استهداف رجال أعمال بارزين بمصر.. لماذا الآن؟

مقر شركة جهينة للصناعات الغذائية التي كان مديرها من أبرز من شملتهم الحملة الأخيرة ضد رجال الأعمال (رويترز)
مقر شركة جهينة للصناعات الغذائية التي كان مديرها من أبرز من شملتهم الحملة الأخيرة ضد رجال الأعمال (رويترز)

استهدف النظام المصري خلال أقل من شهر، وبشكل غير مسبوق، رجال أعمال يملكون كيانات تجارية كبرى، وتحفّظ على أموالهم وألقى القبض على بعضهم، ووجه إليهم تهما عدّها مراقبون سياسية ضمن ما اعتاد النظام اتهام معارضيه بها.

وكان آخر عمليات الاستهداف إلقاء أجهزة الأمن في مصر، السبت الماضي، القبض على سيد رجب السويركي مالك سلسلة المجمعات التجارية الشهيرة "التوحيد والنور"، وحبسه 15 يوما على ذمة التحقيقات معه بتهمة "الانضمام لجماعة إرهابية وتمويل أنشطتها بملايين الجنيهات"، كما جمدت أمواله ومنعت أولاده من السفر.

وسبق ذلك بأيام قرار نيابة أمن الدولة العليا حبس صفوان ثابت رئيس مجلس إدارة شركة "جهينة"، أكبر منتج للألبان والعصائر بمصر، 15 يوما على ذمة التحقيقات، بالتهمة ذاتها كما تحفظت على أمواله.

وقبل ذلك بنحو أسبوع، تضمنت قائمة لجنة التحفظ على "أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين" الأخيرة منع رجل الأعمال محمد منصور عبد الرحمن أبو عوف، وشقيقه مصطفى، من التصرف بأموالهما وأملاكهما، والتحفظ على شركتهما "ماي واي إيجيبت" (My way Egypt‎) لمستحضرات التجميل، إحدى أكبر الشركات العاملة في السوق المصرية في هذا المجال.

هذه السلسلة المتلاحقة من استهداف رجال أعمال وكياناتهم التجارية الكبرى أثارت تساؤلات عن أهدافها الحقيقية وآثارها الاقتصادية في مناخ الاستثمار والصناعة المحلية بمصر، فضلا عن انعكاساتها على شريحة عريضة من الطبقة المتوسطة والفقيرة ممن يستفيدون من تلك الكيانات المتضررة.

ورأى ناشطون أن ما حدث يأتي في سياق سعي المؤسسة العسكرية للسيطرة على الأنشطة التجارية الكبرى في مصر، وربط بعضهم القبض على ثابت باجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، مع رئيس الوزراء ووزراء الزراعة والتموين، ومسؤول بالجيش لمتابعة "المشروع القومي لإنشاء وتطوير مراكز تجميع الألبان".

غموض متعمد

الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام يرى أن هناك عدم وضوح ربما يكون متعمدا، في إخفاء الأسباب الحقيقية وراء اعتقال واستهداف رجال الأعمال، ومن ثم فإن ذلك يفتح المجال أمام تكهنات مختلفة، كل منها له حججه المنطقية الدافعة لطرحه.

وذكر -في حديثه للجزيرة نت- عددا من تلك الاحتمالات، في مقدمتها محاولة الضغط على رجال الأعمال المستهدفين للتبرع لمصلحة الدولة، وكذلك محاولة الضغط عليهم لبيع شركاتهم أو الأسهم التي يملكونها فيها لبعض الجهات النافذة التابعة في نهاية الأمر للمؤسسة العسكرية.

كما لم يستبعد عبد السلام أن يكون الدافع وراء ما حدث التأثير سلبا في الشركات المملوكة لرجال الأعمال المقبوض عليهم، عبر إفساح المجال لشركات تتبع جهات سيادية في الدولة، للسيطرة على مساحات النشاط التي كانوا يعملون بها.

وأكد الخبير الاقتصادي أنه بغض النظر عن الاحتمال الذي يقف وراء الأمر، فإن ما حدث سيؤثر سلبا بالضرورة في مناخ الاستثمار، كما سيؤثر في الطبقة الفقيرة التي توفر لها الكيانات المستهدفة سلعا بأسعار مقبولة.

في حين عدّ مصطفى شاهين، الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأميركية، أن ما حدث بحق رجال الأعمال هو عملية "استيلاء بالقوة" على الأموال دون وجه حق أو سند مقنع يسوّغ للدولة الأمر.

ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أن ما قام به النظام المصري له أسباب أخرى حقيقية ومباشرة بخلاف ما سوّغت به السلطات الأمر، ترجع جميعها إلى رغبة الجيش القديمة والمتجددة في السيطرة الكاملة على الاقتصاد وموارده بمصر، دون الاكتراث للمآلات الخطرة لذلك على الاستثمار والمواطن المصري.

مصطفى عبد السلام يرى أن هناك عدم وضوح في إخفاء الأسباب الحقيقية وراء اعتقال واستهداف رجال الأعمال (الجزيرة)

خوف على السلطة

ولفت شاهين إلى أن مرحلة الخصخصة التي مرت بها مصر أوجدت فئة من أصحاب الدخول المرتفعة التي باتت المؤسسة العسكرية مقتنعة بأن لديها أطماعا في السلطة، ومن ثم فهي تستهدف القضاء عليها بشكل كامل.

وأشار إلى أن هذا الاستهداف الذي ربما لن يتوقف عند الأسماء الأخيرة سيكون له أثر شديد السلبية في مناخ الاستثمار في البلاد، حيث سيؤدي بالضرورة إلى زيادة المخاوف من الاستثمار في مصر، وربما يدفع كثيرين لاستنقاذ أموالهم وتغيير سوق استثمارهم عبر الخروج إلى فضاءات اقتصادية أخرى أكثر أمنا.

في المقابل يربط الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب تقدير أثر ما حدث بما يتوفر لدى السلطات من مستندات ودلائل وقرائن صاحبت قرارات القبض على رجال الأعمال.

وأوضح -في حديثه للجزيرة نت- أنه في حال كانت هناك أدلة مؤكدة على وجود مخالفات في أعمالهم، فإن ذلك سيكون له أثر إيجابي، حيث سيظهر كرسالة قوية بأن القانون يطبق على الجميع ولا يستثني أحدا، حتى كبار رجال الأعمال الذين ربما يظن بعض الناس أنهم لا يخضعون للقانون لما لهم من امتيازات وعلاقات.

عبد المطلب لفت إلى أنه إن لم تتوفر حيثيات قوية لاستهداف رجال الأعمال فإن ذلك سيترك أثرا سلبيا في مناخ الاستثمار بمصر (الجزيرة)

قرائن مؤكدة

واستبعد عبد المطلب أن يأتي ما حدث ضمن سياق "ابتزاز" رجال الأعمال المستهدفين، مؤكدا وجود اتهامات تدعمها مستندات وقرائن، وربما هناك تحريات أو بلاغات مقدمة، مشيرا إلى أنه من الصعب القبض على رجال الأعمال المذكورين دون اتهام قائم على قرائن.

لكنه في الوقت ذاته أقر بأن بعض هذه الاتهامات ربما تكون مخالفات بسيطة، إلا أنها تظل اتهامات يعاقب عليها القانون، لافتا إلى أنه في حال اقتصر الأمر على قرائن ومسوغات ضعيفة، ولم تتوفر حيثيات قوية، فإن ذلك سيترك أثرا سلبيا في مناخ الاستثمار بالبلاد.

ورأى الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي، عمرو خليفة، أن ما حدث لرجال الأعمال المذكورين يبعث برسالة قلق إلى أي مستثمر أجنبي، وسيتجاوز ذلك إلى المستثمر المحلي الذي ربما يفكر في ضخ استثماراته خارج السوق المصرية من باب توزيع المخاطر.

وأشار خليفة -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن هذه السياسة التي يتبعها النظام في مصر تعزز توجه الاستثمارات الأجنبية في البلاد إلى مسار الاستثمارات غير المباشرة والمتمثلة في أدوات الدين التي تطرحها الحكومة المصرية بطريقة موسعة، وذلك لارتفاع العائد عليها بنسبة خطورة غير مقلقة، مقابل ما تطرحه دول أخرى.

ولم يستبعد خليفة أن يكون اعتقال رجال الأعمال وتجميد أموالهم قد حدث في سياق ابتزازهم في ظل السياسة العامة للنظام، بعد الثالث من يوليو/تموز 2013، التي ترتكز إلى السعي للحصول على تفويض ودعم علني من كل فئات الشعب المصري.

وحذّر من أن الآثار السلبية ستتضاعف في حال أقدمت الدولة من خلال القضاء على فرض حراسة على هذه الشركات، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بصورة كبيرة في مستقبل تلك الشركات التي تمس مصالح فئات عريضة من الشعب المصري.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

التهم قرار تحرير سعر صرف الجنيه أكثر من نصف قيمة مدخرات المصريين جميعا من جهة، وأدى إلى موجة كبيرة وغير مسبوقة في ارتفاع الأسعار ليصبح النصف الثاني من ثرواتهم ومدخراتهم تحت رحمة الأسعار.

16/11/2020
المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة