أردوغان قبِلها.. ما أسباب استقالة وزير المالية التركي وما علاقتها بإنقاذ الاقتصاد وماذا عن الليرة؟

مراقبون رجحوا أن استقالة وزير المالية التركي قد لا تؤثر على اقتصاد البلاد (وكالة الأناضول)
مراقبون رجحوا أن استقالة وزير المالية التركي قد لا تؤثر على اقتصاد البلاد (وكالة الأناضول)

في خطوة مفاجئة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط الاقتصادية، أعلن وزير الخزانة والمالية التركي، براءات ألبيرق، الأحد استقالته من منصبه، عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام".  إثر ذلك وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مرسوم تعيين الوزير السابق لطفي ألوان ليكون وزيرا للخزانة والمالية خلفا لبراءت ألبيرق.

وجاء في المرسوم الرئاسي المنشور في الجريدة الرسمية، منتصف ليل الثلاثاء، أنه تم تعيين لطفي ألوان في منصب وزير الخزانة والمالية بعد طلب الوزير السابق ألبيرق الاستقالة والموافقة عليها.

والاثنين، أعلنت الرئاسة التركية، أنها وافقت على طلب إعفاء من المنصب تقدم به الوزير ألبيرق لأسباب صحية، وفق ما أوردت وكالة الأناضول.

وخلال السنوات الماضية، شغل لطفي ألوان (مواليد 1962) عديدا من المناصب الرفيعة في حكومات سابقة، من بينها وزارة التنمية، ووزارة المواصلات والملاحة البحرية، كما شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو.

اللافت أن إعلان استقالة ألبيرق -وهو صهر أردوغان- أتى بالتزامن مع قرار جمهوري صدر السبت بإقالة محافظ البنك المركزي مراد أويصال من منصبه، وتعيين وزير المالية الأسبق ناجي آغبال خلفا له، وسط تساؤلات عن تداعيات ذلك وانعكاساته على الاقتصاد التركي، خاصة سعر صرف الليرة الذي يشهد انخفاضا قياسيا متواصلا منذ نحو أسبوعين.

العملة التركية

سجلت الليرة التركية مستوى قياسيا منخفضا بأكثر من 30% مقابل الدولار هذا العام؛ لكن عقب إعلان استقالة ألبيرق ارتفعت قيمة الليرة أمام الدولار من 8.48 إلى 8.20 ليرات، واستمرت في الارتفاع لتبلغ 8.10 ليرات لكل دولار واحد.

وكان معهد الإحصاء التركي "تركستات" (TurkStat) أعلن الأسبوع الماضي ارتفاع معدل التضخم في تركيا في أكتوبر/تشرين الأول إلى 11.89% على أساس سنوي.

وفي آخر التصريحات التي أدلى بها وزير المالية التركي، أمام نواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، يوم السبت، أكد أن الحكومة ليست قلقة على انخفاض سعر الليرة، وليست مهتمة بارتفاع قيمة الدولار، قائلا سنجعله ينخفض إذا أردنا ذلك، وفقا لوسائل إعلام تركية.

وتزامنت فترة أداء ألبيرق مهام وزير المالية والخزانة مع أزمة اقتصادية حادة عصفت بتركيا، التي شهدت هبوط عملتها الوطنية حوالي 4 مرات مقابل الدولار الأميركي.

وألبيرق متزوج من إسراء، الابنة الكبرى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكان وزيرا للمالية منذ 2018، وشغل سابقا منصب وزير الطاقة بين عامي 2015 و2018.

استقالة غير متوقعة

ذكر مراقبون أن استقالة وزير المالية لم تكن متوقعة، وتعكس خلافات بينه وبين الرئيس أردوغان في إدارة الملف المالي بعد يومين من إقالة حاكم البنك المركزي التركي، مرجحين أن يكون قد أجبر على الاستقالة، وهذا ما يفسر لغة الخطاب المستخدمة في رسالة استقالته وعدم توجيه شكر لرئيس الجمهورية كما جرت العادة.

استقالة وزير المالية التركي جاءت عقب إقالة محافظ البنك المركزي مراد أويصال (وكالة الأنباء الأوروبية)

أسباب وسيناريوهات

ذكرت وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) أن مساعدي ألبيرق تفاجؤوا من الاستقالة، وإغلاق الأخير لهاتفه. في حين أكدت "ميديل إيست آي" (Middle East Eye) نقلا عن مصادر من داخل الحكومة أن سبب الاستقالة مرتبط بتعيين رئيس البنك المركزي الجديد، الذي يُعارض سياسات ألبيرق المالية.

وفي السياق، أرجع المحلل الاقتصادي أحمد نعيم أوغلو استقالة وزير المالية التركي إلى تعيين وزير المالية -الذي سبق ألبيرق- رئيسا جديدا للبنك المركزي، وهو شخص على خصومة معه وبينهما تنافس واضح.

ويعتقد نعيم أوغلو في حديث للجزيرة نت أن استقالة ألبيرق ربما كانت بهدف الضغط على أردوغان من أجل تعديل القرار، أو على الأقل وضع قرار المركزي بيده، أو منع رئيس المركزي الجديد من التصرف بشكل مستقل عنه.

وفسر تحسن الليرة بعد إعلان الاستقالة بأن السوق تعتبر التغيرات السياسية في المناصب الاقتصادية أمرا إيجابيا، وأن الهبوط الذي حدث لليرة مؤخرا هو هبوط كبير، وأن هذا الصعود هو لتعديل المنحنى، وهذا متعارف عليه بعد فترات الهبوط الكبيرة.

ولفت المحلل الاقتصادي التركي  إلى أن الوزير ألبيرق نجح في أدائه بوزارتي الطاقة والمالية؛ لكن الظروف لم تكن في صالحه، فضلا عن أنه لم يكن يتحكم بالملف الاقتصادي منفردا.

وكان نعيم أوغلو رسم عددا من السيناريوهات لما بعد إعلان ألبيرق استقالته؛ منها قبول أردوغان الاستقالة -حدث بالفعل- وهذا يعني أن ردة فعله ستكون قوية، وقد ينتج عنها تصفية كتلة ألبيرق في حزب العدالة، وهذا السيناريو المرغوب لدى كثير من أنصار الحزب.

تأثيرات اقتصادية

تحدث الباحث الاقتصادي في جامعة إيجه بأزمير، محمد إبراهيم، عن رفع معدل الفائدة في الجلسة ما قبل الأخيرة بإيعاز من الوزير ألبيرق للسيطرة على تراجع الليرة، ثم رفع معدل التكلفة للإقراض لليلة واحدة بحوالي 300 نقطة، ورفع متوسط التكلفة للإقراض في المركزي لحوالي 15% في الجلسة الأخيرة.

ورجح إبراهيم أن ذلك تسبب بخلاف مع الرئيس التركي الذي أقال محافظ البنك المركزي مما دفع ألبيرق للاستقالة، وقد كان آخر تصريحاته "إذا أردنا السيطرة على سعر الصرف نستطيع ذلك" في إشارة لرفع نسبة الفائدة التي يرفضها الرئيس.

يشار إلى أن أردوغان لطالما عارض الفوائد المرتفعة، وقال في وقت سابق إنه يحارب "مثلثا شيطانيا من معدلات الفائدة وأسعار الصرف والتضخم".

وقال الباحث إبراهيم للجزيرة نت إن استقالة الوزير ألبيرق أدت إلى تحسن الليرة، وهذه ردة فعل طبيعية في ضوء حجم الانتقادات التي كانت توجه لألبيرق.

وعن تأثير استقالة ألبيرق على الاقتصاد التركي، أكد إبراهيم أن مشكلة الاقتصاد في تركيا أعمق من حدث يتعلق باستقالة وزير المالية.

فالمشكلة -برأيه- تكمن في الضغط السياسي الدائم سواء على السياسات المالية أو النقدية أو السياسات الاقتصادية بشكل عام، كما أن وباء كورونا أثر بشكل كبير جدا على الاقتصاد التركي، وكذلك على أغلب الاقتصادات الناشئة.


حول هذه القصة

هوى سعر صرف الليرة التركية لأدنى مستوى منذ إلغاء أصفارها الستة مطلع عام 2005، ليسجل الدولار حوالي 8.50 ليرات للدولار الواحد، وهو ما رآه مراقبون “كارثة”. تعرف على مسار الليرة منذ أتاتورك وحتى أردوغان.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة