة للبعض اكتفت بلعب دور وكالة الأنباء المتخصصة خلال أزمة وباء كورونا. 

وستحصل كل هذه المراجعات بغياب أفريقيا وأميركا اللاتينية، فقد تكون هاتان القارتان في أوج الانشغال بتسيير الآثار الكارثية للوباء، وهي آثار قد تتجاوز بكثير في فداحتها ما خلفه الوباء في الصين وفي أوروبا. 

وتلك نتيجة منطقية لرداءة المنظومة الصحية وترهل شبكات الخدمات الاجتماعية وبالأخص شبكة التزويد بالمياه الضرورية للشرب وللنظافة، ليس مستبعدا أن تتغير الديموغرافيا جذريا في بعض هذه البلدان. 

وإضافة لهذه الآثار ستتحمل البلدان النامية تبعات انسداد مسالك التموين والارتفاع الكبير لأسعار السلع الأساسية الذي ستشهده السوق العالمية، وتدهور أسعار صادراتها من المواد الأولية لضعف الطلب العالمي. 

وهذا ما ينبغي أن يدفع هذه البلدان إلى التفكير في آليات استعجالية من قبيل طلب موافقة الدائنين -الثنائيين أو متعددي الأطراف- على تعليق سداد أقساط أصول وفوائد القروض المستحقة لسنة 2020 دون أن يكون لذلك أثر على الفوائد، وهو من شأنه إيجاد فضاءات ميزانوية ينبغي توجيهها لسياسة التصدي وشبكات الأمان. 

السيناريو الثالث: السيطرة على الفيروس بحلول نهاية العام في كل أنحاء العالم 
سيكون هذا السيناريو في حال حصوله أقل كارثية على النظام الاقتصادي والمالي العالمي، إذ سيقود إلى إصلاحات جذرية لا مناص منها، ولكن دون تغييب للبلدان النامية بما سيضمن الإصغاء لأصواتها أو على الأقل عدم ظلمها بشكل فج باسم الإصلاح. 

ولن تتعافى القطاعات الرئيسية في جل بلدان العالم إلا باعتماد خطط إنقاذ شاملة متعددة السنوات، ولن تنجح أي من تلك الخطط في البلدان المصنعة إلا إذا تم تفعيل آلية الرد المنسق سواء ضمن الاتحاد الأوروبي أو مجموعة السبع. 

وهذه فرضية تبين عدم تحققها خلال أزمة الوباء، فقد ترك الاتحاد الأوروبي إيطاليا تواجه كارثتها الوبائية لوحدها، بل المفارقة أن الصين هي من تدخلت لمد يد العون لإيطاليا، وتبدو اليوم إسبانيا وفرنسا تسارعان الخطى على مسار كارثة إيطاليا. 

ولن يكون تعويل البلدان النامية على سخاء المانحين مبررا، فكل بلد سيكون منشغلا بسد الفجوة الهائلة التي خلفتها كورونا على ماليته العامة وعلى مختلف مكونات اقتصاده. 

وفي محصلة هذا السيناريو بالنسبة للتداعيات على البلدان النامية فإن الضغوط الهائلة على المالية العامة المنهكة أصلا في هذه البلدان، وتعطل الشركات وترهل شبكات الحيطة والأمان الاجتماعي -إن وجدت أصلا- قد يقود لدول فاشلة في عدة مناطق من العالم وصراعات عرقية وحروب أهلية ستوفر حاضنة جديدة للإرهاب والجريمة المنظمة. 

ولن يكون مستغربا والحالة بهذه القتامة أن خطة الإنقاذ المقبلة للاقتصاد العالمي ستكون أكبر خطة في تاريخ البشرية، فلا وجود لقطاع واحد ناج من آثار أزمة كورونا، وقد لا يكون من المسؤولية أن تحل البلدان المصنعة مشاكلها وتترك البلدان النامية تغرق في الفوضى، لكن متى كانت الأخلاق محددا للأدوار في تسيير النظام العالمي؟   

‪يجب إصلاح المنظومة المصرفية لكل بلد عربي بإحداث تكتلات بين المصارف والمؤسسات المحلية‬ (رويترز)

ماذا عن العرب؟ 
لا خلاف على أن هناك ما قبل كورونا وما بعدها، فعالم الغد سيكون بكل تأكيد مغايرا عن العالم كما كنا نعيشه قبل أسابيع، ومن الطبيعي جدا أن يكون التحول تدريجيا حسب وتيرة التعافي من وباء كورونا وفق أحد السيناريوهات الثلاثة أعلاه. 

وأمام صناع القرار في المنطقة العربية لحظات حاسمة لانتشال مجتمعاتهم واقتصاداتهم من تداعيات أزمة كورونا، فلا مناص من إصلاح المنظومة المصرفية بكل بلد عربي بإحداث تكتلات بين المصارف المحلية تفضي لمؤسسات مصرفية قادرة على لعب دور ريادي في تمويل الاقتصادات المحلية. 

لقد حان الوقت لتنويع القاعدة الإنتاجية قصد الحد من التبعية للعامل الخارجي في تموين السوق المحلي وما لذلك من أثر سلبي على استنزاف الاحتياط من العملة الصعبة، وما يترتب عليه أيضا من عدم الاطمئنان على مسالك التموين. 

وفي ذات السياق فقد حان الوقت للاعتناء بالقطاع الزراعي وعصرنة وسائل الإنتاج المعتمدة به قصد تحقيق الاكتفاء الذاتي في مرحلة أولية، والاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية بما يضمن الحد من التبعية للعامل الخارجي ومن التبعية لمورد وحيد لتغذية الموازنة والنفط والغاز في الخليج وليبيا والجزائر، الصيد والفوسفات والسياحة بالمغرب، والصيد والحديد بموريتانيا، السياحة بمصر وبتونس. 

كما أصبح لزاما تكثيف الشركات في قطاعات الأشغال العامة والصناعات التحويلية دون إهمال لقطاع الخدمات، والقادم يدعو للقلق. وليس مؤكدا أن سياسة النعامة ستظل الملاذ الآمن لمن لم يخبر قط غيرها.
______________
* خبير في إستراتيجيات التنمية

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة