مخاوف على الأمن الغذائي.. لماذا تراجع المستهدف من زراعة القمح بمصر؟

مصر -أكبر مستوردة للقمح في العالم- زرعت نحو 3.16 ملايين فدان من القمح العام الماضي (الجزيرة)
مصر -أكبر مستوردة للقمح في العالم- زرعت نحو 3.16 ملايين فدان من القمح العام الماضي (الجزيرة)

محمد عبد الله-القاهرة

أثار إعلان وزارة الزراعة المصرية زراعتها مساحة من القمح أقل من المستهدفة، تساؤلات بشأن عدم قدرتها على بلوغ المستهدف وتحقيقه، وتأثير ذلك على الاكتفاء الذاتي.

وأعلن رئيس قطاع الخدمات بوزارة الزراعة عباس الشناوي -الأربعاء الماضي- زارعة ما يتراوح بين 3.1 و3.2 ملايين فدان قمح في الموسم الحالي، وهو ما يقل بنحو 400 ألف فدان عن المستهدف البالغ 3.5 ملايين فدان.

وكان الشناوي أعلن في تصريحات سابقة أن مصر تستهدف زراعة 3.5 ملايين فدان، بهدف زيادة مساحات المحاصيل الإستراتيجية لأهميتها في تحقيق الأمن الغذائي المصري.

وزرعت مصر -أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم- نحو 3.16 ملايين فدان العام الماضي، بإجمالي إنتاج 8.5 ملايين طن قمح، وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 34.5% فقط عام 2017، ومتوسط نصيب الفرد 163.9 كلغ، وفق إحصاءات رسمية.

وأرجع خبراء ومسؤولون سابقون في تصريحات للجزيرة نت أسباب مراوحة المساحات المزروعة بالقمح مكانها طوال السنوات الماضية، إلى السياسات العشوائية في الزراعة، ورفع الدعم، فضلا عن عدم تشجيع الفلاحين بشكل كاف ومرض.

ويرى خبراء ومختصون أنه على الرغم من أهمية وحساسية محصول القمح لبلد في حجم مصر التي يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة، فإن هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي ظل بعيد المدى طوال عقود طويلة لأسباب عدة.

أبرز تلك الأسباب هو غياب الإرادة السياسية وثبات مساحات الأرض المنزرعة والتعدي عليها بالزحف العمراني، والزيادة السكانية المفرطة، وعدم وجود صوامع حديثة كافية لتخزين المحصول مما يعرضه للتلف، إضافة إلى مزاحمة القمح من جانب البرسيم الذي يعد الغذاء الرئيس للمواشي، وانخفاض الإنفاق على مراكز البحوث والإرشاد، وتراجع مستوى معيشة المواطنين بالاعتماد على النشويات أكثر من البروتين.

وتعتمد مصر بشكل كبير على القمح في غذائها باستهلاك أكثر من 16 مليون طن منه سنويا، من بينها نحو 9 ملايين طن للخبز المدعم، لإنتاج ما يقرب من 270 مليون رغيف يوميا، يستفيد منها 71 مليون مواطن.

وأظهرت الإحصاءات الرسمية ارتفاع واردات مصر من القمح إلى 2.8 مليار دولار عام 2018، مقابل 2.6 مليار دولار عام 2017، بنسبة ارتفاع قدرها 6.5%. 


مجرد أمنيات
وأرجع نقيب الفلاحين في مصر حسين أبو صدام سبب عدم بلوغ مصر للمساحة المستهدفة من زراعة القمح إلى "عشوائية القرار"، قائلا "المساحة التي استهدفتها وزارة الزراعة كانت استهدافا عشوائيا، بسبب عدم وجود خطة مدروسة لزراعة هذه المساحة، وعدم وجود دورة زراعية في مصر".

وأوضح نقيب الفلاحين في تصريحات للجزيرة نت أن "كل فلاح يزرع بمزاجه، ولا يوجد محفز له إلا بوجود سعر عادل وتسويق جيد"، مشيرا إلى أن الزراعات التعاقدية التي تتمثل في تحديد السعر قبل الزراعة، هي من أهم مطالب الفلاح التي لا تتحقق، وتسويق المحصول.

وقال أبو صدام "لو كانت الحكومة جادة في زيادة المساحات المزروعة بالقمح، لكانت أعلنت عن الأسعار قبل بدء عملية الزراعة، فمن زرع زرع  بالفعل، وليس إعلان السعر قبل الحصاد بأيام، وذلك فالمستهدف يظل مجرد أمنيات لن تتحقق دون خطة".

وفيما يتعلق بفشل محاولات الوصول إلى اكتفاء ذاتي، أكد أن "هناك محاولات بذلت في هذا الصدد لتقليل الفجوة وليس لتحقيق الاكتفاء، كالتوسع الزراعي ودعم الفلاحين وتغيير طرق الزراعة وإدخال أصناف جديدة، ولكنها تتم على استحياء، ولعل بناء الصوامع الحديثة أسهم في تقليل الفاقد".

تراجُع المساحة المنزرعة من القمح يتوافق مع تقرير رسمي بشأن انخفاض كميات المياه المستخدمة للري، بسبب انخفاض المساحات المزروعة. 

وبلغت كمية المياه المستخدمة في الري عند خزان أسوان 44.6 مليار متر مكعب عام 2018، مقابل 50 مليار متر مكعب عام 2017، بنسبة انخفاض بلغت 10.8%، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما بلغت كمية المياه المستخدمة في الري عند الحقل 36.5 مليار متر مكعب عام 2018، مقابل 41.9 مليار متر مكعب عام 2017، بنسبة انخفاض بلغت 13.1%. 


مخاطر
وحذر مستشار وزير التموين المصري الأسبق عبد التواب بركات من استمرار تراجع المساحات المنزرعة بالقمح، قائلا "إذا استمرت الدولة على هذا المنوال فسيتراجع إنتاج محصول القمح، وتزيد الفجوة الغذائية، ولن يتحقق الاكتفاء الذاتي".

وأكد في تصريحات للجزير نت أن تراجع مساحة القمح بنسبة 13% يعني تعويض العجز عن طريق زيادة معدلات الاستيراد من الخارج بنفس النسبة تقريبا، وهذا يعني أن كميات القمح التي تستوردها مصر سوف تقفز من 12.5 مليون طن إلى أكثر من 14 مليون طن، بزيادة قدرها 1.6 مليون طن عن العام الماضي. 

وأوضح أن "زيادة الاستيراد تعني ارتفاع أسعار المكرونة وهي السلعة البديلة للأرز الذي تحاول الدولة تخفيض مساحته لتخفيض استهلاك مياه الري، ولكن ارتفاع سعرها سوف يزيد الضغط على أسعار الأرز، هذا فضلا عن الكلفة السياسية لزيادة الاعتماد على الخارج في استيراد القمح باعتباره سلعة إستراتيجية ترهن القرار السياسي المصري للدول المصدرة له". 

ورأى بركات أن الأمن الغذائي في مصر في خطر بسبب "اعتماد الدولة على استيراد المحصول الإستراتيجي من الخارج، والقاعدة السياسية تقول من لا يملك قوته لا يملك قراره، وما يجري مع الفلاحين ينذر بتقلص مساحات الأرض الزراعية في مصر".


دعم الفلاح
بدوره حمّل الخبير الزراعي جمال صيام الحكومة المصرية مسؤولية تراجع مساحة القمح، بسبب "تراجعها منذ نحو عامين أو ثلاثة عن تحديد سعر عادل للقمح للفلاحين، حيث كانت تعلن سعر توريد القمح قبل موسم الزراعة وزيادته على السعر العالمي لتشجيعهم على الزراعة، فنحو 70% من فقراء مصر في الريف ويعتمدون على الخبز، إضافة إلى محدودية الرقعة الزراعية".

وقال للجزيرة نت إن الحكومة "تخلت تقريبا عن دعم المزارع، وعن دعم مراكز البحوث الزراعية (16 مركزا) لاستنباط أصناف جديدة من القمح؛ وبالتالي تراجعت المساحة، كما أن من غير العدل مقارنة القمح المصري العالي الجودة عند الشراء بالقمح الروسي، كما أن أزمة الأعلاف في العالم دفعت الفلاحين لزيادة مساحة البرسيم الذي يزرع هو الآخر في الموسم الشتوي ولا غنى عنه بالنسبة للفلاح" الذي يهمه أن يطعم ما يربيه من أبقار وأغنام. 

ولفت إلى أن "مراوحة المساحات المزروعة بالقمح مكانها تجعل حجم الإنتاج لا يزيد على تسعة ملايين طن سنويا، وكان أولى بالدولة زيادة مساحة القمح لا البرسيم؛ لأن الأخير يستهلك ضعفي مياه الأول، بينما القمح سيوفر على الدولة كميات أكبر من المياه، فضلا عن توفير العملة الصعبة".

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة

حول هذه القصة

كشفت إحصاءات دولية أُعلن عنها على هامش معرض الأسبوع الأخضر بألمانيا استمرار وتنامي اعتماد مصر في غذائها على الحبوب الغذائية خاصة القمح المستورد من الخارج.

يعد ملف القمح الملف الأكثر حضوراً من حيث تحقيق إيجابيات في الاقتصاد المصري بعد ثورة 25 يناير، فقبل الأخيرة كان المصريون يشعرون بالأسى لكون بلادهم أكبر مستورد للقمح بالعالم، غير أنها استطاعت تقليص وارداتها من هذه السلعة الإستراتيجية هذا الموسم بنسبة 34%.

انخفضت أسعار تصدير القمح الروسي الأسبوع الماضي بسبب مخاوف تتعلق بتوريد القمح إلى مصر، أكبر مستورد له في العالم، بعد أن أثارت الاشتراطات المصرية حالة من الارتباك والقلق.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة