ليبيا.. كيف تحولت أسواق المدينة القديمة بطرابلس إلى محلات لبيع العملة؟

مواطن يستلم أمواله بعد بيع الدولار في المدينة القديمة بطرابلس (الجزيرة)
مواطن يستلم أمواله بعد بيع الدولار في المدينة القديمة بطرابلس (الجزيرة)

محمود محمد-طرابلس

كان الباعة في المدينة القديمة في العاصمة الليبية طرابلس ينادون بأعلى أصواتهم لجمع المشترين لبيع منتجاتهم الحرفية التقليدية، لكن ذلك تغير بعد زحف تجار العملة على الأسواق التقليدية وتحويلها إلى مكاتب صرافة للعملات الأجنبية.

وكانت أسواق المدينة القديمة التجارية والحرفية محصورة في أسوار المدينة المقدرة بحوالي 48 هكتارا تميزها أنماط مختلفة من المعمار التاريخي الفريد الشاهد على حضارات سابقة.

ووصل أعداد الأسواق في المدينة القديمة إلى حوالي ثلاثين سوقا، من بينها سوق الترك والرباع القديم واللفة والقزدارة والقويعة والكتب والصاغة والعطارة والنجارة والحرير والفرامل، إضافة إلى سوق الصناعات التقليدية.

وكانت هذه الأسواق متخصصة في الصوف والأقمشة والملابس والورق والحرير والكبريت والذهب والأخشاب والمستلزمات النسائية وريش النعام والتمر والعاج والملح والأحجار الكريمة والمنقوشات النحاسية والمواد الغذائية وغيرها.

وتأسست المدينة القديمة في طرابلس على يد الفينيقيين، وتحوي عددا كبيرا من المباني الأثرية التاريخية التي يعود تأسيسها لما يزيد على ثلاثة آلاف عام، ولا تزال شاهدا حيا على مراحل تاريخية مرت بها المدينة منذ القدم.

‪المدينة القديمة في طرابلس‬ (الجزيرة)

استغلال للحالة المادية
أكد الباحث والمصمم المعماري جمال اللافي أن سوق العملة استولت على محلات الحرف التقليدية وامتدت إلى العديد من الأراضي داخل المدينة القديمة، حيث هدمت بعض المباني التاريخية لبناء أسواق متعددة الأدوار لبيع العملة الأجنبية.

وأردف المهتم بدراسة العمارة الإسلامية في ليبيا قائلا "المدينة القديمة في طرابلس تمثل نمطا معماريا عمرانيا مميزا في تفاصيل فنية وزخرفية تعد مدرسة لأجيال المعماريين والحرفيين".

وتابع للجزيرة نت "الآن بعد دخول أسواق العملة على بعض أجزاء المدينة القديمة أصبح نمط أسواق العملة عشوائيا فوضويا قبيحا لا يحمل أي قيمة معمارية تنتمي للحداثة أو تحترم القيمة التاريخية للمدينة القديمة".

واعتبر اللافي في تصريحه أن المؤسسات المعنية بحماية المدينة القديمة بطرابلس تمارس دورا سلبيا، متهما جهاز إدارة المدن التاريخية بالمسؤولية تجاه تنامي حالات الهدم وتشويه معالم المدينة القديمة.

بيع الدولار
ينادي الحاج أحمد اللافي بصوت عال لبيع ما لديه من دولارات بسعر السوق في المدينة القديمة بطرابلس، حيث يتوقف لساعات في مزاد لشراء أو بيع الدولار.

واعتبر اللافي، وهو أحد مرتادي سوق العملة بالمدينة القديمة، أن تجار العملة الكبار استغلوا ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار الليبي لتحويل دكاكين المدينة القديمة الصغيرة إلى محلات لبيع العملة الأجنبية، مستفيدين من الحالة المادية لأصحاب هذه الدكاكين.

‪منقوشات نحاسية للصانع يوسف شويشين‬ (الجزيرة)

وأضاف اللافي للجزيرة نت "الصناعات الحرفية في المدينة القديمة لا تدر أموالا طائلة مثل تجارة العملة والذهب والفضة، حيث يأتي أحد تجار العملة ويعطي مبلغا كبيرا بحوالي 100 ألف دينار وأكثر على الباب الواحد في المحل مقابل إخراج أصحاب محلات الحرف التقليدية من السوق".

وأوضح اللافي أن تجار العملة أخذوا محلات الصناعات الحرفية دون ضوابط في غياب سلطات الدولة، وغيروا ملامحها التقليدية بطلاء جديد وغيروها إلى محلات عملة بعد أن كانت مخصصة للأردية الحريرية والأنسجة والنحاس والصناعات الحرفية التقليدية.

وتابع اللافي "المواطن الليبي لو يعطيه المصرف حقه من أموال بطاقات أرباب الأسر لا يضطر هنا أصحاب الحرف التقليدية إلى بيع دكاكينهم بالمدينة القديمة".

صنعتي ماتت
صرح نقاش النحاس يوسف شويشين بأن صنعته ماتت بسبب اعتمادها بشكل كبير على السياح، إضافة إلى عدم تشجيعها من الهيئات الخاصة بالصناعات التقليدية في الدولة.

وأضاف شويشين "تعلمت صنعة النقش على النحاس منذ حوالي 20 عاما، والآن لا أفكر أبدا في الاستمرار في هذا المجال ولا حتى تعليم أبنائي هذه الصنعة، لعدم وجود مردود لها".

وتابع "منذ زمن نعرف هذا المكان باسم سوق القزدارة وخدمة السوق العمل في القدور والنحاس، لكن الآن غير مقبول تحول السوق إلى مكاتب عملة وسوق ذهب ومقاه ودكاكين قدور ونحاس جنب بعضها".

وأفاد شويشين للجزيرة نت بأن سوق القزدارة في المدينة القديمة كان يحوي أكثر من عشرين دكانا يبيع منتجات الصناعات التقليدية، لكن عددها وصل الآن إلى عشرة دكاكين فقط.

وتابع "تجار الذهب والعملة يستأجرون المحل الواحد بمبالغ خيالية أنا لا أستطيع إخراجها من عملي هذا خلال أشهر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أنفقت ليبيا ما بين عام 2012 و2018 نحو 223 مليار دولار، دون أن يكون لتلك الميزانيات أثر ملموس على الأرض من ناحية مشاريع البنية التحتية أو ارتفاع مستوى المعيشة.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة