اقتصاد القارة العجوز يتنفس الصعداء.. الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يعلنان النصر التاريخي بعد البريكست

وثيقة الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من المراجع التاريخية، بالنظر لحجمها ومسحها لكل المجالات (الأوروبية)
وثيقة الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من المراجع التاريخية، بالنظر لحجمها ومسحها لكل المجالات (الأوروبية)

بعد 4 سنوات من المفاوضات هي الأصعب في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، توصل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، لاتفاق تجاري تاريخي، بعد أسبوع واحد فقط من نهاية المرحلة الانتقالية للبريكست.

ويسمح الاتفاق الجديد، للمنتجات والبضائع البريطانية بالاستفادة من دخول السوق الأوروبية، دون أن تتحمل رسوما جمركية، والأمر نفسه ينطبق على المنتجات الأوروبية، القادمة للأسواق البريطانية.

وظهر أن كلا الجانبين يحاول تقديم نفسه كمنتصر في هذه المفاوضات، حيث أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أن المفاوضات لم تكن سهلة لكن الاتفاق كان يستحق المعاناة، مؤكدة أن الاتحاد نجح في ضمان حقوق العمال والمواطنين الأوروبيين، قائلة "حان الوقت لطي الصفحة والتفكير في المستقبل".

أما على الجانب البريطاني، فقد لجأ المعسكر المساند للبريكست، لتسريب أخبار منذ ليلة أمس، تفيد بأن بريطانيا خرجت منتصرة من هذه المفاوضات.

وبالاطلاع على أهم تفاصيل هذا الاتفاق الذي يتضمن ألفي صفحة، يظهر أن البريطانيين حصلوا على ما يعتبرونه استعادة السيادة على حدودهم، بينما نجح الأوروبيون في اغتنام النقاط المتعلقة بالتجارة وحماية أسواقهم.

ورغم التصريحات الحادة التي صاحبت المفاوضات خصوصا في أيامها الأخيرة، قدم كل طرف تنازلات ساعدت في تحقيق هذا الاتفاق، خصوصا فيما يتعلق بالصيد البحري، ومعايير المنافسة العادلة، وآليات حل الخلافات التجارية، وهي القضايا التي ظلت شائكة حتى آخر ساعات المفاوضات، ولا أدل على ذلك من الاتصالات الخمسة في يوم واحد بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ورئيسة المفوضية الأوروبية، لوضع آخر اللمسات على الاتفاق.

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يتوصلان لاتفاق تجاري تاريخي بعد 4 سنوات من المفاوضات الصعبة (غيتي)

لا غالب ولا مغلوب

وتبقى وثيقة الاتفاق التجاري، بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، من المراجع التاريخية، بالنظر لحجمها ومسحها لكافة المجالات، بما فيها التعاون النووي، والملاحة الجوية، وحركة تنقل المواطنين والكثير من التفاصيل، التي تجعل الطرفين يحافظان على علاقات جد وثيقة، رغم "البريكست".

ونشرت مواقع بريطانية مناصرة للبريسكت وثيقة حقوقية مسربة، تفيد بأن الوفد البريطاني المفاوض نجح في الحصول على 47% من مطالبه في هذه المفاوضات، بينما أخد الوفد الأوروبي 17%، وتم التوافق على 40% من النقاط الخلافية.

وجهة نظر لا يتفق معها كثيرون سواء داخل بريطانيا أو خارجها، رغم إصرار بوريس جونسون في إعلانه عن الاتفاق، أن ما تحقق "هو انتصار" للمملكة المتحدة.

وحتى الساعات الأخيرة ظلت قضية الصيد البحري عالقة، ورغم صغر حجمها من الناحية المالية، فإن لها أهمية بالغة من الناحية السياسية، وتعني استعادة المملكة المتحدة للسيطرة على حدودها، وكانت لندن تقترح تخفيض 60% من حجم الصيد الأوروبي في مياهها بينما كان الأوروبيون يقترحون تخفيضا في حدود 25% والحفاظ على حق الصيد في المياه الإقليمية البريطانية إلى حدود 6 أميال عن اليابسة.

ووصل الطرفان لاتفاق تنازلا فيه عن بعض مطالبهما، وبموجبه يسمح للسفن الأوروبية ما مجموعه 130 ألف طن من الأسماك سنويا خلال مدة انتقالية عمرها 5 سنوات ونصف السنة وبعدها يتم التفاوض على المرحلة المقبلة.

كما حُل الخلاف حول معايير المنافسة العادلة، وكانت أوروبا تخشى من قيام الشركات البريطانية بإغراق الأسواق الأوروبية بمنتجاتها بعد الاستفادة من الإعفاء الضريبي، مطالبين بأن أي خلاف تجاري يكون مآله المحكمة العليا الأوروبية، وهو ما كان يرفضه البريطانيون، معتبرين أنه يضرب سيادة البلاد القضائية، وتم الاتفاق على تعيين لجنة مستقلة مشتركة بين الطرفين للبتّ في أي خلافات تجارية بين الطرفين.

وتخلى كل وفد عن تشدده في التعامل مع ما يسمى معايير المنتجات الغذائية والفلاحية، حيث تعهد الاتحاد الأوروبي بأنه لن يلجأ لأي خطوة أحادية الجانب لصد الأبواب أمام المنتجات البريطانية في حال تغيير معاييرها وإنما سيوكل الأمر للجنة مستقلة للبتّ في هذا الملف.

الاتفاق التجاري يعد من بين الأكبر في العالم حيث تبلغ قيمته 668 مليار جنيه إسترليني (الأوروبية)

خبر سعيد للاقتصاد

وظل شبح الخروج من دون اتفاق شاخصا حتى آخر ساعات المفاوضات، مما دفع مكتب الميزانية لإصدار إنذار أخير يقول فيه إن الاقتصاد البريطاني، سيفقد 41 مليار جنيه إسترليني خلال العام المقبل، و300 ألف وظيفة.

وساهم إعلان التوصل للاتفاق في منح الأسواق المالية، دفعة تحتاجها خصوصا بعد الإعلان عن سلالة جديدة من فيروس كورونا، حيث ارتفعت قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار.

وبحسب رئاسة الوزراء البريطانية فإن الاتفاق التجاري يعد من بين الأكبر في العالم حيث تبلغ قيمته 668 مليار جنيه إسترليني.

ومع ذلك لن تكون كل القطاعات الاقتصادية في بريطانيا مستفيدة من هذا الاتفاق.

فعلى سبيل المثال، العاملون في قطاع الخدمات الذي يساهم بنسبة 80% من الاقتصاد البريطاني، لن يستفيدوا من ولوج حر للسوق الأوروبية، بل سيكون عليهم الحصول على معادلة مؤهلاتهم وشهاداتهم من الأوروبيين.

وبينما يعم الفرح في أروقة لندن السياسية، تسود حالة من الغضب والاستنكار في أسكتلندا، التي تلقت ضربة موجعة بسبب عدم استفادة قطاع إنتاج البطاطا فيها من الدخول الحر للسوق الأوروبية، ويعتبر هذا القطاع الأهم في أسكتلندا، ويبلغ حجم معاملاته 133 مليون جنيه إسترليني، وهو ما دفع رئيسة الوزراء نيكولا ستورغن لإعلان رفضها لهذا الاتفاق وأنه ضد مصالح بلادها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ذكرت تقارير إعلامية أن وزراء بريطانيين نصحوا المتاجر الكبرى بتخزين المواد الغذائية، وسط احتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق، بجانب مساع لإقرار خطة إنقاذ للصناعات الأكثر تضررا.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة