هل تمحو الورقة البيضاء السنوات السوداء من اقتصاد العراق؟

حكومة الكاظمي حددت 3 إلى 5 سنوات لتنفيذ الورقة البيضاء بهدف إصلاح الوضع الاقتصادي في البلاد (الصحافة العراقية)
حكومة الكاظمي حددت 3 إلى 5 سنوات لتنفيذ الورقة البيضاء بهدف إصلاح الوضع الاقتصادي في البلاد (الصحافة العراقية)

في خطوة كثرت التفسيرات والتحليلات السياسية والاقتصادية حولها، أطلقت الحكومة العراقية الأسبوع الماضي "الورقة البيضاء" الإصلاحية لمعالجة ظاهرة الفساد الإداري والاقتصادي المتفشية في البلاد، بينما توقع مختصون بالشأن الاقتصادي الرفض الشعبي لها، الأمر قد يعيد الاحتجاجات إلى الواجهة كونها تستهدف الفئات الفقيرة والمتوسطة.

ورغم الشكوك التي تشوبها، تطمح هذه الورقة إلى إعادة الاقتصاد العراقي إلى قوته ونزاهته بعد أن وصلت به الحال إلى مستويات متدنية جدا نتيجة الفساد المستشري منذ عام 2003.

والورقة البيضاء التي طرحتها الحكومة، وثيقة تضمنت آليات جديدة للإصلاح الاقتصادي وتشمل مئات الإجراءات التي تهدف لتحسين الاقتصاد واستغلال موارد البلاد بطرق وصفت بالمجدية. وتمتد الورقة في نحو 100 صفحة، على أن يكون تنفيذها بين 3 و5 سنوات.

وعن الورقة البيضاء، قال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، إنها "مشروع حل لأزمة إدارة الاقتصاد المزمنة، والاعتماد الكامل على النفط وعدم تنويع مصادر الدخل".

فشل قبل الولادة
حكم مختصون في الاقتصاد بالفشل على الورقة قبل ولادتها كونها تستهدف شريحة الموظفين ومن هم أدنى، إضافة لحاجتها لأرضية مناسبة وبيئة ملائمة عكس الوضع الحالي في العراق ولفترة أطول من التي حددت بـ 3 إلى 5 سنوات لتنفيذها.

وما يعيب الاقتصاد العراقي منذ عقود أنه مشوه ولا يتخذ نظاما معينا لإدارة نفسه، ولا يعرف هل هو نظام اشتراكي أو رأسمالي أو له اتجاه آخر، على عكس الورقة البيضاء التي جاءت وفق السياسات الاقتصادية الحديثة بما تتلاءم مع رؤية صندوق النقد والبنك الدوليين.

وحدّدت الورقة المطروحة مسارا للاقتصاد من خلال تحديد المجالات التي يمكن خصخصتها مثل الشركات العامة، وهي في الغالب شركات غير منتجة وبعضها خاسرة مع تحييدها القطاع الخاص في العراق، حسب الباحث في الشأن الاقتصادي رأفت البلداوي.

وتعتبر هذه الورقة طموحة جدا لو نظرنا إلى محاورها والحلول التي طرحتها -كما يرى البلداوي- والتي تمثل نقطة إيجابية لكنها ستؤدي إلى معوقات كثيرة تحول دون تنفيذها، إذ إن معظم المشاريع التي تناولتها الورقة متوسطة وطويلة الأجل يحتاج تنفيذها سنواتٍ عدة وأقرب الحلول لتنفيذها هو استقطاع جزء من رواتب الموظفين أو تغير سعر صرف العملة.

البلداوي: الورقة البيضاء قاسية ويتوقع فشلها ورفضها من الشارع (الجزيرة نت)

إجراءات قاسية
ووصف البلداوي هذه الإجراءات بـ "القاسية جدا" مع صعوبة تنفيذها في الوقت الحالي، وذلك أن تطبيقها لا يفترض إلا في أوقات الرخاء وليس بالظروف الاقتصادية الصعبة الحالية التي تمر بها البلاد، مع ارتفاع معدلات الفقر ومعاناة ذوي الدخل المحدود فضلا عن تأخر الرواتب.

ورجح أن تواجه الورقة برفض شعبي وبرلماني واسع يؤدي إلى إجهاضها، مشيرا إلى أن محاولة فرضها قد تدفع لعودة الاحتجاجات الشعبية بشكل أوسع وبمشاركة موظفي القطاع العام، ما قد يؤدي لتعطل مؤسسات الدولة.

وفي رده على سؤال للجزيرة نت فيما إذا كانت المدة السنوية التي حددتها الورقة وهي من 3-5 سنوات كافية لتنفيذ بنودها أم لا؟ يرى الباحث العراقي أنها بحاجة لفترة زمنية قد تصل إلى 15 سنة حتى تحقق النتائج المرجوة.

وأوضح أن بعض النفقات بالموازنة العامة هي نفقات حاكمة لا يمكن خفضها في فترة زمنية قصيرة، مع الحاجة إلى تغير سياسات الحكومات السابقة وحاجة بعض المشاريع التي تطرحها الورقة لأموالٍ طائلة، في وقت تمر به البلاد بظروف اقتصادية وسياسية صعبة.

ومن الملاحظات السلبية التي سجلها البلداوي على الورقة أنها لم تتطرق إلى معالجة الفساد ولاسيما الفساد السياسي إلا بشكل وصفه بـ"الخجول" وعدم مساهمتها في حلحلة أي جزء من الفساد الحالي سواء المؤسساتي منه أو السياسي.

الحاج رشيد يرى أن الورقة البيضاء هي الفرصة الأخيرة للحكومة لإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي (الجزيرة نت)

فرصة أخيرة
وكان العراق قد تسلم ورقة مشابهة للورقة البيضاء من صندوق النقد الدولي عام 2017 بالمحتوى نفسه لكن بإطارات مختلفة، فيما يصفها عضو اللجنة المالية النيابية النائب أحمد الحاج رشيد بأنها قديمة في طروحاتها وجديدة في طرحه (الكاظمي)، معتبرا إياها بمثابة الفرصة الأخيرة للحكومة لإجراء إصلاحات وإنقاذ البلد من الانهيار الاقتصادي والمالي.

وشكلت اللجنة المالية النيابية لجنة فرعية لدراسة الورقة المطروحة مع إعدادها ورقة مشابهة، في وقت ليس من اختصاص هذه اللجنة تقديم الرأي والمشورة للحكومة في هذا الشأن، إلا أنها تسعى لتقديم المساهمة في الإصلاح الاقتصادي، حسب حديث الحاج رشيد للجزيرة نت.

وعن موقف البرلمان العراقي واللجنة المالية من هذه الورقة، وهل سيصوتان عليها أو لا، دعا الحاج رشيد إلى عدم سبق الأحداث والحديث قبل الأوان وإنما الانتظار لحين إرسال الحكومة الورقة على شكل مشروع قانون، وسيكون هناك حديث للمجلس واللجنة بعد الاطلاع على محتواها بشكل مفصل.

وما شهده العراق في 2020 هو رد فعل على سياسات خاطئة على مدار سنوات متعددة لم تستطع الحكومات المتعاقبة من تصويب الموارد المالية الأخرى غير النفط الخام الذي يشكل قرابة 95% من بناء الموازنة المالية وهذا ما يجعل الورقة البيضاء وغيرها من الأوراق الإصلاحية الاقتصادية والمالية والإدارية عاجزة عن معالجة مشاكل الاقتصاد ما لم يتم أولا تجفيف منابع الفساد والإطاحة برؤوسه وفرض قوانين تحمي المال العام.

إذهيب يرى أن الكاظمي سيسخدم هذه الورقة لرصيده الانتخابي وكسب ود الشارع مع توقعه بفشل خطته (الجزيرة)

ترسيخ للاقتصاد أم تنمية الفساد؟
معالجة المشاكل الاقتصادية تتطلب سنوات عدة لمحو آثار سلبيات الماضي -كما يرى الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي علي كريم إذهيب- عازيا السبب إلى أن العراق مطالب حتى الآن بتسديد ديون خارجية لإيران والكويت ودول أخرى إلى جانب ديون لصندق النقد والبنك الدوليين والتزامات أخرى، متسائلا، كيف سيتم التوازن المالي بين الداخل والخارج في ظل الأزمة الصحية والسياسية والاقتصادية؟!

واعتبر أن تطبيق الورقة البيضاء من شأنه أن يوسّع الفارق في سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي بين السوقين الرسمي والموازي دون إجراءات حكومية، إضافة إلى اعتباره تمثيلا جديدا لفساد وكسب غير مشروعين يؤديان لارتفاع الأسعار في السوق المحلية، حسب رد إذهيب فيما إذا كانت هذه الورقة هي ترسيخ للهوية الاقتصادية العراقية أم لتنمية الفساد.

وفيما إذا كان إطلاق هذه الورقة في هذا التوقيت من قبل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي للدعاية الانتخابية أم لإصلاح اقتصاد البلاد؟ يعلق إذهيب بأن نشاط الكاظمي أصبح محصورا في مواقع التواصل الاجتماعي دون تنفيذ مطالب مهمة، وأن هذه الورقة تندرج في الرصيد الانتخابي وكسب ود الشارع له، مرجحا فشل خطة الكاظمي في حال مرر البرلمان الورقة البيضاء، لأنها ستبدأ بخفض رواتب الموظفين بنسبة عالية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كتب وزير الكهرباء العراقي السابق لؤي الخطيب مقالا في مجلة أميركية قال فيه إنه بات من الأولويات القصوى للعراق ألا يعتمد على النفط، والعمل على الاعتماد على مصادر الطاقة المستدامة.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة