أزمة الكمامات.. كورونا يغلق المصانع الصينية فكيف ستتصرف أميركا؟

حركة الحاويات في ميناء لونغ بيتش انخفضت بنسبة 40% نتيجة إغلاق المصانع الصينية (غيتي)
حركة الحاويات في ميناء لونغ بيتش انخفضت بنسبة 40% نتيجة إغلاق المصانع الصينية (غيتي)

طلبت شركة "وول مارت" -التي تُجبر الموردين أساسا على التصنيع في الصين- من المستهلكين "توفير المال وعيش حياة أفضل"، لكن كيف يمكنهم العيش بشكل أفضل إذا كانت رفوف المتاجر فارغة؟

في تدوينة نشرتها مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية، قال الكاتب جوردن شانغ إن الوضع الراهن الذي تعيشه الصين يبدو كأنه نهاية لدورها المركزي في سلاسل التوريد العالمية.

ويشعر الأميركيون بالغضب، حيث قالت المذيعة ماريا بارتيرومو: "إن قادة من عدة مستشفيات في نيويورك أخبروني أن لديهم عقودا مع شركات صينية، حيث كانوا ينتظرون معدات على غرار القفازات البلاستيكية والأقنعة (الكمامات)".

وتذكر أن كل هذه المواد كانت على متن سفن متجهة إلى الولايات المتحدة، إلى أن تراجعت الحكومة الصينية عن إرسال الطلبية واسترجعت الحمولة بحجة أنها بحاجة إليها. لذلك يتساءل الكاتب: كيف يمكن أن يثق أي شخص في الصين مرة أخرى لإنجاح الصفقات في مجال الأعمال؟

‪المتاجر الكبرى معرضة للخطر الشديد لأنها تحرص على إبقاء المخزونات عند حدها الأدنى‬  (رويترز)

نقص الأقنعة
قدم مدير السياسة التجارية والصناعية الأميركي بيتر نافارو المزيد من الأسباب لقطع الروابط مع الموردين الصينيين، وقال -في إشارة إلى أقنعة "إن 95" المستخدمة للحماية من فيروس كورونا- إن "الصين قد فرضت قيودا على تصدير هذه الأقنعة، ثم أقدمت على تأميم مصنع أميركي في الصين ينتجها".

وأشار الكاتب إلى أن فيروس كورونا كشف عن وجود ثغرة خطيرة، حيث تشهد الولايات المتحدة في الوقت الراهن نقصا في أقنعة "إن 95″، ويذكر أن هذا النوع من الأقنعة ليس الوحيد الذي يحتاجه الأميركيون.

فبالإضافة إلى ذلك، لا تستطيع المصانع في الصين العمل لأسباب من بينها الافتقار إلى الأقنعة الصناعية، لذلك اتخذت بكين خطوات للإبقاء على هذه المنتجات الصينية داخل البلاد.

وبهذا الشأن، صرّح جوناثان باس -وهو صاحب شركة في لوس أنجلوس- بأن الصين قد أظهرت أنها ستحظر تصدير الأقنعة لحماية شعبها على حساب جميع الناس، وهذا يوضح لنا أن الولايات المتحدة معرضة بشكل كبير لنزوات الصين المتمثلة في خفض صادراتها من المنتجات المتعلقة بالصحة والسلامة.

ومهما كانت أنواع السلع، فإن من المحتمل أن يتواصل انقطاع التوريد لمدة أطول مما يعتقد أغلب المحللين.

وفي ميناء لونغ بيتش (كاليفورنيا)، قال باس إن حركة الحاويات انخفضت حوالي 40% بسبب إغلاق المصانع الصينية، وكان من المقرر إعادة فتح المصانع الصينية في 9 فبراير/شباط الحالي بعد عشرة أيام من نهاية عطلة السنة القمرية الجديدة.

حيال هذا الشأن، استشهدت سيمينا ميسترينو الكاتبة في مجلة فوربس بشأن قطاع التصنيع في الصين، بالوضع الذي تعيشه مدينة تشنغدو الصينية، حيث تطلب السلطات من المصانع توفير قناعين يوميا لكل عامل.

ولبدء عملية الإنتاج، ينبغي أن يكون للمصنع مخزون من الأقنعة يسد حاجته مدة أسبوعين، ولكن لعدم توفر الأقنعة، عادت خمس شركات فقط إلى العمل من بين حوالي خمسين شركة موجودة خارج المدينة.

ومع ذلك، يبدو أن قطاعات الدفاع التابعة للدولة هي المجال الوحيد الذي استُثني من هذه البداية البطيئة.  

المصانع في الصين لا تستطيع العمل بسبب الافتقار للأقنعة الصناعية (غيتي)

عجز ملحوظ
وأورد الكاتب أن المصانع حتى لو نجحت في العمل بكامل طاقتها، فإن شركات الخدمات اللوجستية ليست على أهبة الاستعداد، حيث إن المستودعات مغلقة مما يجعل عملية الشحن صعبة للغاية.

علاوة على ذلك، تُركت الحاويات على الرصيف في ميناءي تيانجين ونينغبو لفترات طويلة، وقد حُمّلت الحاويات المتجهة إلى الولايات المتحدة بعد مرور أربعة أسابيع من الموعد المحدد.

ويعتقد البعض أن العجز سيصبح ملحوظا، ولا سيما بالنسبة لتجار التجزئة الأميركيين في منتصف أبريل/نيسان المقبل، ولكن المتاجر الكبرى معرضة للخطر بشكل خاص لأنها تحرص عموما على إبقاء المخزونات عند حدها الأدنى.

وعلى سبيل المثال، من المحتمل أن تصبح رفوف متجر وول مارت شاغرة خلال الشهر القادم، فضلا عن أن شركة آبل أعلنت -في 17 من الشهر الحالي- أنها لن تكون قادرة على تحقيق إيراداتها المتوقعة للربع الحالي، ويعزى ذلك جزئيا إلى نقص منتوجاتها من هواتف آيفون.

ومع ذلك، يُعتبر بطء الاقتصاد الصيني أشد خطورة مما يعتقد كثيرون، فبالرجوع إلى المتلازمة التنفسية الحادة الشديدة (سارس) التي ظهرت في 2002 و2003، توقع المحللون حدوث انتعاش سريع، ولكن هذه المرة قد يكون الانتعاش بطيئا، ويعود ذلك جزئيا إلى أن انقطاع التوريد أكبر بكثير مما كان عليه في ذلك الوقت، حتى أن أفضل الشركات لم تكن مستعدة لمثل هذا الفيروس.

وتعتمد شركة آبل على السوق الصينية، بيد أنها أصدرت توجيهاتها المتفائلة في 28 يناير/كانون الثاني، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من إعلانها عن عدم قدرتها على تحقيق الإيرادات المتوقعة، وهذا مؤشر على التآكل السريع في اقتصاد الصين.

‪شركة آبل أعلنت أنها لن تكون قادرة على تحقيق إيراداتها المتوقعة للربع الحالي نظرا لنقص هواتف آيفون‬ (رويترز)

التبعية الاقتصادية للصين
يعيد هذا الأمر إلى الأذهان تبعية الولايات المتحدة -فيما يتعلق بالمنتجات الأساسية- للصين، ويبدو أن مشاكل الصين ستؤدي إلى نقص في 150 دواء بعضها ليس له بدائل.

ومع ذلك، يضيف الكاتب أن بكين عبّرت الأسبوع الماضي عن رغبتها في أن تصبح جزءا مهما من سلاسل توريد منتجات الرعاية الصحية في العالم، لكن الوباء يكشف لنا أنه ينبغي علينا التحرك في الاتجاه المعاكس، ودفعنا ذلك لطرح السؤال التالي "لماذا ينبغي علينا أن نصبح أكثر عرضة للتعامل مع مورد غير موثوق به؟".

في الحقيقة، لم يكن الأجانب يمتلكون بعد نظر من الناحية الإستراتيجية عند اعتمادهم على نظام توريد سلع غير مستقر في الصين، ولكن مهما كان نوع الاعتماد فقد يؤدي في بعض الأحيان إلى مشاكل، برأي الكاتب.

وحيال هذا الشأن، قال نافارو في تصريحات له يوم الأحد الماضي "في مثل هذه الأزمات ليس لدينا حلفاء، وفي عام 2009 أثناء تفشي فيروس إنفلونزا الخنازير، لم يقدم لنا أصدقاؤنا في كل من أستراليا وبريطانيا وكندا ما نحتاجه، ورفضت أستراليا إرسال 35 مليون جرعة من اللقاح".

وجاءت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصين لتشجع -عن طريق خلق حالة من عدم اليقين فيما يتعلق بمستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين- الشركات على نقل أجزاء من سلسلة التوريد الخاصة بها إلى خارج هذا البلد الذي يشهد اضطرابات.

وأفادت المجلة بأن الشركات كانت قادرة على توفير السلع بتكلفة منخفضة عندما أنشأت مصانع في الصين، لكن العالم الآن يثمن بشكل أكبر تكلفة السلع المنخفضة التكلفة، ويشار إلى أن التوجه نحو الاكتفاء الذاتي سيجعل المنتجات أكثر تكلفة، لكنها على الأقل ستكون متوفرة.

المصدر : ناشونال إنترست

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة