مشاكل خطوط الأنابيب.. هل مشروع ترك ستريم محكوم عليه بالفشل؟

ISTANBUL, TURKEY - JANUARY 08: Prime Minister of Bulgaria Boyko Borissov (L), Russian President Vladimir Putin (2L), Turkish President Recep Tayyip Erdogan (2R) and Serbian President Aleksandar Vucic (R) attend the opening ceremony of the Turkstream Project on January 08, 2020 in Istanbul, Turkey. The TurkStream project comprises two underwater gas lines, each with an annual capacity of 15.75 billion cubic meters. Gas will initially flow to Turkey, while a combination of existing and new pipelines will subsequently take supplies via Bulgaria to Serbia and then on to Hungary. Russia is building TurkStream and doubling the capacity of NordStream across the Baltic Sea to Germany as part of plans to bypass Ukraine in its gas deliveries to Europe. (Photo by Burak Kara/Getty Images)
تم إطلاق خط أنابيب "ترك ستريم" بهدف استبدال مبادرة ساوث ستريم التي باءت بالفشل (غيتي)

تم إطلاق خط أنابيب "ترك ستريم" (TurkStream) بهدف استبدال مبادرة "ساوث ستريم" (South Stream) التي باءت بالفشل، والآن يبدو أن هذا المشروع أيضا على المحك، وقد يواجه المصير نفسه.

وفي تقرير نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" (national interest) الأميركية، قال الكاتب مارك إبيسكوبوس إنه قبل عقود من اندلاع احتجاجات "الميدان الأوروبي" عام 2014، وتصاعد التوترات حاليا بين روسيا والغرب، كانت روسيا تكافح من أجل إيجاد طريقة تمكنها من نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا بسعر بخس وبشكل مضمون.

واقترحت روسيا إنشاء خطوط أنابيب "نورد ستريم" (Nord Stream) و"ساوث ستريم"، حيث يربط الأول مدينة فيبورغ (أقصى غرب روسيا) بمدينة لوبمين الساحلية (شمال ألمانيا)؛ في حين أن خط الأنابيب الثاني يمر عبر البحر الأسود إلى البلقان، لمد كل من إيطاليا والنمسا بالغاز.

ولقي مشروع نورد ستريم موافقة سريعة، ومن المنتظر أن يقع توسيعه؛ لكن مشروع ساوث ستريم دخل في دوامة إعادة التفاوض التي تواصلت منذ عام 2008 إلى عام 2013، وهو يواجه تأخيرا مستمرا.

في عام 2014، اندلعت الثورة الأوكرانية، تلاها ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وأدى توتر العلاقات بين موسكو وأوكرانيا إلى مضاعفة الكرملين جهود إيجاد طرق بديلة لمدّ خطوط الغاز، التي كانت تعبر أوكرانيا في السابق.

ورأت شركة الطاقة الروسية العملاقة "غازبروم" (Gazprom) أن تركيا هي المرشح المثالي لتعويض أوكرانيا؛ لكن سرعان ما ضيّق البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية الخناق على مشروع ساوث ستريم، وسط تدهور العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

نتيجة لذلك، سحبت روسيا المشروع في ديسمبر/كانون الأول 2014، بعد حملة ضغوط مارسها الاتحاد الأوروبي ضد شركاء ساوث ستريم الأوروبيين. وأثناء زيارة له لتركيا، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن العقبات التي تحول دون تحقيق المشروع، وأبرزها عدم رغبة أوروبا في ذلك، مشيرا إلى أن زوال ساوث ستريم سوف يدفع روسيا إلى إعادة تركيز خطوط أنابيب في مناطق أخرى من العالم.

واستبدلت روسيا مشروع ساوث ستريم بترك ستريم لتعويض خسائرها من خلال تثبيت خطاها في سوق الطاقة التركي، وقد سعت روسيا بذلك إلى تحقيق هدف ثانوي يتمثل في تحويل صادرات الغاز الروسي إلى جنوب شرق أوروبا بعيدا عن الطرق المتصلة بأوكرانيا.

وقد اعتمدت روسيا منطقا إستراتيجيا واضحا في تحويل تدفقات الغاز الطبيعي بعيدا عن أوكرانيا في وقت تندلع فيه أعمال عدائية غير مسبوقة بين الدولتين.

ومن شأن هذا المشروع تحقيق العديد من الفوائد الاقتصادية، ذلك أن مد خط أنابيب يربط روسيا بالبلقان مباشرة عبر تركيا سيقلل من رسوم العبور، ليس فقط إلى أوكرانيا وإنما أيضا إلى مولدوفا ورومانيا وبلغاريا.

Pipes for the Nord Stream 2 Baltic Sea pipeline in Mukran
خط الأنابيب بالنسبة لموسكو يعد وسيلة حيوية لنقل غازها إلى الأسواق الأوروبية (رويترز)

عقبات المشروع

أشار الكاتب إلى العقبات التي واجهها مشروع ترك ستريم منذ بداية إنشائه في أواخر 2015، حيث جُمّدت المفاوضات بشأنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بعد إسقاط الطائرة الروسية "سوخوي سو-24" (Sukhoi Su-24) بالقرب من الحدود التركية السورية. وبعد سلسلة طويلة من المفاوضات لحل الأزمة بين أنقرة وموسكو، استؤنف العمل على مشروع ترك ستريم في صيف 2016.

انتهت أشغال مد خط الأنابيب بالكامل في عام 2019، وتم تدشينه في العام الذي يليه، واعتبرت موسكو هذا الإنجاز انتصارا للإستراتيجية الاقتصادية الروسية؛ لكن بعد مرور عام واحد، أضحى النجاح النسبي الذي أحرزه المشروع محل تشكيك، ولم تكمل صربيا بعد جزأها المزمع إنجازه في ترك ستريم، ووفقا لآخر التقديرات، لن يحدث ذلك حتى منتصف عام 2021.

أهداف إستراتيجية

إن أحد الأهداف الإستراتيجية الأساسية التي كان من المنتظر تحقيقها من مشروع ترك ستريم هو فصل أوكرانيا عن صادرات الغاز الطبيعي الروسية الموجهة إلى جنوب شرق أوروبا؛ لكن دراسة جديدة أجراها "معهد بحوث الاحتكارات الطبيعية الروسي" (IPEM) أثبتت أن ذلك مستحيل بالنظر إلى مستويات الطلب الحالية من أوروبا حتى أواخر عام 2035، حيث يُتوقع أن ما يصل إلى 41 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي يجب أن يمر عبر أوكرانيا.

كما اتضح بشكل متزايد أن المشروع يواجه فشلا اقتصاديا محتوما، فوفقا للخبراء، سيستغرق خط الأنابيب حوالي 47 عاما ليصبح مربحا.

وبين الكاتب أن أداء خط الأنابيب ضعيف نسبيا نظرا للأولويات المختلفة لمشغليه، فبالنسبة لموسكو، يعد خط الأنابيب وسيلة حيوية لنقل غازها إلى الأسواق الأوروبية، بينما ترى أنقرة أن ترك ستريم مجرد فرصة أخرى لملء جيوبها.

وعلى مدى السنوات الماضية، تضاءل عبور الغاز الطبيعي الروسي عبر تركيا باستمرار إلى أذربيجان وإيران، وعزز نزاع ناغورني قره باغ العلاقات التركية الأذرية في خضم توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة.

وبالنظر إلى السياسة الخارجية التركية الأخيرة، من المتوقع أن توسع أنقرة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر والجزائر لتنأى بنفسها عن روسيا. وخارج حدود تركيا يتم تقويض مشروع ترك ستريم بواسطة ممر الغاز الجنوبي المنافس للاتحاد الأوروبي؛ لتوسيع خط أنابيب الغاز من أذربيجان إلى جنوب أوروبا عبر تركيا.

وفي الختام، قال الكاتب إن مشروع ترك ستريم يتسم بمرونة العلاقات الروسية التركية نفسها، ومع تجدد المنافسة بين موسكو وأنقرة، فإن مستقبل صادرات الغاز الروسي إلى جنوب شرق أوروبا يبقى على المحك.

المصدر : الصحافة الأميركية