بريطانيا "المُطلَّقة".. هجرة الشركات وخيبات أمل المستهلكين

معارضون للبريكست خلال مظاهرة خارج مبنى البرلمان (رويترز-أرشيف)
معارضون للبريكست خلال مظاهرة خارج مبنى البرلمان (رويترز-أرشيف)

عثمان بوشيخي-لندن

منذ صيف 2016 توالت خيبات الأمل الاقتصادية والأخبار غير السارة على الجزر البريطانية، فقد فازت فرنسا في سباق خاضته لاحتضان مقر الهيئة المصرفية الأوروبية التي ستغادر المملكة المتحدة بعد البريكست، كما فازت هولندا في سباقٍ مماثل للظفر باحتضان مقر الوكالة الأوروبية للأدوية.

كما توالت إعلانات كبريات الشركات العالمية، إذ أكدت "سوني" للإلكترونيات نقل مقرها إلى أمستردام، فضلا عن إعلان "هوندا موتور" اليابانية إغلاق مصنعها الوحيد في بريطانيا مما سيؤدي لخسارة حوالي 3500 وظيفة.

أما "نيسان" اليابانية فأعلنت هي الأخرى إلغاء خطة استثمارية لصنع السيارات في شمال شرق إنجلترا.

كما حذرت "بورش" الألمانية للسيارات من أن زبائنها البريطانيين سيصبحون مجبرين على دفع زيادة بنسبة 10% بحلول أبريل/نيسان المقبل.

وشملت موجة الهجرة الجماعية البنوك، حيث أعلن "فالكون" السويسري الخاص أنه سيوقف عملياته بالسوق البريطانية وسيبيع أصول وحدته في لندن إلى "دولفين فايننشال" البريطانية المحدودة.

أما في قطاع الطيران المدني، فقد حذرت "إيرباص" الأوروبية -وهي ثاني أكبر مجموعة لصناعة الطيران بالعالم- من أنه سيكون عليها اتخاذ قرارات صعبة بشأن استثماراتها بالمملكة المتحدة مستقبلا.

كما قالت طيران "بي أم آي" البريطانية إن أسطولها المكون من 17 طائرة توقف فعليا عن تسيير رحلات إلى أكثر من 25 مدينة أوروبية بسبب عدم قدرة الشركة على توقيع عقود طيران بالقارة العجوز.

‪"إيرباص" أكدت أنه سيكون عليها اتخاذ قرارات صعبة بشأن استثماراتها في بريطانيا مستقبلا‬ "إيرباص" أكدت أنه سيكون عليها اتخاذ قرارات صعبة بشأن استثماراتها في بريطانيا مستقبلا (رويترز)

"أبغض الحلال" مع أوروبا
وتزامنت كل هذه الأخبار السيئة مع أحداث أخرى تهم المواطن البريطاني، فقد انهارت قيمة الجنيه الإسترليني لتجعله أفقر قليلا.

ورصدت استطلاعات رأي عدة انهيار معنويات المستهلكين وتزعزع ثقتهم، كما تؤكد ذلك شركة "جي أف كيه" التي أجرت المسح نيابة عن المفوضية الأوروبية.

وترى المواطنة البريطانية سيمون (47 عاما) أن الناخب قد عاقب نفسه في استفتاء البريكست، وصوّت دون أدنى إلمام بعواقب فعلته.

وتضيف "عُطلي خارج البلاد أصبحت باهظة التكلفة. ففنجان قهوة في إسبانيا أو وجبة واحدة بمطعم كانت تكلف مئة يورو (سبعين جنيها) من قبل، أما الآن فتكلف تسعين جنيها على الأقل".

أما التونسي صالح (39 عاما) المقيم بلندن فيقول إنه يعاني كثيرا في تحويل الأموال إلى بلده مؤكدا أن انهيار قيمة الإسترليني يعني بالضرورة أن "قيمة راتبي قد انهارت رغم وجود التزامات عائلية في انتظاري".

ويضيف أنه في ديسمبر/كانون الأول 2015 كان يمكنك أن تشتري بجنيه واحد في مكاتب الصرف 1.40 يورو، أما الآن فقيمته 1.14 يورو "والأمر ذاته بالنسبة لباقي العملات الصعبة".

إنذار أم ترويج للخوف؟
يتوقع كثيرون أن تتجاوز تحديات البريكست حدود بريطانيا، وأكدت دراسة لمعهد التنمية الألماني في يناير/كانون الثاني الماضي أن طلاق بريطانيا سيخلف 1.7 مليون فقير عبر أرجاء المعمورة، مضيفة أن أكثر الدول التي ستتضرر بالعالم النامي هي كمبوديا.

وأشار تقرير مؤسسة Resolution المستقلة ومقرها لندن إلى أن اقتصاد الجزر البريطانية تحول من واحد من أسرع الاقتصادات بمجموعة الدول الصناعية السبع إلى أبطئها بعد الاستفتاء.

كما نبهت دراسة حديثة صادرة عن مركز Global Future المعني بالاقتصاد البريطاني إلى أن المملكة المتحدة تحتاج قرابة مئتي ألف مهاجر في السنة، وحذرت من حصول أزمة حادة في اليد العاملة على المدى القصير إذا لم تبادر الوزارات البريطانية المعنية إلى توضيح خططها وسياساتها بشأن الهجرة ووضع مقيمي الاتحاد الأوروبي.

تراجع سعر الإسترليني رفع من تكلفة استيراد السلع من الخارج

تخزين الأغذية
وتتحدث صحف بريطانية ‏عن بدء عدد غير قليل من المواطنين في تخزين الأغذية مخافة نقص الغذاء بعد البريكست، ولا سيما أن كمية كبيرة مما يوضع على المائدة الإنجليزية مستوردة من الخارج.

كما تحدثت مراكز بحث عن نقص رهيب بالأدوية في "بريطانيا المطلقة" استنادا إلى تقرير "يوم البريكست المشؤوم" وقد سلمه كبار موظفي الخدمة المدنية لوزير البريكست السابق ديفيد ديفيز.

وبالإضافة إلى نقص الأغذية والأدوية، ينبري هاجس حقيقي بخصوص سيناريو عرقلة تدفق البضائع إلى بريطانيا، ولا سيما بعد أزمة الحدود الإيرلندية.

وحذر عدد غير قليل من الخبراء الاقتصاديين من إمكانية أن يشهد ميناء دوفر الإنجليزي فوضى غير متوقعة مما قد يدفع الجيش إلى التدخل واستخدام "السلاح الجوي الملكي" لإيصال الإمدادات إلى أرجاء بعيدة من البلاد.

مستقبلها خلفها
في شارع بيكاديلي المزدحم كل ليلة كعادته، يحكي المغربي سعيد (55 سنة) الذي هاجر من إسبانيا إلى بريطانيا عن معاناته بإسبانيا بسبب الأزمة المالية العالمية، لكنه أكد أن الندم قد اعتراه منذ قدومه قبل ثلاث سنوات إلى المملكة المتحدة لأن الحياة مكلفة جدا وأسعار الإيجارات مرتفعة "ولا يمكنني العمل إلا في السوق السوداء".

أما الجزائري هشام (35 سنة) فيقول "هذه البلاد أصبح المستقبل خلفها" ويضيف "أستغرب كيف لم يفكر الإنجليز وهم أذكياء في احتمال أن يفقد حي المال بلندن بريقه، وترتفع معدلات البطالة، وتغادر الشركات".

ويتابع "شخصيا أخطط للذهاب والعيش بالولايات المتحدة، أشتغل في ‏شركة ألمانية للكهرباء وألح على إدارتها أكثر من مرة لتسهيل انتقالي إلى بلد آخر غير بريطانيا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تعافى الجنيه الإسترليني من المستويات المتدنية التي كان قد بلغها مقابل الدولار أمس الثلاثاء، وذلك عقب رفض البرلمان البريطاني الاتفاق الذي أبرمته رئيسة الوزراء تيريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة