قلب أوروبا النابض ماليا.. كيف سرق "البركسيت" بريق لندن؟

العلاقة المستقبلية بين لندن والاتحاد الأوروبي لن تظهر إلا مع نهاية الإجراءات المؤقتة التي تم اعتمادها حاليا (رويترز)
العلاقة المستقبلية بين لندن والاتحاد الأوروبي لن تظهر إلا مع نهاية الإجراءات المؤقتة التي تم اعتمادها حاليا (رويترز)

كانت مدينة لندن تطمح لافتكاك مكانة نيويورك على عرش المراكز المالية في العالم خلال سنوات ماضية، وباتت الأوضاع فيها اليوم مختلفة جدا، إذ إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بركسيت" (Brexit) سرق من لندن الكثير من بريقها، وتحولت الجاذبية والحركية المالية إلى شعور بالتوتر والخطر.

وبالتأكيد ستكون الأضرار ملحوظة لكنها ليست مدمرة، فعادة ما تكون المراكز المالية أكثر صلابة من الأسواق التي تحتضنها في مواجهة الأزمات والصدمات، بحسب صحيفة إيكونوميست البريطانية (The Economist)، التي أضافت أنه عندما تنتهي فترة ما بعد البركسيت وتغادر بريطانيا السوق المشتركة يوم 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل، ستصبح الروابط المالية بين لندن والاتحاد الأوروبي أقل سلاسة.

وأضافت أن هذا التعبير يمكن اعتباره تلطيفا للواقع، بما أن الشركات المالية المسجلة في بريطانيا ستخسر حرية الحركة التي كانت تسمح لها ببيع الأصول والديون والاستشارات والتأمينات لزبائن من كامل أنحاء الاتحاد الأوروبي، دون أي قيود أو عراقيل، كما لو أنها من البلد نفسه.

هذا يعني أن آلاف الوظائف ومبلغا يفوق تريليون جنيه إسترليني من الأصول تم نقلها فعلا إلى داخل الاتحاد الأوروبي، في إطار رد فعل الشركات اللندنية على الانقسام الذي حدث بسبب التصويت على الخروج من الاتحاد.

ويعتبر مناصرو البركسيت أن هذه القطيعة سوف تحرر مدينة لندن من الإملاءات والقيود الأوروبية، وستعزز علاقتها مع باقي أنحاء العالم، ولكن إلى حد الآن كلما ظهرت لندن في أخبار الاقتصاد، كان الأمر يتعلق بالخسائر، كما أن فيروس كورونا زاد من حالة التوتر في المدينة، التي يصفها أحد مدراء البنوك بأنها باتت مثل "مدينة الأشباح، أو كما في فترة أعياد الميلاد عندما تخلو الشوارع من المارة".

كورونا زاد من حالة التوتر في مدينة لندن حتى أصبح الحي المالي خاليا تماما من الناس (الجزيرة)

لندن والبريكست

وتتابع الصحيفة البريطانية أن هذه العاصفة تأتي بعد عقدين من الزمن، أصبحت خلالهما لندن القلب النابض للحياة المالية في الاتحاد الأوروبي، إذ إن أغلب البنوك التي كانت تلعب دورا حيويا في هذا القطاع، تسعى للقيام بنشاطاتها الأوروبية انطلاقا من لندن.

ونتيجة لذلك أصبحت العاصمة البريطانية محورا للمالية العالمية، ليحقق مجموع صادرات الخدمات المالية لبريطانيا فائضا بلغ 44 مليار جنيه إسترليني في 2017، كما أن مساهمة هذا القطاع في الناتج القومي الخام ارتفعت، على الرغم من تأثرها الظرفي بالأزمة المالية بين 2007 و2009، وكل هذه الأنشطة المالية تمثل مصدرا هاما لجمع الضرائب، حيث إن مؤسسات الخدمات المالية تدفع حوالي 75 مليار جنيه إسترليني سنويا، وهو ما يمثل أكثر من 10% من العائدات الضريبية.

والغريب -بحسب الصحيفة- أنه منذ التصويت للخروج من الاتحاد في 2016، لم تعد الحكومة البريطانية تعتبر العاصمة مدينة ذات أولوية، وربما يكون السبب في ذلك هو أن غالبية سكان لندن صوتوا للبقاء، وهذا يجعلهم لا يحظون الآن باهتمام أنصار البركسيت الذين يتولون الحكم، والذين يدركون أنهم في الانتخابات سيحصلون على أصوات صيادي السمك وليس موظفي القطاع المالي.

ولهذا بالضبط فإن الخدمات المالية ليست جزءا مهما من اتفاق التجارة الذي يتم الآن التفاوض بشأنه مع بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوروبي)، وكأن الوزراء البريطانيون يتبنون مقولة "لندن مدينة كبيرة وذكية بما يكفي لتتحمل مسؤوليتها بمفردها".

وتشير الصحيفة إلى أنه نتيجة لهذه السياسة فإن مؤسسات الخدمات المالية توقعت أن تنتهي المفاوضات باتفاق هزيل في القطاع المالي، ولذلك قامت بعمل كبير خلال الأشهر الماضية للتخفيف من الصدمة التي قد تحدث مع مطلع العام المقبل، وذلك عبر إبرام العديد من عقود التأمين بين الشركات البريطانية والأوروبية.

كما أن بريطانيا سارعت لمنح المؤسسات المالية الأوروبية تصريحا مؤقتا للاستفادة من القوانين السارية حاليا لمدة 3 سنوات إضافية، إلا أن هذه المبادرة لم تُقابل بالمثل من الجانب الأوروبي، إذ إنه بعد انتهاء العلاقات بين الجانبين في نهاية هذا العام لن تحصل المؤسسات البريطانية على شيء أفضل من خيار "المعادلة"، الذي سيسمح لها بتقديم خدماتها للزبائن الأوروبيين بشرط أن تحكم بروكسل بأن القوانين البريطانية تتماشى مع قوانينها، كما أن هذه التسهيلات الأوروبية ستكون محدودة ويمكن في أي وقت إلغاؤها مع إشعار سابق بثلاثين يوما.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأسوأ من ذلك هو أن الاتحاد الأوروبي يبدو عازما على تقديم هذه التسهيلات في مجالات محددة حيث يكون ذلك من مصلحته هو، وبشكل يساهم في استقراره المالي، مثل مجال البنية التحتية المالية.

إذا نجحت لندن في الحفاظ على أسبقيتها على العواصم الأوروبية الأخرى ستواجه منافسة شديدة من جهات أخرى (الأوروبية)

نسبة التشغيل

وتقول الصحيفة إن بروكسل لطالما كانت واضحة بشأن ما ستفعله عندما تغادر بريطانيا السوق الأوروبية المشتركة، حيث إنها قالت للبريطانيين "إذا كنتم تريدون تقديم خدماتكم للزبائن الأوروبيين، فيجب أن يتم ذلك من داخل الاتحاد". وتبدو دوافع هذا الشرط معقدة، إذ إن بروكسل تسعى للتصرف بصلابة مع بريطانيا لردع أي دولة أخرى تفكر في المغادرة. كما أن الأمر يتعلق باستعادة السيادة الاقتصادية.

وأشارت الصحيفة إلى أن المشرعين الأوروبيين يمارسون ضغوطا على البنوك البريطانية لنقل موظفيها إلى أوروبا. وقد استجابت العديد من البنوك لهذا الأمر، وتشير الأرقام التي أعلنتها كبرى المؤسسات المالية، إلى أنه إلى حدود شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي تم نقل 7500 وظيفة على الأقل من لندن إلى داخل الاتحاد الأوروبي، وهذه الوظائف التي خسرتها لندن تضيف حوالي 4% إلى نسبة البطالة في المدينة.

وحتى إذا نجحت لندن في الحفاظ على توازنها وحركتها المالية وأسبقيتها على العواصم الأوروبية الأخرى، فإنها سوف تواجه منافسة شديدة من باقي الجهات، إذ إنها لا تزال حبيسة داخل صراع على الريادة في مواجهة نيويورك. كما أن الأسواق الآسيوية تحقق نموا سريعا.

وفي الختام قالت الصحيفة إن التأثير الكامل للبركسيت لن يكون واضحا إلا بعد سنوات، وأجزاء كبيرة من العلاقة المستقبلية بين المدينة والاتحاد الأوروبي لن تظهر إلا مع نهاية الترتيبات والإجراءات المؤقتة التي تم اعتمادها حاليا.

المصدر : إيكونوميست

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة