قميص بـ400 جنيه لإنقاذ القطن المصري.. طموح أم إلهاء جديد؟

على مدى عقود كان القطن المصري بين الأفضل على العالم قبل أن يتراجع بفعل الإهمال والفساد (رويترز)
على مدى عقود كان القطن المصري بين الأفضل على العالم قبل أن يتراجع بفعل الإهمال والفساد (رويترز)

عبد الله حامد-القاهرة

صحوة مفاجئة انتابت الحكومة المصرية تجاه محصول القطن، في محاولة لإنعاشه مجددا، عبر تحويله إلى منتج ذي قيمة عالية ينافس بالأسواق العالمية، حيث أعلنت العمل في إنتاج قميص مصري فاخر.

ومع ازدهار زراعات القطن قبل عقود كانت معظم مدن مصر تعج بالمحالج، التي توقفت أو تقلصت مع تدهور زراعة القطن المعروف بالذهب الأبيض عالميا، وتحولت إلى مراكز لأنشطة أخرى، في حين تقف أبراج مداخن المحالج كشواهد قبور على صناعة راحلة.

وقال وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق في مداخلة هاتفية بإحدى الفضائيات، إن الوزارة تستهدف توفير منتجات قطنية جيدة، بسلسلة من المحالج المطورة، إلى جانب تطوير ثلاثة مراكز إنتاجية لتصنيع قميص أبيض فاخر خلال شهرين، يعود للمنافسة بالمستويات الفائقة الطول والطويلة، لإنتاج منتج يباع بنحو 400 دولار في الخارج بما يناسب سمعة القطن المصري، بدلا من تصدير القطن الخام.

تصريحات الوزير جاءت عقب اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لمتابعة آخر مستجدات إصلاح وتطوير شركات قطاع الأعمال العام، خاصة على صعيد مصانع ومحالج الغزل والنسيج.

وتمتلك الشركة القابضة للقطن وللغزل والنسيج ثلاث مراكز عالمية لتصدير الغزل، هي غزل المحلة وكفر الدوار والدلتا، وأظهرت نتائج أعمال الشركة عن العام الماضي إجمالي إيرادات 3.9 مليارات جنيه، وصافي خسائر 2.9 مليار جنيه (الدولار يعادل 15.5 جنيها مصريا).

وتتجاوز خطة تطوير وإعادة هيكلة شركات الغزل والنسيج مبلغ 21 مليار جنيه، تتضمن تحديث محالج القطن بما يحقق نحو ثلاث أضعاف الطاقة الإنتاجية الحالية، ودمج 22 شركة تعمل بمجال الغزل والنسيج في تسع شركات فقط، بهدف إنشاء كيانات قوية قادرة على التحول إلى الربحية، ودمج تسع شركات قطن في شركة واحدة، ليصبح إجمالي الكيانات بعد الدمج عشر شركات.

فشل الكويز

لا يستبعد خالد -وهو مشرف تشغيل بأحد مصانع النسيج الخاصة- أن تكون خطة الحكومة إعلانا لفشل اتفاقية الكويز، التي تنص على ضرورة وجود نسبة من المكون الإسرائيلي في المنسوجات المصرية المصدرة للولايات المتحدة دون جمارك.

وكان عدد المصانع العاملة ضمن اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة نحو 1100 مصنع، انخفض عددها إلى 200 فقط هي التي تقوم بالتصدير للولايات المتحدة، بحسب بيانات رسمية.

ويتوقع خالد فشل خطة الوزارة لتسويق النموذج المشار إليه في تصريحات الوزير، إذ إن تكلفة قميص بأفضل الخامات القطنية العالية الجودة، لا يمكن أن تصل أبدا للرقم المبالغ فيه وهو 400 دولار، وبالتالي لن يكون السعر منافسا عالميا.

ويوضح خالد أن عملية تحويل القطن إلى ملابس تمر بمراحل عدة، تبدأ بتجميع القطن من مناطق تجميع، ثم تصل إلى المحالج (مراكز تصنيعية بدائية لتخلية القطن من البذور والشوائب) ثم مرحلة غزل القطن، وأخيرا نسجه في صورته النهائية. 

أكبر الجرائم
وعدّ نقيب الفلاحين سابقا عبد الرحمن شكري تصريحات الوزير تخديرا للرأي العام، ونتاج ما وصفه بالعجز عن تقديم أي نجاح في الساحة الاقتصادية، وخصوصا في القطاع الزراعي الذي يجري تدميره بشدة.

وفي حديثه للجزيرة نت، دلّل شكري على عدم جدية النظام في التعامل مع الملف الزراعي بكفاءة، هو إسناد وزارة الزراعة لمسؤول مصرفي بلا خبرة زراعية، رغم وجود آلاف من أساتذة كليات الزراعة ومراكز البحوث الزراعية، باتوا مستبعدين حتى من التشاور بالشأن الزراعي.

وأكد شكري أن عملية إنتاج قميص فاخر تعنى تشجيع زراعة قطن جيد وحلج وتصنيع جيدين، مع اتخاذ إجراءات بناء على إدراك ووعي سياسيين، يدعم الفلاح في زراعته وييسر له التسويق.

ووصف الاستمرار في زراعة قطن قصير التيلة بأنه أكبر الجرائم في حق الزراعة في مصر، رغم الرفض الشديد من علماء معهد بحوث القطن، متسائلا عن دور الاتحاد التعاوني الزراعي والبرلمان ونقابات الفلاحين.

ويرى نقيب الفلاحين الأسبق أن "العسكرة تقود مصر للخراب"، لافتا إلى أن قطن العام الماضي مخزن في بيوت الفلاحين، فضلا عن مخزون ضخم من العام قبل الماضي لا يزال في المخازن، واصفا ما يجري بحق مزارعي القطن بأنه "خيانة يجب محاكمة فاعليها".

من جهته، اعتبر مجدي حمدان نائب رئيس حزب الجبهة أن تصريحات وزير قطاع الأعمال تمثل إلهاء، لأنها غير مدروسة، قائلا "لن يشتري أي مستورد خارجي منسوجات بمثل هذا السعر المبالغ فيه".
 
وفي منشور عبر موقع فيسبوك، أكد حمدان وجود مصانع في مصر تستطيع تصنيع وبيع قميص مصري فاخر جدا بخمسين دولارا فقط، وكل المطلوب من الحكومة لتشجيع الصناعة توفير القطن الأصلح لعمليات النسج كخام صافي بعد البذرة والحلج يتراوح ما بين 45 إلى 50 كيلوغراما.

وحققت الصادرات المصرية من الملابس الجاهزة خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي نحو 142.9 مليون دولار، مقابل 132 مليون دولار خلال الشهر نفسه من عام 2018، وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وذلك بارتفاع بلغ نحو 10.9 ملايين دولار، وبنسبة زيادة بلغت نحو 8.3%. 

تشكيك
يتشكك عبد العزيز -وهو مزارع حاصل على دبلوم الزراعة- في النية الحقيقية وراء خطة الحكومة الجديدة، مشيرا إلى أن الحكومة تذكرتهم كمزارعين للقطن بعد أن باتت البلاد مهددة بانخفاض حصتها من مياه النيل.
 
وأكد أن القطن محصول غير مستهلك للمياه، مؤملا ألا يكون مصير هذه الصحوة مثل سابقاتها، بالخمول من بعد النشاط.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول عبد العزيز إن الاهتمام الحقيقي بالقطن سيكون جادا لو وفرت الحكومة البذور الجيدة اللازمة لإنتاج أفخر أنواع القطن وهو جيزة 45، بدلا من بذور القطن قصير التيلة الذي دفع المزارعين لهجران زراعة القطن، إلى جانب توفير المبيدات الصالحة للفلاحين ثم إدارة عمليات تسويق محترفة بعيدا عن جشع مافيا تجارة القطن الخام.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت كمية الأقطان التي تم حلجها 388.5 ألف قنطار متري خلال الربع الأول من الموسم الزراعي للقطن 2019-2020، مقابل 537.2 ألف قنطار متري للفترة نفسها من الموسم السابق، بنسبة انخفاض قدرها 32.3%.

وتراجعت صادرات القطن المصري بنسبة 38.6% خلال الفترة نفسها، لتصل إلى 114.3 ألف قنطار، مقابل 186.1 ألف قنطار للفترة نفسها من الموسم السابق.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

أعلنت مصر اليوم عن وقف دعمها النقدي لمزارعي القطن اعتباراً من الموسم الزراعي المقبل، مرجعة الأمر إلى ضعف الإقبال على القطن المصري في الأسواق المحلية والدولية.

وقعت فضيحة مدوية حين تبين أن شركة هندية باعت منسوجات كتب عليها زورا أنها مصنوعة من القطن المصري الممتاز لشركات تجزئة أميركية، مما ألقى الضوء على أزمة إنتاج القطن المصري.

بعدما كان يحتفل بحصاد القطن المصري بالأغاني وتمول أسر مزارعيه بإيراداته أعراس أبنائها وتسدد ديونها، أصبح مستقبل هذه الزراعة معرضا للخطر بعد قرار الحكومة قبل شهر إلغاء دعمها لمزارعي القطن.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة