المنطقة الأفريقية الحرة.. هل تملك الجزائر القدرات التنافسية في أسواق القارة؟

الجزائر تلتحق رسيما باتفاقية منطقة التبادل الحرة الأفريقية بداية 2021 (الجزيرة)
الجزائر تلتحق رسيما باتفاقية منطقة التبادل الحرة الأفريقية بداية 2021 (الجزيرة)

تستعد الحكومة الجزائرية للالتحاق رسميا بمنطقة التبادل الحرة القارية الأفريقية، في الأول من يناير/كانون الثاني 2021، عقب مصادقة البرلمان في 24 سبتمبر/أيلول الماضي على مشروع القانون المؤسس لمنطقة التجارة الحرة، الموقع بالعاصمة الرواندية كيغالي في 21 مارس/آذار 2018.

وحينها، أكد وزير التجارة كمال رزيق أن دخول هذه المنطقة سيمكن الجزائر من الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة والفرص المتاحة في القارة.

وبمقتضى هذه الاتفاقية سيتم الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية للتجارة بين البلدان الأفريقية بنسبة 90% من بنود التعريفات الجمركية، على فترة تمتد إلى 5 سنوات للدول النامية، و10% للدول الأقل نموا بداية من مطلع العام المقبل.

ولا يتجاوز حاليا حجم التبادلات التجارية الجزائرية مع المنطقة الأفريقية 3%، من إجمالي المبادلات، مما يضعها في المرتبة العشرين من إجمالي الدول الموردة للقارة، بحسب رزيق، في حين بلغ الميزان التجاري بين الجزائر ودول أفريقيا 830 مليون دولار عام 2019، وفق الأرقام الرسمية.

لذلك تعلّق السلطات الجزائرية آمالا عريضة على الاستفادة من حجم السوق الأفريقية المقدّر بـ 1.2 مليار نسمة، ومبادلات تجارية بحدود 3 تريليونات دولار، مع ناتج داخلي قاري إجمالي لـ 54 دولة أفريقية يقدر بـ 2.7 تريليون دولار.

وأعربت الجزائر، على لسان وزيرها الأول عبد العزيز جراد، عن أملها في تذليل العقبات أمام حركة التجارة البينية لفتح آفاق واسعة أمام تحقيق التنمية لبلدان القارة.

وبقدر ما يكتسي هذا التحول نحو المنطقة الأفريقية أهمية كبيرة للتجارة الخارجية، حيث تحاول الجزائر التأسيس لمنافذ برية عبر صحرائها الشاسعة، اعتمادا على طريق سيار شمال جنوب (قيد الإنجاز) في انتظار تجهيز ميناء الحمدانية بمحافظة تيبازة (49 كلم غرب العاصمة)، بالشراكة مع الصين، وهو معبر أفريقي لما يعرف بطريق الحرير الجديد، فإن خبراء يحذرون من عدم جاهزية الاقتصاد الجزائري.

الميزان التجاري بين الجزائر ودول أفريقيا بلغ 830 مليون دولار عام 2019 وفق وزارة التجارة (الجزيرة)

خيار إستراتيجي

وقال الأستاذ بالمدرسة الوطنية العليا التجارة عبد القادر بريش إن انضمام الجزائر إلى منطقة التجارة الحرة الأفريقية يعتبر خيارا إستراتيجيا، وفرصة من أجل تنويع الصادرات ومحاور الشراكات الاقتصادية وفق قاعدة "الكل رابح" وتحقيق هدف تقليص التبعية لقطاع المحروقات.

وأوضح أن القدرات الكامنة في الاقتصاديات الأفريقية فرصة سانحة أمام الجزائر لوضع إستراتيجية لتعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية، والاستحواذ على حصص سوقية، خاصة في الصناعات التحويلية الغذائية والتجهيزات الإلكترونية والكهرومنزلية.

وأكد بريش، في تصريح للجزيرة نت، أن الجزائر تربطها علاقات تجارية مع 24 دولة فقط من بين 54 بلدا الأعضاء بالاتحاد الأفريقي، في حين تمثل مبادلاتها التجارية أفريقيا 3% من مجموع تعاملاتها الخارجية، حيث تتركز أساسا مع دول شمال القارة، خاصة مع مصر وتونس.

من جهة أخرى، توقع بريش أن يساهم رفع التبادلات البينية الأفريقية، من 15% إلى 55% بعد 5 سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، في زيادة تدفق النقد الأجنبي، وبلوغ 5 مليارات دولار كصادرات خارج المحروقات خلال سنة 2021، وهو الهدف الذي رسمه الرئيس عبد المجيد تبون للحكومة.

ورقة ضد الاتحاد الأوروبي

واعتبر بريش أن التوجه إلى السوق الأفريقية ورقة بيد الجزائر لتخفيف الضغط الممارس من طرف الأوربيين ولإعادة التفاوض حول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي.

وشدد بريش على أن الاتحاد يبقى الشريك الأول للجزائر، وإحلاله بشراكات وتعاملات مع شركاء آخرين، على غرار السوق الأفريقية والصين وتركيا، ليس عملية سهلة على المدى القصير، وبرر لك بقرب المسافة والجاهزية اللوجستية، بالإضافة إلى القوة الاقتصادية وتنوع اقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي والتفوق التكنولوجي.

وهذا ما جعله يثير التحديات التي تفرضها السوق الأفريقية، خاصة مشكلات الجاهزية والاحترافية في التصدير وإزالة الإجراءات البيروقراطية والعراقيل الجمركية والبنكية.

كما نبه إلى أن الجزائر ليست عضوا في 12 تكتلا اقتصاديا في أفريقيا، تربطها اتفاقات ومزايا تفضيلية خاصة، لا تشملها اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية، وهذا ما قد يعيق تنافسيتها القارية، على حد تعبيره.

بريش يعتبر أن المنطقة الحرة الأفريقية خيار إستراتيجيّ لتنويع الصادرات (الجزيرة)

عدم الجاهزية

من جهة أخرى، لا يتوقع الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عية أن تحقق الجزائر كامل أهدافها الاقتصادية في أفريقيا، لأن المنطقة محل صراع هادئ بين الدول القوية، على غرار الدول الأوربية والولايات المتحدة الأميركية ثم الصين، وحتى دول نامية مثل تركيا والبرازيل، وأخرى مثل الإمارات والسعودية ومصر والمغرب ولبنان.

وقال عيّة إن التمويلات الأميركية والصينية خاصة هي أكبر محفز للدول الأفريقية لتفضيل إقامة شراكة اقتصادية وتجارية خارج القارة.

وأوضح للجزيرة نت أنه لا يوجد ضمن قائمة زبائن ولا ممولي الجزائر أي دولة أفريقية لديها تبادل تجاري يُذكر، باستثناء تونس بقيمة 0.7 مليار دولار، وحتى تصدير الإسمنت لا يتجاوز 100 مليون، وهي مادة أيضا أولية مثلها مثل البترول.

وأكد عيّة أن اتفاق الشراكة يقتضي أولا تطوير الإنتاج الوطني خارج خامّي البترول والغاز، وهو عكس ما نجده في الجزائر التي تعرف صناعتها البتروكيميائية تدهورا كبيرا بسبب تقادم آلات الإنتاج.

وأضاف أن الشركات الاقتصادية العمومية والخاصة خارج قطاع المحروقات تعيش صعوبات مالية غير مسبوقة، وحتى وحدات تركيب السيارات مصيرها مجهول.

وبخصوص المنتجات الفلاحية، فإن الجزائر تفتقد إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الغذائية الأساسية، على غرار القمح والحليب والحبوب، وعدد هائل من السلع الصناعية الغذائية، حيث تقدر فاتورة استيرادها بحوالي 9 مليارات دولار سنويا.

وأردف بأن تصدير المنتجات الفلاحية الطازجة يقتضي إمكانيات تخزين وتبريد غير متوفرة بالقدر الكافي في الجزائر، وبسبب جائحة كورونا سجلت أسعار التمور مثلا انهيارا تاريخيّا سنة 2020، نتيجة ضعف القدرات اللوجستية التصديرية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة