كيف فشل ترامب في تقليص الدين الأميركي؟

U.S. President Donald Trump listens during a signing ceremony for the “First Step Act” and the “Juvenile Justice Reform Act” at the White House in Washington, U.S., December 21, 2018. REUTERS/Joshua Roberts
في عهد ترامب فاق الدين العام الأميركي 22 تريليون دولار (رويترز)

محمد المنشاوي-واشنطن

"عندما يبلغ الدين الحكومي 18 أو 19 تريليون دولار كما هي الحال الآن، فعليك برئيس مثلي يستطيع أن يُخفض هذا الدين".

كانت تلك كلمات المرشح دونالد ترامب في لقاء مع شبكة فوكس الإخبارية في السابع من أغسطس/آب 2015، أثناء حملته الرئاسية.

وبعد مرور عامين على رئاسة ترامب، ازدادت سرعة تراكم الدين الأميركي الحكومي بصورة غير مسبوقة.

وتخطى إجمالي الدين هذا الأسبوع 22 تريليون دولار، محققا مستوى قياسيا جديدا، رغم وعود الرئيس المتكررة منذ ترشحه للرئاسة بخفض الدين العام بمجرد وصوله للحكم.

قلق
وتسبب الرقم الجديد في قلق بعض دوائر واشنطن، رغم استقرار معدلات ارتفاع الدين خلال العقد الأخير، وتحديدا منذ بدء رئاسة باراك أوباما في 2008.

ويؤكد جيسون فورمان المستشار الاقتصادي السابق بإدارة الرئيس باراك أوباما -ويعمل حاليا أستاذا في جامعة هارفارد– أنه "لم أتخيل إطلاقا الوصول لهذا المعدل من الدين الحكومي والعجز في الموازنة، إلا أن أكثر ما يزعجني هو أن مستوى الدين يدفع لارتفاع أسعار الفائدة المنخفضة بشدة حاليا".

ويضيف "يشير ذلك إلى تغير في الوضع الاقتصادي، لذا علينا تغيير طريقة قراءة هذه الأرقام المتعلقة بالدين ونسبة العجز".

ومن الأسباب التي يراها بعض الاقتصاديين دافعة لزيادة الدين واتساع عجز الموازنة ما يعود -في الأساس- إلى تغير طبيعة الاقتصاد الأميركي ذاته.

ومع الانتقال السريع للاقتصاد الرقمي، قلت بشدة معدلات الاستثمار، وزادت الودائع التي تستقبلها الولايات المتحدة من مختلف أنحاء العالم.

ولم نعد نعرف حجم الاستثمارات الضخم في بناء مصانع تقليدية أو مشروعات كبرى في الولايات المتحدة.

ويدفع ذلك لانخفاض أسعار الفائدة؛ ومن ثم العزوف عن الاستثمار.

‪فريق ترامب يعتقد أن زيادة الدين العام ليست لها تبعات سلبية مباشرة على الاقتصاد‬ فريق ترامب يعتقد أن زيادة الدين العام ليست لها تبعات سلبية مباشرة على الاقتصاد (رويترز)‪فريق ترامب يعتقد أن زيادة الدين العام ليست لها تبعات سلبية مباشرة على الاقتصاد‬ فريق ترامب يعتقد أن زيادة الدين العام ليست لها تبعات سلبية مباشرة على الاقتصاد (رويترز)

منطق ترامب
يعتقد الرئيس ترامب أنه مع تحقيق معدلات ارتفاع قياسية في سوق الأسهم الأميركية، التي يصاحبها انخفاض غير مسبوق في نسب البطالة، سيدفع بالضرورة لتحقيق معدلات نمو كبيرة تضيق بدورها الفجوة التي سببتها التخفيضات الضريبية التي أقترحها وتم اعتمادها، إلا أن هذه النجاحات لن تظهر على الفور، بل سيشهدها العقد القادم.

ويؤمن فريق ترامب الاقتصادي أن زيادة حجم الدين الحكومي ليست لها تبعات سلبية مباشرة على الاقتصاد الأميركي لطبيعته الخاصة.

"هذا الاستثناء الذي لا تتمتع به أي دولة في العالم سوى الولايات المتحدة بسبب طبيعة النظام المالي العالمي ودور الدولار، ومركزية القرار الأميركي على كل الأسواق العالمية"، وفق ما يذكره الخبير المالي والاقتصادي شريف عثمان للجزيرة نت.

وفي الوقت الذي لا يرى فيه الكثير من الخبراء قضية ارتفاع الدين الحكومي خطرا كبيرا، يعتقد فورمان أنه ليس من الحكمة "استخدام الأموال في موضوعات عديمة الجدوى (فـ)هو خطأ كبير، وقد يكون من الأفضل أن يتم تخفيض معدلات الدين الحكومي من أجل خلق فرص أفضل في المستقبل.

ويقول المستشار الاقتصادي السابق لإدارة أوباما "فكرة خفض الضرائب لم تكن لها ضرورة".

ولا يرجع الكثير من الخبراء نمو الاقتصاد الأميركي إلى خفض الضرائب الذي لم يمر عليه أكثر من عام بعد.

ورغم ارتفاع الدين الحكومي، تظهر نتائج استطلاع للرأي أجرته محطة "إي بي سي" وصحيفة واشنطن بوست مؤخرا تحسن رؤية الكثير من الأميركيين لطريقة تعامل ترامب مع القضايا الاقتصادية خلال العامين الماضيين.

ففي يناير/كانون الثاني الماضي أكد 51% من الأميركيين موافقتهم على سياسات ترامب الاقتصادية، في حين عارضها 49%.

الكل يريد إقراض أميركا
يختلف الدين الحكومي بين الدول طبقا لحجم الدين الداخلي والدين الخارجي، إلا أن الولايات المتحدة لا تعرف هذا الاختلاف، حيث إن العملة هي الدولار، وهو المستخدم في الداخل والخارج.

ويسمح هذا الوضع، إضافة إلى سعي دول العالم ممن لديها فوائض مالية لإقراض الولايات المتحدة، ومن ثم المساهمة في ارتفاع حجم الدين الأميركي.

وتمثل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم المؤشرات الاقتصادية التي يتم على أساسها معرفة مدى قوة أو ضعف الاقتصاد.

ولأن الولايات المتحدة تتحكم في الدولار بصورة أو أخرى، لا تمثل نسب الدين الحكومي قلقا كبيرا في بعض أوساط الخبراء الاقتصاديين.

‪بيانات وزارة الخزانة الأميركية‬ تشير ‪بيانات وزارة الخزانة الأميركية‬ تشير

ويؤكد الخبير المالي شريف عثمان أن "العالم يسعى بلا توقف لإقراض الحكومة الأميركية من خلال شراء سنداتها الحكومية، غم انخفاض أسعار الفائدة، وذلك لأن نسبة المخاطرة تقترب من الصفر، وهي نسبة لا تعرفها أي دولة أخرى أو أي قطاع آخر".

ولم تسهم سياسات ترامب الاقتصادية -خاصة المتعلقة بفرض تعريفات جمركية على منتجات دول يوجد عجز تجاري لها مع واشنطن- في انخفاض نسبة العجز التجاري، كما لم تؤثر على مسار ارتفاع الدين الحكومي.

استدانة بلا توقف
لم تشهد الولايات المتحدة ارتفاعا للدين الحكومي بهذه النسب وبهذه المستويات في أوقات السلم أو بعيدا عن وجود أزمة اقتصادية عالمية وركود كبير كتلك التي شهدتها أميركا والعالم في 2008.

وتشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية الأخيرة إلى أن إجمالي الإيرادات الضريبية الفدرالية لعام 2018 انخفض بنسبة 0.4% مع ارتفاع النفقات الفدرالية بنسبة 4.4%، مقارنة بعام 2017.

وزاد حجم الدين المحلي ونسبته من الناتج القومي الإجمالي خلال سنوات حكم الرئيس رونالد ريغان الذي اتبع سياسة خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي.

وتحسن الوضع نسبيا في عهد بيل كلينتون، وذلك قبل أن يضطر لرفع حجم الدين الحكومي عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، والحربين في أفغانستان والعراق، بجانب رفع حجم الميزانية العسكرية للولايات المتحدة خلال عهد جورج بوش.

وبدأت زيادات سنوية ضخمة في حجم الدين الحكومي مع وصول باراك أوباما للحكم في نهاية 2008 واضطراره للتعامل مع تبعات الأزمة المالية العالمية التي ضاعفت الدين الحكومي لمستويات غير مسبوقة.

المصدر : الجزيرة