الخطوط الحمراء واللاءات الـ 3.. المفاوضات التجارية بين أوروبا وبريطانيا والبداية العاصفة

حكومة جونسون قالت إنها ستستمر بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حتى نهاية يونيو/حزيران (رويترز)
حكومة جونسون قالت إنها ستستمر بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حتى نهاية يونيو/حزيران (رويترز)

                                                                          الجزيرة نت-لندن

يدخل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مفاوضات تجارية حاسمة، ستحدد مصير العلاقات بين الطرفين: إما الاتفاق على صفقة جديدة قد تقلل من خسائر البريكست، أو خروج بدون اتفاق وما يستتبع هذا الخيار من تكاليف مالية واقتصادية سواء بالنسبة للتكتل الأوروبي أو للمملكة المتحدة.

وتظهر المؤشرات -التي سبقت الانطلاقة الرسمية للمفاوضات بين الوفدين الأوروبي والبريطاني- أن المباحثات لن تكون سهلة بل قد تصل إلى طريق مسدود بعد أشهر قليلة، وهو الاحتمال الذي وضعته لندن في الحسبان من خلال ردها الرسمي على العرض الأوروبي للمفاوضات.

وعاد احتمال الخروج بدون اتفاق ليتصدر المشهد من جديد بعد أن أكدت الحكومة البريطانية أنها ستستمر في هذه المفاوضات إلى نهاية يونيو/حزيران المقبل. وفي حال عدم التوصل لاتفاق فسوف تنسحب لتحضير نفسها لسيناريو للانسحاب دون التوقيع على أي اتفاق تجاري.

منافسة عادلة
وضعُ حكومة جونسون لخيار الانسحاب -دون اتفاق على طاولة المفاوضات- مرده الخطوط الحمراء الكثيرة التي وضعها الأوروبيون للتفاوض مع البريطانيين. ولعل أهمها اشتراط بروكسل أن يتضمن الاتفاق التجاري التزاما بريطانيا بقواعد المنافسة العادلة حسب ما تقتضيه التشريعات الأوروبية.

مطلب ترد عليه لندن بأنه ينتهك سيادة البلاد التي صوت البريطانيون من أجل استعادتها من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وترى أن الحل الأنسب هو التوصل لاتفاق تجاري مشابه لذلك الذي يربط كندا بالاتحاد الأوروبي، والذي يحقق تعريفات جمركية تصل إلى 0% دون تعهد كندا بالالتزام بالقوانين الأوروبية فيما يتعلق بالتجارة وتبادل السلع.

صراع إرادات
لا يخفي المسؤولون الأوروبيون انزعاجهم مما يصفونه محاولات بريطانية للتراجع عن الالتزامات السابقة، وهو ما عبر عنه كبير المفاوضين الأوروبيين ميشيل بارنييه، عندما صرح بأن الفرق بين ما سبق والتزمت به المملكة المتحدة وما تعلن عنه بعد الانسحاب "أمر مثير للقلق".

بل إن الغضب الأوروبي بلغ مداه بالكشف عن فيتو فرنسي لرفض أي اتفاق تجاري مع بريطانيا ما لم تلتزم الأخيرة بمعايير الاتحاد فيما يتعلق بالمنتجات الغذائية والموافقة على قوانين المنافسة التجارية العادلة، ليظهر أن الاتحاد يخشى من المنافسة غير العادلة مع المنتجات الغذائية الأميركية.

ويرى الأوروبيون أن سماح بريطانيا بدخول الدجاج المغسول بالكلوروفيل من الولايات المتحدة يعاكس المعايير الأوروبية للسلامة الغذائية. كما أنه يضع مصالح الفلاحين الأوروبيين في خطر، حيث سيجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة مع الدجاج القادم من أميركا المنخفض السعر.

خط أحمر آخر وضعه الأوروبيون، وهو الاتفاق على الصيد البحري. فهم يبحثون عن اتفاق تجاري يسمح للسفن الأوروبية بالصيد في المياه البريطانية دون فرض أي رسوم، مقابل أن يسمح الاتحاد الأوروبي للبواخر البريطانية للصيد بالمياه الأوروبية، وهو المطلب الذي ترفضه لندن التي تقول إن الأولوية ستكون دائما للبحارة البريطانيين.

ولا تخشى المملكة المتحدة من إغلاق أوروبا مياهها في وجه الصيادين البريطانيين بالنظر لضآلة مساهمة قطاع الصيد في الاقتصاد حيث لا يتعدى 1%.

وعلى الرغم من إصرار البريطانيين على التفاوض للوصول إلى اتفاق مشابه للاتفاق التجاري مع كندا، فإن الاتحاد الأوروبي استبعد هذا الخيار وعبر عن ذلك ميشيل بارنييه بقوله "كندا ليست بريطانيا".

وصعد الدبلوماسي الأوروبي من لهجته عندما أكد أن التكتل الأوروبي "لن يقبل بنصف اتفاق فإما اتفاق شامل أو لا اتفاق".

تلويح الطرفين بخيار الانسحاب بدون اتفاق -قبل انطلاق المفاوضات- يؤشر على انعدام الثقة بينهما، وعدم الرغبة في تقديم أي تنازل غير محسوب خصوصا وأن بريطانيا ترفع شعار "استرجاع السيادة" بهذه المفاوضات من خلال "لاءات ثلاثة" لا تدخُل محكمة العدل العليا الأوروبية في القضايا القانونية البريطانية، ولا الالتزام بالمعايير الصحية والغذائية للاتحاد الأوروبي، ولا مشاركة لأحد في تدبير الحدود البريطانية سواء البرية أو البحرية.

‪جونسون يظهر معارضة للكثير‬ (رويترز)

الجميع خاسر
يفسر نهاد إسماعيل الخبير بالشأن الاقتصادي البريطاني تباين المواقف بين المتفاوضين بأن الاتحاد الأوروبي يتشدد مع بريطانيا حتى يجعل منها عبرة لدول أخرى ربما تراودها فكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في حين يظهر جونسون معارضة للكثير من المطالب الأوروبية لأن عينه على الاتفاق التجاري الأميركي.

لكن بحسب توقعات الخبير الاقتصادي -في حديثه مع الجزيرة نت- فإن الرهان البريطاني على الحليف الأميركي "قد يخيب" مستدلا على ذلك بشراسة الأميركيين في التفاوض التجاري "فهم يتفاوضون مع الأوروبيين سنوات ويرفضون تقديم أي تنازل كما أن أسلوبهم الجديد هو الحرب التجارية مع أي دولة تعارض مصالحهم".

وحده السماح للأميركيين بالاستثمار في القطاع الصحي قد يجعل الولايات المتحدة تظهر بعض اللين في التوصل لاتفاق تجاري مع المملكة المتحدة "لأنه قطاع ضخم والاستثمار فيه يجلب أرباحا تقدر بالمليارات".

وحتى في حال نجح جونسون في انتزاع اتفاق تجاري من الرئيس الأميركي دونالد ترامب "فإن هذا الأمر لن يحل المشكلة لبريطانيا لأنها ستخسر سوقا فيه 450 مليون مستهلك وهو ما لن تستطيع حتى الولايات المتحدة تعويضه" كما يؤكد الخبير الاقتصادي.

ولا يتوقع الخبير ذاته أن يخرج أحد منتصرا من معركة تكسير العظام التي دخل فيها الاتحاد الأوروبي مع بريطانيا. فالخروج بدون اتفاق سيكلف لندن تراجعا في قيمة الاقتصاد بنسبة 5% وتراجعا في النمو الاقتصادي عشر سنوات.

كما سيفقد الأوروبيون سوقا كانت تستورد منهم ما قيمته أربعمئة مليار دولار، مقدما المثال بسوق السيارات الألماني الذي سيخسر أربعين مليارا في حال انسحاب المملكة المتحدة بدون اتفاق.

ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن هذه المعركة التجارية بين الأوروبيين والبريطانيين "سيخرج منها الجميع خاسرا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة