ألعاب الرهان الأوروبية.. نزيف العملة الصعبة في تونس

أحد تجار العملة في غرفة خلفية لمحل خدمات يستغله لتضليل الأمن (الجزيرة)
أحد تجار العملة في غرفة خلفية لمحل خدمات يستغله لتضليل الأمن (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

بينما يضغط البنك المركزي التونسي من خلال مذكراته لترشيد المصاريف والتحويلات بالعملة الصعبة وصولا إلى عدم منح تراخيص استثنائية للسياحة والدراسة والأعمال يجد المراهنون في تونس ضالتهم لدى تجار سوق سوداء من نوع جديد، لتزويد أرصدتهم الافتراضية بالعملة الصعبة على تطبيقات ألعاب الرهان.
 

فقد غزت تطبيقات ومواقع مختصة في الرهان الرياضي على البطولات الأوروبية -في مراوغة للقوانين المالية- الهواتف الجوالة للشباب التونسيين.

من "البلانات" إلى "بيوين" وغيرها من تطبيبقات ألعاب الرهان تنتقل أحلام فئة مهمة من التونسيين بتحصيل الثروة السريعة بين شاشات الهواتف وأوراق الرهان التي دونوا عليها توقعاتهم بنتائج المباريات.

وتفيد الإحصائيات التي نشرتها السلطة التنظيمية للألعاب عبر الإنترنت لسنة 2017 بوجود أكثر من مليوني مسجل في العالم على مواقع الرهان تداولوا قرابة 2.5 مليار دولار، وهو مؤشر مطمئن للمستثمرين في هذه المواقع، في وقت لم يكن يتجاوز معدل التداول السنوي حتى 2012 نحو سبعمئة مليون دولار.

ضربة موجعة
في تونس وعلى الصعيد المحلي حققت مداخيل شركة الرهان الرياضي الحكومية (بروموسبور) لسنة 2014 رقما قياسيا ببلوغها ما يزيد على 37 مليون دولار، من ضمنها 15 مليون دولار أرباح وزعت على الفائزين، أي أن ما يعادل 1.25 مليون دولار شهريا دخلت جيوب المراهنين.

رقم كان واعدا إلى حدود 2014، ولا سيما أن نسبة مهمة من الرهانات كانت توجه لتطوير الرياضة في تونس، لكن سرعان ما تراجع هذا الرقم سنة 2016 بنسبة 47% نتيجة انتشار ظاهرة الرهان من تونس على البطولات الأوروبية عبر مواقع أجنبية تتيحها سوق سوداء للعملة لترسي بذلك منظومة محكمة لمراوغة القوانين والدولة.

شاب تونسي في ركن مقهى يتابع نتائج رهان أجراه على موقع أجنبي (الجزيرة)

لم يكبد شغف التونسيين المولعين بألعاب الرهان الدولة ما يناهز 15 مليون دولار فقط كمعدل تراجع في المداخيل السنوية للشركة الحكومية للرهان، بل أضحى نزيفا مزدوج التأثير على مخزون العملة الصعبة تعجز الأجهزة عن تقييمه كميا، نظرا لكونه نشاطا محظورا ومتفشيا، إضافة إلى عدم خضوعه للقوانين الضريبية المفروضة على هذه الأنشطة التي تعود إلى خزائن الدولة.

منظومة معقدة
تجار العملة في سوق الرهانات الرياضية اتخذوا طابعا متطورا، إذ يكفي أن تفتح حسابا في دقائق على أحد تطبيقات الرهان الكثيرة في أوروبا فيشحن أحد أقاربك أو معارفك المقيمين في الخارج رصيدك عن طريق بطاقة ائتمانية أجنبية حتى تتحول إلى تاجر عملة يكسب آلاف الدنانير.

ويتموقع هذا النوع من التجار غالبا في مقاهي الأحياء، حيث تسهل المعاملات مع العملاء، وأحيانا في محلات الطباعة والخدمات المكتبية لتضليل الأمن، حيث يقصدهم المتراهنون لاستبدال دنانير تونسية تدفع نقدا نظير تحويل رصيد من العملة الأجنبية على حساب أنشئ على تطبيق الرهان.

يقول التاجر حسان إنه يتعامل يوميا مع جميع فئات المجتمع، وإن قائمة عملائه الأوفياء تضم العشرات من موظفين وخريجي جامعات وعاطلين عن العمل.

ويضيف أن معدل إنفاق الفرد الواحد منهم يوميا على المراهنات يناهز الدولارين، يشترونها بأسعار صرف تفوق نظيراتها في البنوك بـ25 إلى 30%.

ويتابع حسان أنه في الحالات النادرة التي يكسب فيها أحد المراهنين فإن عملية صرف مقدار البطاقة الفائزة يكون نقدا وبسعر أدنى من المتداول، أي أن تاجر العملة يتمتع بفائدة مزدوجة عند تحويل الرصيد وأخرى عند صرف القيمة المالية للبطاقات الفائزة، وهي شروط لا يجرؤ المتراهن على مناقشتها لأنه مخالف للقانون.

‪شباب تونسيون في مقهى يتابع نتائج مباراة كرة قدم‬ (الجزيرة)

مأزق قانوني واجتماعي
رغم تفاقم ظاهرة الرهان الإلكتروني لدى العديد من فئات المجتمع التونسي والتي ناهز حجم الأموال المتداولة فيها على المواقع الأجنبية ثمانمئة مليون دينار -حسب ما أعلن عنه مراقبون منذ سنة 2016- فإن الحلول لا تزال مقيدة ومرتبطة بالتدخلات الأمنية وحالات الإيقاف التي تطال تجار أرصدة الرهان.

ومع انعدام إمكانية حجب هذه المواقع في تونس -نظرا لما يمثله هذا القرار من مس لحرية الإبحار على الإنترنت التي تفرض عدم حجب المواقع التجارية التي لا تمثل تهديدا للأمن القومي ولا تمت بصلة للإرهاب أو تدعم الأفكار المتطرفة بطريقة أو بأخرى- فإن الحلول التي اقترحتها شركة "بروموسبور" ظلت تفتقر إلى النجاعة، وعاجزة عن إعادة اجتذاب رصيدها المختطف من المراهنين.

واقتصرت هذه الحلول على رفع عدد نقاط بيع ألعاب الرهان الرياضي التي توفرها الدولة عبر شركة بروموسبور، وتسهيلات لمن يحدث نقاط بيع جديدة، وطرح ألعاب جديدة للمتراهنين في مجتمع يعرف نسبة بطالة تقدر بـ15% حسب إحصائيات الثلاثي الأول لسنة 2019، إضافة إلى تدهور قيمة الدينار مقارنة باليورو الذي أصبح عامل إغراء للمتراهنين.

وذهب مراقبون إلى أن عجز الدولة عن إيقاف هذا النزيف من العملة الصعبة  ربما يعود إلى "سياسة متعمدة" بغرض إلهاء فئة مهمة من المجتمع عن الارتفاع المطرد للأسعار ومعدلات البطالة، إذ ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل والحلم بالثروة التي تتيحها هذه الألعاب في تونس.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

حذّر وزراء مالية سابقون من عواقب وخيمة تهدد بخلخلة الاقتصاد التونسي جراء الانخفاض الحاد في مخزون العملة الصعبة، في حين تستعد الحكومة لمزيد من التداين الخارجي لتعبئة رصيدها.

8/2/2018

يشكو شبان تونسيون كثر من البطالة التي بلغ معدلها 15.3%، ويتساءلون عما قدمته لهم الحكومة على مدى خمسة أعوام منذ الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي.

11/12/2015
المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة