بعد إيقاف تراخيص الجيل الرابع.. هل يحرج المال السياسي القضاء العراقي بمعركته أمام شركات الاتصالات؟

القضاء العراقي منع تجديد تراخيص شركات الاتصالات المحلية إلى حين تسديد ديونها (مواقع التواصل)
القضاء العراقي منع تجديد تراخيص شركات الاتصالات المحلية إلى حين تسديد ديونها (مواقع التواصل)

صدم القضاء العراقي شركات الهواتف المحمولة في البلاد -"آسيا سيل" (Asiacell)، و"زين" (Zain)، و"كورك تيليكوم" (Korek Telecom)- بقراره الأخير المتضمن إبطال تجديد تراخيص عملها إلى حين تسديد الديون المترتبة عليها البالغة أكثر من 3 مليارات دولار أميركي.

وازدادت المطالبات في الآونة الأخيرة بتسديد شركات الهواتف النقالة ديونها للحكومة دون أن يكون هناك أي اكتراث للأمر، في وقت تعاني فيه خزينة الدولة عجزا ماليا، اضطر البرلمان إلى التصويت على قرار الاقتراض، ليتمكن من دفع رواتب موظفيه للأشهر الثلاثة المتبقية من العام الجاري.

وتحتكر الشركات الثلاث خدمات الاتصال في العراق منذ عام 2003 مع استمرار المطالبات باستحداث شركة وطنية منافسة لها، أو توسيع المنافسة بإدخال شركات أجنبية لتحسين الخدمات الرديئة والباهظة بالنسبة للمواطن وهو يترقب العمل بخدمة "4جي" (4G) في وقت باتت دول العالم والمنطقة تستخدم خدمة "5جي" (5G).

تأثير المال السياسي

منح الدستور العراقي القضاء سلطة مطلقة في إبطال أو إيقاف أو تصديق القرارات الصادرة من الجهات التنفيذية والتشريعية وتحديد دستوريتها من عدمها في البلاد، إلا أن قرار إبطال تراخيص شركات الاتصالات سيكون حسمه في النهاية متروكا لمحكمة التمييز للبتّ فيه وتحديد الجهة المسؤولة عن ذلك هل هي القضاء الإداري أو القضاء المدني، وفقا للخبير القانوني طارق حرب.

وللمال السياسي والتدخلات السياسية تأثير في القرارات الصادرة من القضاء بنسبة أقل بكثير من الشرائح الأخرى في الدولة العراقية، حسب رد حرب على سؤال للجزيرة نت فيما إذا كان المال السياسي سيؤدي دوره وتؤثر تدخلات الأحزاب في تغيير القرار أو الثبات عليه.

طارق حرب يرى أن للمال السياسي تأثيرا في القرارات الصادرة من القضاء بنسبة أقل بكثير من الشرائح الأخرى (الجزيرة)

انعكاسات تسديد الديون

سينعكس تسديد الشركات الثلاث الديون المترتبة عليها إيجابا على اقتصاد البلاد، وهي تعادل ما نسبته 25% تقريبا من القرض الأخير الذي صوّت عليه البرلمان، وعلى الحكومة العراقية -كما يقول الباحث الاقتصادي عقيل الأنصاري- الإسراع في أخذ جميع الضرائب والديون والغرامات من هذه الشركات وغيرها لاجتياز الأزمة الاقتصادية الحالية.

والعراق بأمس الحاجة في المرحلة الحالية إلى شركات أجنبية تدخل سوق المنافسة للاستثمار فيها، وتقدم أفضل الخدمات مثل شركات "فودافون" (Vodafone)، و"أورنج" (Orange) وغيرهما من الشركات العالمية المعروفة -حسب الأنصاري- الذي أكد للجزيرة نت أن دور هذه الشركات لن يقتصر على الاستثمار فحسب، بل على نقل التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في أوروبا والدول المحيطة أيضا.

ويرى الأنصاري أن مقترح بناء شركة محلية يحتاج إلى مدة زمنية طويلة جدا في وقت يعاني فيه العراق قلة الخبرات بهذا المستوى من التكنولوجيا المتقدمة، مؤكدا أن الإتيان بشركات أجنبية يكون أفضل من بناء أخرى محلية لأن النقطة المهمة في الأولى أنها شركات لا تدخل في الفساد ودفع الرشاوى، مما ينعكس إيجابا على قطاع الاتصالات ويسهم في نقل تجربتها الكاملة مع تأثيرها المباشر في القطاع الذي تعمل فيه، إضافة إلى القطاعات الأخرى مما يزيد من مساحة الاستثمار ونقل الاطمئنان إلى المستثمر الآخر.

حوافز ومنافسة

واقترح الباحث الاقتصادي تقديم الحكومة العراقية حوافز للشركات الأجنبية لجذبها مثل أن تقوم بإعفائها من الضرائب لكسب وجودها وخبراتها وإدخالها في سوق التنافس، منتقدا في الوقت ذاته اللجوء إلى رفع الغرامات والضرائب لتحسين الخدمات كما يحصل الآن.

ويمكن اللجوء إلى المنافسة لتحفيز الشركات على تحسين خدماتها وتقديم الأفضل منها للمواطنين مع تخفيض الأسعار، وفقا للأنصاري الذي أضاف أن دخول شركات جديدة إلى السوق العراقية يفتح المجال للمنافسة على الخدمات المقدمة والأسعار لكسب الزبون، مؤكدا أن قصر شركات الاتصالات على هذا العدد القليل لن يخدم الزبون أبدا.

وشدد الأنصاري على ضرورة الإسراع في تقديم خدمات الجيل الرابع أو الخامس، وأن تأخيرها ينعكس سلبا على القطاعات السريعة المرتبطة بالتكنولوجيا السريعة مثل الخدمات المصرفية والتعاملات الإلكترونية والتسوق الإلكتروني، مستندا بقوله إلى ما واجهه التعليم من صعوبات بسبب ضعف الإنترنت مع توسع جائحة كورونا في البلاد وانعكاساتها السلبية على التعليم الإلكتروني.

الباحث الاقتصادي عقيل الأنصاري اقترح تقديم الحكومة العراقية حوافز للشركات الأجنبية لجذبها (الجزيرة)

كارثة اقتصادية وتكنولوجية

بدورها، اعتبرت شركة "زين العراق" -وهي واحدة من الشركات المسيطرة على قطاع الاتصالات في البلاد- قرار إبطال التراخيص مجحفا وكارثيا بحق العراقيين والاقتصاد العراقي، مستغربة الإصرار على تأخير نشر خدمات الجيل الرابع الذي سيمثل عقبة في عجلة مواكبة العراق للتطور التكنولوجي في الوقت الذي يتم نشر الجيل الخامس في دول العالم والمنطقة، وفقا لرئيسها التنفيذي علي الزاهد.

وقال الزاهد -للجزيرة نت- إن قرار منح رخصة الجيل الرابع من قبل مجلس الوزراء كان قرارا إستراتيجيا وفي الاتجاه الصحيح، وسيكون له أثر كبير في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن، وسيمنع الفساد عن طريق تطبيق الحوكمة الإلكترونية وغيرها من التطبيقات.

وأضاف أنه منذ اليوم الأول من صدور قرار منح رخصة الجيل الرابع باشرت "زين العراق" باستثمار مئات الملايين من الدولارات في تطوير شبكة الجيل الرابع ونشرها، والذي بلغ نسبة فاقت الـ90% لتقديم أفضل خدمة تليق بالمشترك العراقي لمواكبة التطور التكنولوجي.

ورأى الزاهد أن قرار إيقاف نشر خدمات الجيل الرابع سينعكس سلبا على العراقيين وسيتسبب بزعزعة ثقة الشركات الاستثمارية في البلاد، مؤكدا حق شركته بالمطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي ستصيبها من هذا القرار المجحف والكارثي، وفق وصفه.

الدلفي وصف قرار منح إجازة الجيل الرابع من مجلس الوزراء بعيدا عن استشارة مجلس النواب بـ"الاستفزازي" (الجزيرة نت)

غياب التنسيق
من جانبها، سجلت لجنة الاتصالات والإعلام النيابية ملاحظاتها حول عمل شركات الاتصالات، وكان أبرزها رداءة الخدمات المقدمة في الترددات وشبكات الاتصال وعدم حصول الزبون على راحته في استخدام التطبيقات المتنوعة، إضافة إلى عدم تسديدها الديون المترتبة عليها، في وقت يواجه فيه العراق صعوبات اقتصادية وسياسية مع تفشي فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط.

ويقول عضو اللجنة علاء الدلفي إن عدد المشتركين كان قليلا عندما جددت التراخيص لهذه الشركات عام 2007 مقارنة بالأعداد الحالية، مؤكدا ضرورة جمع الضرائب من هذه الشركات لمساعدة خزينة الدولة.

وانتقد الدلفي في حديثه للجزيرة نت غياب التنسيق بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في مثل هذه الملفات المهمة التي تخص مصير البلاد، واصفا قرار منح إجازة الجيل الرابع من مجلس الوزراء بعيدا عن استشارة مجلس النواب بـ"الاستفزازي" والفاقد للمصداقية، مؤكدا ضرورة أن تكون موافقة عمل الجيل الرابع وفق الضوابط والإجراءات القانونية، ودون التأثيرات السياسية والمال السياسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة