نظام التعاقد بالمغرب.. دعم للموازنة وتأجيج للاحتجاجات

"احتجاجات للأساتذة المتعاقدين بالمغرب"
حسب الخبراء لجأ المغرب لنظام التعاقد في الوظيفة لمواجهة للتقليل من كتلة الأجور في ميزانية الدولة (الجزيرة)


مريم التايدي-الرباط

 
منذ حصوله على الإجازة (البكالوريوس) في الفلسفة سنة 2015 ويوسف الزهيدي (26 سنة) يحاول الاندماج بشكل رسمي كأستاذ.

حين اجتاز يوسف أول اختبار للتوظيف لم يكن يعلم أنه سيقضي أربع سنوات من عمره بين احتجاج واعتصام ورفض لقرارات متتالية تهم نمط التشغيل بقطاع التعليم.

تمهيد لنمط التعاقد
التحق يوسف ومعه عشرة آلاف حاصل على الإجازة بمركز تدريب الأساتذة في سبتمبر/تشرين الأول 2016، ليفاجأ بصدور مرسومين أحدهما يقلص من منحة التكوين والثاني يقضي بفصل التكوين عن التوظيف، على عكس ما كان معمولا به سابقا، حيث كان الأساتذة يُعتبرون مدمجين بمجرد تجاوزهم للمباراة.

وكان المرسومان تمهيدا لانطلاق نمط التشغيل بالتعاقد الذي اقترحته الدولة لمواجهة الخصاص في المدرِسين بحسب تصورها، كما شكلا انطلاق شرارة الاحتجاج.

تواتر الاحتجاج
يعيش المغرب على وقع احتجاجات وشد وجذب بين الحكومة وأفواج من المتعاقدين في قطاع التعليم تحديدا. وتعود فصول الأزمة إلى اعتماد الحكومة لنظام التعاقد بدلا عن التوظيف المباشر في إطار سياسة الدولة للتحكم في كتلة الأجور وضبط الميزانيات العمومية، والتقليل من نسب البطالة.

واعتمد المغرب نظام التعاقد في قطاع التعليم منذ سنة 2016 وبلغ عدد الأساتذة المعنيين به أكثر من 55 ألفا على ثلاثة أفواج.

غير أن القرار تلته أزمات سياسية واجتماعية ما انفكت تتصاعد، ولا تزال فصولها مستمرة.

‪جانب من احتجاجات الأساتذة المتعاقدين بالمغرب‬ (الجزيرة)‪جانب من احتجاجات الأساتذة المتعاقدين بالمغرب‬ (الجزيرة)

ثقل النفقات
تعتبر نفقات موظفي الدولة من أهم المكونات الأساسية للنفقات العمومية، إذ تمثل لوحدها أكثر من 33% من نفقات الميزانية العامة، وقد بلغت في 2018 نحو 109 مليارات درهم (11.26 مليار دولار) بنسبة ارتفاع بلغت 55% في عشر سنوات.

وقال الخبير الاقتصادي عادل خالص إن الدولة لجأت إلى سياسة التشغيل بالتعاقد من أجل التقليل من كتلة الأجور، معتبرا أن كتلة الأجور زادت من حدة الضغط على الميزانية، خصوصا أن الدولة تلجأ بشكل مستمر للاستدانة لتغطية احتياجاتها من التمويل لأجل الاستثمار العمومي.

وتمثل نفقات الموظفين العموميين حاليا 9.74% من الناتج الداخلي الخام، دون احتساب مساهمات الدولة في أنظمة التقاعد والاحتياط الاجتماعي، وتعتبر الحكومة أن هذا المعدل من بين الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

التحكم في الموازنة
وتلتزم الحكومة المغربية تجاه صندوق النقد الدولي بخفض كتلة أجور الموظفين العموميين إلى ما دون 10.5% من الناتج الداخلي الخام.

وقال رئيس وفد صندوق النقد الدولي، في ختام زيارته للمملكة مطلع أبريل/نيسان الحالي، إن "نظام التعاقد في قطاع التعليم يُمثل فرصة إذا كان متفاوضا عليه وجرى في ظروف توفر الحماية، ويمكن أن يكون مفيدا من أجل تسهيل مواجهة التحديات المطروحة".

ويعتبر الخبير عادل خالص أن الغاية من سياسة التقليل من كتلة الأجور هو التحكم في عجز الميزانية والمديونية، والتقليص من انعكاساتهم على باقي المؤشرات الماكرو-اقتصادية، إلا أن خيار التشغيل بالتعاقد ليس خيارا صائبا، يقول خالص.

ويرى خالص أن المشكل في منظومة الأجور غير العادلة، حيث إن 1% من ذوي الرواتب الضخمة يستحوذون على حوالي 10% من كتلة الأجور بالمغرب.

ويشير إلى أن حصة الأجور العالية في كتلة الأجور هو ما جعل المغرب يتفوق على دول أكثر تقدما كإسبانيا وتركيا من حيث متوسط الأجر نسبة إلى الدخل الفردي، حيث يمثل متوسط الأجر بالمملكة ثلاثة أضعاف حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي.

من جانبه يؤكد الخبير في المالية العامة، نور الدين الأزرق، أن قرار التعاقد وأنماط التشغيل الأخرى بالمغرب (التعاقد المرحلي أو التعاقد على أساس الخبرة، والتعاقد الوظيفي) يحتاج إلى نقاش عميق واتخاذ إجراءات كفيلة بالحفاظ على جودة المرفق العام والتوازنات الاجتماعية، بغض النظر عن التكلفة.

‪عدد الأساتذة المعنيين بنظام التعاقد في المغرب بلغ أكثر من 55 ألفا‬ (الجزيرة)‪عدد الأساتذة المعنيين بنظام التعاقد في المغرب بلغ أكثر من 55 ألفا‬ (الجزيرة)

توظيف جهوي
وما زال النقاش متواصلا بين الأساتذة المتعاقدين كنموذج لنمط التشغيل بالتعاقد والأطراف المتدخلة (وزارة الوصية والنقابات وممثلي المدرسين)، ليبقى خيار نمط التوظيف الجهوي وعدم تمركز الأجور واردا بهدف التقليص من تضخم الأجور الوظيفية مركزيا في الموازنة.

يذكر أن المجلس الأعلى للحسابات (مؤسسة رقابة عمومية)، في تقريره السنوي 2016 و2017، كان قد أكد أن الوظيفة العمومية تعاني من اختلالات التوزيع الجغرافي لأعداد الموظفين، وقال إن "الوظيفة العمومية تفوق القدرات الاقتصادية للدولة".

أما يوسف وزملاؤه فيعتبرون أن العقود الموقعة "عقود عبودية وتبعية" تشمل بنود مجحفة، وأن الدولة استغلت ارتفاع البطالة والوضع الاجتماعي لتمرير هذا النمط من التشغيل، مشككين في قدرة الأكاديميات المالية على تغطية أجورهم، وبالتالي إثقال كاهل الأسر.

المصدر : الجزيرة